بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ وَ صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا وَ نَبيِّنا وَ حَبيبِ قُلوبِنا أَبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ.
بادئ ذي بدء، أتقدّم بالشكر إلى مؤسسة فهيم المحترمة التي أتاحت هذه الفرصة للحديث دقائق عن الفكر السياسي للعلامة النائيني، وأعتذر سلفًا من الأساتذة الكرام الذين شرّفوا هذه الجلسة بحضورهم على ما سأسبّبه لهم من إزعاج.
بدا لي، نظرًا إلى الأجواء التي نشأت في هذه الأيام بسبب انعقاد مؤتمر تكريم العلامة النائيني في قم ومشهد، والذي من المقرّر أن يُعقد قسمه الثاني في مدينتي النجف وكربلاء، ومن ثمرات هذا المؤتمر نشرُ مجموعة آثار العلامة النائيني، أن أطرح سؤالًا يتناسب مع انعقاد هذا المؤتمر. ذلك أنّه في هذه الأيام، وبفضل هذه الفرصة التي أُتيحت، طُرحت في المقابلات والمحاضرات وفي بعض المقالات مسألةٌ أرى أنّه لا بأس بالتأمّل فيها؛ وهي: هل كان ثمة خلاف جدّي بين العلامة النائيني والمرحوم الشيخ فضل الله النوري، وبصورة عامة بين العلماء المدافعين عن المشروطة والعلماء المعارضين لها (أو بتعبير أدقّ: المدافعين عن المشروطة المشروعة)، أم لا؟
فما يُقال ويُكتب ولا سيّما في هذه الأيام هو أنّه لم يكن ثمة خلاف يُذكر؛ [وكأنّ] العلماء كانوا يعارضون المشروطة الإنجليزية، ويعارضون المشروطة التي كان يطرحها المثقفون المتغرّبون، وكان خلافهم في المصاديق، وإلّا فلم يكن بينهم خلاف اجتهادي جدّي.
ومع أنّه يمكن قبول هذا القول بالنسبة إلى بعض المسائل؛ إذ بالنسبة إلى بعض المسائل الخلافية، نعم، من الممكن أن يكون الخلاف في المصداق. فمثلًا في ما يتعلّق بمبدأ المساواة أو مبدأ الحرية، كانت رؤية كلّ واحد منهم ورأيه منصرفًا إلى تعريف معيّن للمساواة أو الحرية لم تكن رؤية الآخر منصرفة إليه، بل كان للآخر فهمٌ مختلف لهذين الركنين اللذين كانا يُعدّان ركنَي المشروطة.
لكنّ الحقيقة أنّه كان هناك خلاف جدّي في الرأي بالنسبة إلى بعض المسائل. وأنا أرى أنّ علماء النجف -المرحوم الآخوند، والمرحوم المازندراني، والمرحوم النائيني في كتابه القيّم «تَنْبِيهُ الْأُمَّةِ وَ تَنْزِيهُ الْمِلَّةِ»- قد عرفوا ضرورات زمانهم معرفةً صحيحة، وعلى أساس ما شخّصوه من ضرورة زمانهم دخلوا ساحة المشروطة والدفاع عنها. ومن هذه الجهة، لو أنّ العلماء المعارضين للمشروطة أو المدافعين عن المشروطة المشروعة وضعوا أيديهم في أيدي علماء النجف، وتشكّلت وحدة كلمة بين العلماء، ولم يقف طيفٌ من العلماء إلى جانب محمد علي شاه القاجاري، لربما لقيت المشروطة مصيرًا آخر. ذلك أنّ بعض المتلاعبين بالسياسة استغلّوا اختلاف العلماء؛ فأخرجوا من الساحة أوّلًا العلماء المعارضين للمشروطة، ثم العلماء المدافعين عنها، فكان ما تعلمونه جميعًا أيها الأفاضل.
وتصوّري أنّ العلماء الذين وقفوا في وجه مراجع النجف من الطراز الأول والعلماء المدافعين عن المشروطة لم يعرفوا ضرورة زمانهم معرفة صحيحة. ومع أنّ آراءهم في بعض المسائل كانت صحيحة، [و] كان [رأيهم] صحيحًا بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين تصدّروا ساحة المشروطة؛ إلّا أنّه بنظرة كلّية، كانت ضرورة الزمان تقتضي أن يُطوى بساط النظام الاستبدادي القاجاري في إيران، ولم يكن ذلك ممكنًا إلّا بأن يضع الجميع أيديهم في أيدي بعضهم ويمضوا بالأمر قُدُمًا بوحدة الكلمة.
كان المرحوم النائيني يعتقد أنّ ما أدّى بصورة عامة إلى تخلّف الأمم الإسلامية هو الاستبداد. وكان الهمّ الأساسي لعلماء النجف، وتحديدًا المرحوم النائيني، الذي أثار قلقهم الشديد وكان هو السبب في دخولهم ساحة الدفاع عن المشروطة، هو مسألة الاستبداد؛ في المرحلة الأولى الاستبداد السياسي، وفي المراحل اللاحقة انضمام الاستبداد الديني إلى الاستبداد السياسي. كانوا يعتقدون أنّ علل تخلّف المسلمين هي ابتلاؤهم بالاستبداد وابتلاؤهم بظلم الحكومات المستبدّة التي حكمتهم على مرّ التاريخ. وفي المقابل كانوا يرون أنّ نموّ سائر أمم العالم وتقدّمها، ولا سيّما الأوروبيين، يعود إلى أنّهم عرفوا هذا الداء في زمانهم ونهضوا لمواجهته، وأسقطوا الحكومات الاستبدادية تحت شعار طلب الحرية، وطبّقوا في بلدانهم نماذج جديدة من الحكم؛ لأنّ الاستبداد مانعٌ من نموّ أيّ أمة وتقدّمها في مختلف الميادين.
بل إنّه يبدأ كتاب «تنبيه الأمة» من هذه النقطة بالذات، وهي أنّ أمم أوروبا عرفت ذلك الداء الأساسي، وهو يعتقد طبعًا أنّ هؤلاء بعد عصر النهضة وبعد الحروب الصليبية استلهموا ذلك من تعاليمنا الدينية؛ مسألة طلب الحرية، ومسألة المساواة، ونفي الاستبداد. ولذلك يعبّر قائلًا: «ضَاعَتْ بِضَاعَتُنَا وَ رُدَّتْ إِلَيْنَا». فبأيّ شيء تخالفون إذن؟ إنّ هذه الأمور، أي ما يُطرح تحت لواء المشروطة، متجذّرة في تعاليمنا الدينية.
حسنًا، في الواقع كان المرحوم النائيني، إذ يرى الاستبداد داءً مشتركًا للأمة الإسلامية، يتعجّب من أنّ أتباع أهل السنة سبقونا إلى العمل واستقبلوا موجة طلب المشروطة وطلب الحرية، فلماذا تخلّفنا نحن مع أنّه ينبغي أن نكون السبّاقين في هذا الميدان؟ وهو يلوم العلماء المعارضين للمشروطة. وقد [كتب] هذا الكتاب في الحقيقة لبيان أنّ ماهية الاستبداد هي عين الشرك وعين نفي التوحيد. ورسالته في هذا الكتاب أنّ الاستبداد في أصله شركٌ ووقوفٌ في وجه الوحدانية الإلهية وفي وجه التوحيد.
وللمرحوم الشهيد مطهري (رضوان الله عليه) عبارة في شأن هذا الكتاب، وما أبداه الأستاذ الشهيد مطهري من رأي في هذا الكتاب صحيح حقًّا. يقول: «الإنصاف أنّ أحدًا لم يبيّن التفسير الدقيق للتوحيد العملي والاجتماعي والسياسي في الإسلام، مقرونًا بالاستدلالات والاستشهادات المتقنة من القرآن ونهج البلاغة، كما بيّنه العلامة الكبير والمجتهد الفذّ الميرزا محمد حسين النائيني (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كتابه النفيس «تَنْبِيهُ الْأُمَّةِ وَ تَنْزِيهُ الْمِلَّةِ».» وفهم الشهيد مطهري لهذا الكتاب، أي رؤيته له، هو أنّ هذا الكتاب في الواقع قد رسم التوحيد الاجتماعي في الإسلام، وعدّ أكبر بليّة للأمة الإسلامية ابتلاءها وتلوّثها بالشرك، الشرك الاجتماعي.
حسنًا، أقول أيضًا على سبيل المقدّمة إنّ المرحوم النائيني كتب هذا الكتاب في فترة الاستبداد الصغير. أي إنّنا لو دقّقنا في الحقبة الزمنية التي كُتب فيها هذا الكتاب، لرأينا مَن هو المخاطَب به، وأيّ تيار هم، ولِلردّ على مَن كُتب هذا الكتاب في الحقيقة، وبأيّ مقطع من التاريخ يتعلّق. تعلمون أنّه بعد أن أصدر مظفر الدين شاه مرسوم المشروطة، وتشكّل مجلس الشورى الوطني، وكُتب الدستور، وأُضيفت إليه بإصرار الشيخ فضل الله النوري وبعض العلماء المادة الثانية من ملحق الدستور، وأُدرجت رقابة المجتهدين من الطراز الأول بنحوٍ ما في الدستور (أي في ملحق الدستور)، لمّا آلت السلطة إلى محمد علي شاه عارض المشروطة. وبدعمٍ من العلماء المعارضين للمشروطة، [أي] العلماء المدافعين عن المشروعة، قمعوا في الحقيقة مرة أخرى طلّابَ المشروطة، أي قمعوا هذه المرة طلّاب المشروطة، وقصفوا مجلس الشورى الوطني بالمدافع بدعمٍ من الروس.

وكتبوا كتاباتٍ ورسائل؛ رسالة «حرمة المشروطة»، ورسالة «تذكرة الغافل»، ورسائل مختلفة كتبها العلماء في إثبات حرمة المشروطة. بل أرسلوا بعضها إلى النجف. وهذه الرسائل التي كتبها العلماء في حرمة المشروطة كانت الدافع لأن يكتب المرحوم النائيني كتاب «تنبيه الأمة»، بل وأن يخصّص فصلًا من هذا الكتاب للردّ على شبهات العلماء المعارضين للمشروطة. إذن، فقد كُتب هذا الكتاب في هذه الأجواء.
صحيحٌ أنّه حين نُشر، تزامن نشره مع الانتصار المجدّد لطلّاب المشروطة وإعدام الشيخ فضل الله النوري شنقًا؛ فقد صادف نشره انتصار طلّاب المشروطة الذين طغوا هذه المرة، بتعبير بعض المشروطيين أنفسهم كالسيد حسن تقي زاده وأمثاله. فحين فتحوا طهران، كثيرًا ما... والآن بتعبيره هو، وهو نفسه من متطرّفي زمانه، يقول إنّ طلّاب المشروطة طغوا؛ أي إنّهم قاموا بأعمال لا يمكن الدفاع عنها، ومنها هذا الإعدام شنقًا للشيخ فضل الله.
حسنًا، فإذا كان هذا الكتاب قد كُتب في مثل هذه الأجواء، وكان معلومًا مَن هم المخاطَبون به، فإنّنا إذا أردنا أن نعرف هذا الكتاب معرفة صحيحة، وأن نعرف دافع مؤلّفه، ونعرف للردّ على مَن كُتب، فلن نأتي لنقول إنّ هذا الكتاب كُتب ليقول إنّ المشروطة التي نقول بها ليست المشروطة التي يقول بها الأوروبيون، ولا المشروطة التي يقول بها المثقفون المتغرّبون. نعم، كانت المشروطة التي يقول بها علماء النجف متمايزة تمامًا عن المشروطة التي كان أولئك، أو بعضهم، يروّجون لها، [ممّن] كانوا يقولون إنّ المشروطة لا تجتمع مع التشيّع ولا تجتمع مع الإسلام؛ فقد كانوا يقولون هذا الكلام أيضًا. لكنّ هذا الكتاب كُتب للردّ على العلماء المعارضين للمشروطة، وهو متعلّق بهذا المقطع التاريخي.
والآن، وبين قوسين، لا بأس أن أشير إلى أنّ هذه المجموعة التي نُشرت بهمّة المؤتمر، [أي] مجموعة آثار النائيني، أحد مجلّداتها هو هذا الكتاب «تنبيه الأمة». فقد أعادوا طباعة «تنبيه الأمة». وطبعًا يرى بعض أحفاد المرحوم النائيني، وهم من الأفاضل الحاضرين، أنّ النسخة الأولى للنائيني، [أي] النسخة الأولى من «تنبيه الأمة»، قد نُشرت، ثم أجرى هو نفسه بعض المراجعات، وأحدث بعض التغييرات، وقام ببعض التصحيحات، فطبعوا في الواقع تلك النسخة المصحّحة، وأوردوا في الهوامش أيضًا الفروق بينها وبين تلك الطبعة الأولى، [أي] النسخة الأولى التي كانت قد نُشرت، وهي «تنبيه الأمة» المتاح لنا الآن. وتُلاحَظ بعض التغييرات، وهي طبعًا تغييرات لفظية، تغييرات كثيرة نسبيًّا. وقد ألقيتُ عليها نظرة، لكنّي لم أجد الفرصة بعدُ لأطّلع على هذه الموارد بالتفصيل. [غير أنّه] لا يحدث تغيير كبير في رسالة هذا الكتاب؛ بعض التغييرات اللفظية والتعابير... ثم إنّه، مثلًا، بعد مئة وعشرين عامًا، كتابٌ نُشر وطُبع طبعات متعددة، تُنشر منه اليوم فجأةً نسخة مصحّحة، فهذا أيضًا أمرٌ غير متوقَّع إلى حدٍّ ما. أي إنّ المتوقَّع، لو كان مثل هذا الأثر موجودًا، أن يوضع في المتناول قبل ذلك بكثير.
والغرض الآن هو المقدّمة التي كُتبت لـ«تنبيه الأمة» هذا. ففي تلك المقدّمة، يبدو كأنّ هذا الكتاب لم يكن مخاطَبُه العلماءَ المعارضين للمشروطة أصلًا؛ «كَأَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا». وسأنقل لكم فقرة من مقدّمة هذا الكتاب، ليس فيها أيّ إشارة إلى الأجواء التي كُتب فيها هذا الكتاب على كلّ حال، ولا إلى مَن كُتب للردّ على شبهاتهم؛ لا شيء من هذا الكلام أصلًا.
لقد كتب [كاتب المقدّمة]: «حين يرى [أي المرحوم النائيني] أنّ العدوّ وقد جثا على ركبتيه وتراجع، أخذ يثير الشبهات حول أصل المشروطة ومبادئها (الحرية والمساواة)، ويصوّر هذه المبادئ منافيةً للإسلام، يرى أنّ العلاج في أن يكتب وينشر مطالب للدفاع عن المشروطة، وتوضيح موقف العلماء المشروطيين، وتنبيه الأمة إلى ضروريات الشريعة المقدّسة. فيوفَّق بالهمّة والمثابرة إلى إنجاز هذا العمل الجليل، ويؤلّف كتابًا باسم «تَنْبِيهُ الْأُمَّةِ وَ تَنْزِيهُ الْمِلَّةِ»، يطبّق فيه مبادئ المشروطة على الكتاب والسنة تطبيقًا عالمًا بالمنهج والأسلوب الفقهي، ويجيب عن الشبهات بدقّة، ويسدّ إلى الأبد الطريق على الأقوال غير اللائقة والمؤاخذات في غير محلّها. وقد أفهمَ في هذا الأثر أنّ ما يقوله المتغرّبون ويسعون إليه ليس هدف العلماء؛ فالحرية ليست التحلّل والانفلات من كلّ قيد، والمساواة ليست التسوية بين جميع الأديان والقوانين الإلهية والبشرية، والتشريع ليس ابتداعًا في الدين والإتيان بقوانين منافية للدين. لقد أزال هذا الدفاع الدقيق العالم عن المشروطة كثيرًا من الشبهات، وكان جهادًا عظيمًا في ذلك الزمان الذي كانت تُقدَّم فيه تفسيرات متنوّعة للمشروطة، وكانت كلّ جماعة وفئة حديثة العهد تسعى إلى تفسيرها وفق فكرتها ورؤيتها، وإلى توجيه النهضة نحو الوجهة التي تهواها.»
[لم ترد] أيّ إشارة إلى أنّ الذين أثاروا هذه الشبهات كانوا على كلّ حال طيفًا واسعًا من العلماء، وأنّ الشيخ فضل الله النوري تحديدًا هو الذي طرح هذه الشبهات، وأنّ النائيني تصدّى للإجابة عنها. على كلّ حال، يبدو أنّ الأجواء الآن على نحوٍ... لا أريد أن أقول إنّ إذكاء الخلاف الذي كان بين العلماء هو مثلًا نقطة إيجابية، لكنّه واقعٌ كان في تاريخ المشروطة، وفيه عبرة أيضًا؛ خلافٌ شديد سأقرأ لكم في سياق البحث بعض التعابير التي استعملها المرحوم النائيني في هذا الكتاب. انظروا بأيّ لغة كان العلماء يردّون على طيف آخر من العلماء؛ لأنّ هؤلاء كانوا قد أفتوا بحرمة المشروطة، ووقفوا إلى جانب محمد علي شاه يدعمونه، ويشجّعونه على قمع طلّاب المشروطة، [ويقولون] إنّه يجب أن يُطوى بساط المشروطة، وإنّ المشروطة مخالفة للإسلام.
والآن لا بأس أن [أروي] هنا ذكرى للتنويع، كي لا يملّ الأصدقاء. أذكر أنّه في أوائل السبعينيات الهجرية الشمسية عُقد مؤتمر في مدينة نور تكريمًا للشيخ فضل الله النوري. وقد حضرتُ ذلك المؤتمر؛ وكان فيه أساتذة جامعيون وعلماء، حضرته المجموعتان كلتاهما. وكان من بين المتحدّثين أحدُ الذين عملوا على النائيني وألّف كتاب «التشيّع والمشروطة في إيران»، وكان حينذاك على قيد الحياة، وهو الدكتور عبد الهادي الحائري. فقال هناك كلامًا عن الشيخ فضل الله النوري؛ قال إنّنا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نُبدي رأيًا فيه، بل يجب أن تُنشر وثائق السفارة الروسية، ثم يتّضح ما الصلات التي كانت بين هؤلاء، وهل كانت هناك مثلًا صلاتٌ تتجاوز الدعم الظاهري مثلًا؟
حسنًا، إنّ قول هذا، وفي ذلك المؤتمر بالذات، المؤتمر الذي عقده القائمون عليه (وكان منهم الإخوة ناطق نوري) هناك تكريمًا للشيخ فضل الله النوري، قد ثقُل على العلماء الحاضرين في تلك الجلسة. فأضافوا إلى المتحدّثين بعض العلماء الذين لم يكن مقرّرًا أن يتحدّثوا، وحذفوا بعض المتحدّثين. ومن الأمور التي... أي إنّ السيد الحائري في محاضرته قرأ بتفخيم ومبالغة الأدعيةَ التي دعا بها الشيخ فضل الله لمحمد علي شاه. ولا شكّ أنّكم رأيتم في بعض كتابات الشيخ فضل الله النوري أنّه دعا لمحمد علي شاه أدعية مطوّلة جدًّا. ولعلّ استعمال هذه التعابير كان مألوفًا إلى حدٍّ ما في ذلك الوقت. ثم كُلّف أحد العلماء بالردّ على هذا الكلام في تلك الجلسة. فلمّا جاء وتحدّث قال: «كان من حقّهم تمامًا أن يشكّوا في مشروطةٍ كان المدافعون عنها أشخاصًا من قبيل دهخدا مثلًا بتلك الهيئة الظاهرية التي كانوا عليها. ثم إنّ هذه الأدعية التي قرأتموها هنا بهذا التفخيم، أوّلًا ليس معلومًا أنّ الشيخ فضل الله النوري كان قاصدًا للإنشاء، وثانيًا ليس معلومًا أنّه دعا بهذا التفخيم الذي قرأتموها به!» أي إنّ العلماء حين يريدون الدفاع، [يسعون] أحيانًا إلى التبرير أيضًا على هذا النحو... ولا بأس بهذه الذكرى أيضًا، فقد خطرت لي هنا فذكرتها لكم. وكانت تلك الأجواء هناك ثقيلة جدًّا على العلماء، أن يأتي أحدٌ... ولا سيّما في أجواء السنوات الأولى من الثورة، حين كان الشيخ فضل الله النوري أبرز من النائيني والآخوند الخراساني.
المرحوم النائيني، كما ذكرتُ، لمّا كتب هذا الكتاب في الأجواء التي كانت سائدة في إيران في فترة الاستبداد الصغير، كانت لغته حادّة جدًّا تجاه العلماء؛ لأنّهم رأوا أنّ المشروطة [و]كلّ الجهود قد ذهبت أدراج الرياح، وعاد الاستبداد حاكمًا من جديد، وجاء طيف من العلماء ووقفوا إلى جانب محمد علي شاه القاجاري يدعمونه، بل يدعمونه باسم الدين. وأودّ أن أنقل هنا لحضراتكم، أيها الأساتذة والأصدقاء الأعزاء، فقراتٍ من «تنبيه الأمة» ليتّضح في أيّ أجواء كُتب هذا الكتاب، وضدّ مَن كُتب، وفي الردّ على شبهات أيّ جماعة وأيّ طيف كُتب ونُشر في الحقيقة.
كتب، بعد أن أشار إلى صدور أحكام علماء النجف في الدفاع عن المشروطة، قائلًا: «لكنّ عصابة الذئاب الضارية الآكلة للبشر في إيران، لمّا لم تجد لإبقاء الشجرة الخبيثة للظلم والاستبداد، ولاحتساب رقاب المسلمين وأموالهم ملكًا لها، وسيلةً وذريعةً أفضل من اسم حفظ الدين، فقد سارت على السنّة الفرعونية الملعونة التي قالت: «أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ»، ولم تتورّع [؟] عن هذا الاسم الذي لا مسمّى له واللفظ الخالي من المعنى، فتواطأت مع فراعنة إيران وفعلت ما فعلت. فجدّدت شنائع عهد الضحّاك وجنكيز وسمّتها تديّنًا. وعدّت سلبَ «فَعَّالِيَّةِ مَا يَشَاءُ» وَ«حَاكِمِيَّةِ مَا يُرِيدُ» وَ«عَدَمِ الْمَسْئُولِيَّةِ عَمَّا يَفْعَلُ» ونحو ذلك من الصفات الخاصة الإلهية عن الجبابرة منافيًا للإسلامية. ولم تبالِ أدنى مبالاة بتلويث الشرع القويم بمثل هذه اللطخة من العار والشنار العظيم. وأعلنت ذلك في مجمع المسيحيين العيّابين، واستجازت مستبدّةً مثل هذا الظلم لساحة النبوة الخاتمة المقدّسة نفسها، بل للذات الأقدس الأحدية. وبلغت بدرجة الظلم والاستبداد هذا المقام، وجعلت الظلمَ للخالق وسيلةً لظلم المخلوق.»
هذه اللغة، وهي موجّهة إلى طيف من العلماء الذين، دفاعًا عن محمد علي شاه ومعارضةً للمشروطة، لأنّهم كانوا قد أصدروا فتوى الحرمة... كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأجواء بين الطرفين كانت أجواءً حادّة جدًّا. ولطلّاب المشروطة المشروعة أيضًا تعابير حادّة، لكنّها ربما [لم تكن] بهذه الحدّة.
ومورد آخر في الصفحة ١٠٨ يقول فيه: «سبحان الله! إنّ شدّة الانهماك [أي الإصرار واللجاجة]، شدّة الانهماك في اتّباع الأغراض، وقصة «أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ»، تبلغ بالإنسان إلى حدّ أن ينسج مثل هذه الأراجيف بغرض إبطال تحديد الاستيلاء وهدم أساس مسؤولية الجبابرة عن ارتكاباتهم الاعتباطية في نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم؛ ويُحيي [؟] ثانيةً الشبهات الواهية لجهّال الأخبارية، ويُفني «مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ» أساسَ ديانة المسلمين وثمرةَ جهود حفّاظ الدين المبين، ولا سيّما مجدّدي القرن الثالث عشر. «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ»! أوَكانت حقيقة التشريع والبدعة، مع هذا الكمال من الوضوح والبداهة، مجهولة؟»

ذلك أنّ إحدى الشبهات، وسأذكرها لاحقًا، أحد الإشكالات كان أنّ التشريع بدعة. فبعد أن يجيب، يعرّف البدعة: ما تعريف البدعة، وهل التشريع الذي يقوم به المجلس بدعة؟ ثم يقول: «أوَكان تعريف البدعة خافيًا على هؤلاء؟ إنّ هؤلاء من أجل حفظ مواقعهم...» «ويبدو أنّ المساعدات الاستثنائية المشهودة في تنفيذ القانون العسكري الذي وُضع بتعليم الروس بعد هدم أساس سعادة الأمة الإيرانية، وكان متضمّنًا كلّ تلك الأحكام المخالفة لضروريات دين الإسلام، وكان تنفيذه موكولًا إلى تحكيم لياخوف الروسي وتسليطه على نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وبُذل في تنفيذه وقطع نَفَس الأمة من الاهتمام أكثر ممّا بُذل لجميع الأحكام الإسلامية والآيات القرآنية، كانت هي الموجب للتعيين الثاني...» [؟] يطرح [دليلين] اثنين. يقول: نحن نرى أنّ هذه الأغراض والأهواء النفسانية هي التي جعلت هؤلاء في مثل هذا الموقف، وأن يجلسوا إلى جانب الأكابر [؟] الروس ويقصفوا المجلس بالمدافع مثلًا. وهو إشارة إلى تلك الحادثة.
خلاصة القول أنّ اللغة حادّة جدًّا، وهذا علامة على غضبه واستيائه من أنّ جهود علماء النجف قد ذهبت أدراج الرياح؛ فهذه الفرصة التي سنحت، الفرصة الاستثنائية لكي تنجو الأمة الشيعية في إيران من الاستبداد، ضاعت مرة أخرى بوساطة جماعة من العلماء ودعمهم لمحمد علي شاه. أي إنّهم كانوا يشعرون بأنّ كلّ الجهود قد هُدرت في فترة الاستبداد الصغير هذه وبقصف المجلس بالمدافع. ثم إنّه شعر بالمسؤولية في أن يجيب على الأقلّ عن هذه الرسائل التي يكتبونها في حرمة المشروطة وفي كون التشريع بدعة وأمثال ذلك، وأن يقول: إذا كان علماء النجف يدافعون عن المشروطة فما هي حجّتهم، وأنّ هذه الشبهات ليست سوى مغالطات...
هذا الكتاب... في الواقع أريد أن أركّز في ما يلي على ذينك المحورين اللذين كانا المحور الأساسي للخلاف بين المرحوم النائيني والشيخ فضل الله النوري والعلماء الذين يشاركون الشيخ فضل الله فكره.
كان يعتقد أنّ طريق نجاة الأمة الإسلامية في الظروف الراهنة هو التحرّر من الاستبداد؛ والتحرّر من الاستبداد وكبحه يحتاجان إلى إجراءين: أحدهما تدوين الدستور، والآخر تشكيل مجلس مؤلّف من ممثّلي الشعب، والرقابة على السلطة، الرقابة على السلطان وعمّال السلطان. فإذا كُتب قانون يقيّد السلطان بمراعاة هذا القانون، وتشكّلت مؤسسة تراقب هل هم ملتزمون بالقانون أم لا، وتمنع تعدّيهم على القانون وتجاوزهم له، فهذا في الواقع [يكبح] الاستبداد... والآن، إذا لم يكن خلعُ يد هؤلاء المستبدّين ممكنًا لنا، فإنّ كبحهم وتقييدهم تكليفٌ، ونحن اليوم مكلّفون، ومن واجبنا الديني، أن نقوم بهذا العمل. وهذا متوقّف على هذين الأمرين: أحدهما تدوين الدستور، والآخر تشكيل مجلس الشورى الوطني؛ وكلاهما موضع اعتراض الشيخ فضل الله النوري وإشكاله. أي إنّ بينهما هنا خلافًا مبنائيًّا واجتهاديًّا.
ولتثبيت هذين المطلبين، أي للدفاع عن أنّ هذين الإجراءين منطبقان تمامًا على الموازين الدينية، استدلّ بعدّة أدلّة:
دليله الأول أنّ ماهية الحكم في الإسلام هي في الأصل الأمانة. ماهية الحكم في الإسلام هي الولاية، والولاية تعني الأمانة في مقابل المالكية. يقول إنّ الحكومات بصورة عامة على قسمين: حكومات يرى الحكّام فيها أنفسهم مالكين للناس وللمملكة، والقسم الثاني حكومات [يرى حكّامها] أنفسهم أمناء. وثمة فرق كبير بين من يرى نفسه مالكًا لشيء ومن يرى نفسه أمينًا عليه. فالمالك يستطيع أن يتصرّف في ملكه أيّ تصرّف يريده. فإذا رأى حاكمٌ، سلطانٌ، المملكةَ ملكًا له، ورأى رجال المملكة ونساءها عبيدًا وإماءً له (وهذه تعابيره: يراهم عبيدًا وإماءً له)، فإنّه يجيز لنفسه كلّ تصرّف في هذه المملكة وفي نفوس أهلها وفي أموال الناس؛ كما يستطيع كلّ مالك أن يتصرّف في ملكه أيّ تصرّف. أمّا إذا رأى نفسه أمينًا، فإنّه يشعر بأنّه أمين، ويجب عليه أن يحفظ هذه الأمانة حفظًا حسنًا.
يقول إنّ ماهية الحكم في الإسلام، بل لا في الإسلام وحده، بل عند جميع الأديان الإلهية، بل عند عقلاء العالم، هي من سنخ الولاية؛ أي من سنخ الأمانة. فالحكم أمانة. ثم يقول إنّ ما يمكن أن يمنع في التعاليم الدينية من تغيّر ماهية الحكم وتحوّلها من [الأمانة إلى] المالكية هو، في منطقنا نحن الشيعة، عصمة الإمام. ولهذا السبب بالذات قالوا إنّ زمام أمور المجتمع يجب أن يكون بيد الإمام المعصوم؛ فالإمام المعصوم لا يرى نفسه أبدًا مالكًا للناس ولا مالكًا للمملكة والبلاد الإسلامية، ولا يتصرّف في [؟] نفوس الناس وأموالهم بوصفها ملكًا له. ونحن مطمئنّون إلى أنّ هذا الإمام المعصوم لا يتعدّى على حقوق الناس ولا يتجاوزها. أمّا الآن، وقد قصرت أيدينا عن ذيل المعصوم، ولم يعد خلعُ يد هؤلاء السلاطين ممكنًا أيضًا، فإنّ الحلّ للحيلولة دون تحوّل الحكم من الأمانة إلى المالكية، وهو طريقه المنحصر في الوقت الحاضر، هو هذا: تدوين الدستور وتشكيل المجلس.
ولذلك يقول، فضلًا عن الاستناد إلى ماهية الحكم في الإسلام، إنّه لكي نتمكّن من حفظ هذه الماهية ولو بالقدر المقدور (فإن لم نستطع حفظها بتمامها واستطعنا حفظ بعضها، فذلك واجبنا)، فإنّه واجبٌ من باب مقدّمة الواجب. فإذا كان كبح الاستبداد تكليفنا الديني، وكان الطريق المنحصر لكبح الاستبداد في زماننا هو تدوين الدستور وتشكيل مجلس الشورى الوطني، فيجب علينا من باب مقدّمة الواجب أن نكتب الدستور وأن نشكّل مجلس الشورى الوطني. ولا يوجد طريق آخر. هذا أحد الأدلّة التي استدلّ بها لإثبات أنّ دفاعنا عن المشروطة إنّما هو لكبح الاستبداد.
يقول إنّ الحاكم مسؤول، ويجب أن يكون مساءَلًا. فإذا قلتم إنّه أمانة، فالأمين يجب أن يكون مساءَلًا؛ أن يُسأل هل حفظ هذه الأمانة حفظًا صحيحًا، وراعى رسم الأمانة أم لا؟ في حين أنّ الحكّام... يقول إنّ السلاطين يرون أنفسهم في مقام «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ». وهذا المقام منحصر بالله تعالى. ولذلك يقول إنّ هؤلاء قد تلوّثوا بالشرك، ونقلوا الصفات المختصّة بالله إلى أنفسهم. فالله تعالى وحده هو الذي لا يُسأل، وهو في مقام «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ». وهؤلاء يقولون: نحن في مقام «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ»، لا نجيب أحدًا. وللرعية... [كيف] لم تبلغ الرعيةَ هذه الجرأةُ أن تسألنا وتحاسبنا؟ بل لم يكن السلاطين يرون أنفسهم مسؤولين أمام الله أيضًا؛ فالسلاطين المستبدّون على مرّ التاريخ كانوا يقولون أصلًا إنّنا نوّاب الله. وهذه من النقاط التي أكّد عليها في مواضع متعدّدة من «تنبيه الأمة»؛ لأنّه يرى ذلك مرتبةً من الشرك تلوّث بها الحكّام، ونحن أيضًا إن رضخنا لهذه الحاكمية بهذا المعنى، فقد استسلمنا في الواقع للشرك ونفي التوحيد؛ التوحيد الاجتماعي.
حسنًا، بعد أن يستدلّ بمقدّمة الواجب على أنّه من باب مقدّمة الواجب يلزم تدوين الدستور ويلزم تشكيل مجلس الشورى الوطني، يجيب في الفصل المعنيّ، الفصل الرابع، عن الشبهات الموجودة في هذا المجال.
وقبل أن أشير إلى تلك الشبهات أيضًا، وإلى ما كان يقوله الشيخ فضل الله النوري بشأن تدوين الدستور وتشكيل مجلس الشورى الوطني، [أذكر أنّه] استدلّ بأدلّة أخرى أيضًا. يقول إنّ الحكم في الإسلام شوريّ (وبتعبيره: «شُورَوِيّة»). فالحكّام ملزمون بالمشورة؛ فقد كان النبي يستشير، وكان أمير المؤمنين يستشير، وكان خلفاء صدر الإسلام يستشيرون. ثم يقول إنّ شأن هذا المجلس هو أنّه يضمن في الواقع ألّا يدير الحكّام المجتمع على أساس تشخيصهم الخاص، ورأيهم وميلهم الخاص؛ وأن يكونوا ملزمين ومقيّدين بالقانون الذي تكتبه وتدوّنه هذه المؤسسة (مجلس الشورى الوطني مثلًا). ففي هذا الإطار يتقيّدون ويُحدَّدون في إدارة المجتمع. إنّ الحكم في الإسلام أصلًا... لأنّه يقول إنّ الحكم في الإسلام إمّا استبدادي وإمّا شوريّ، وليس لدينا في الإسلام حكم استبدادي؛ بل حتى نبيّه لم يكن يدير المجتمع بالاستبداد بالرأي.
ودليل آخر يستدلّ به على أنّ للناس حقّ تعيين الممثّلين، وأنّ للناس أن يراقبوا رجال الدولة (إذ كان أحد الإشكالات: ما علاقة هذا بالناس؟)، يقول: إنّ الناس يدفعون الضرائب، فمن حقّهم أن يروا أين تُصرف هذه الضرائب. الناس يدفعون الضرائب، فمن حقّهم أن يراقبوا هل تُصرف هذه الضرائب في موضعها، وبصورة صحيحة، في المصالح العامة والمنافع العامة، أم أنّ السلاطين وعمّالهم يصرفون هذا المال وبيت المال والضرائب التي يأخذونها من الناس على هواهم وحيثما شاؤوا؟

وثالثًا يستند إلى النهي عن المنكر. يقول إنّ النهي عن المنكر واجب، وهو وظيفة جميع الناس. ومن باب وجوب النهي عن المنكر أيضًا يمكننا في الواقع أن نثبت المجلسَ، أي مشروعيته.
يستند إلى تعاليم مختلفة من التعاليم الإسلامية، لإثبات أنّ تدوين الدستور مشروع، وأنّ كتابة القانون مشروعة، وأنّ قيام ممثّلي الشعب بذلك مشروع أيضًا.
أمّا الإشكالات التي طرحها الشيخ فضل الله النوري في هذين المجالين، في هذين الميدانين، فقد تناولها هو مستقلًّا؛ أي إنّه بعد أن طرح استدلالاته في فصول مختلفة لإثبات مشروعية المشروطة، طرح هذه الشبهات في فصل مستقلّ وأجاب عنها:
أحد الأقوال أنّ التشريع بدعة. فقد كان قول الشيخ فضل الله أنّ لدينا في الإسلام شريعة، ومن ثَمّ فلا حاجة بنا إلى التشريع. فإذا رأيتم في البلدان الأوروبية أنّ لديهم مجالس تشريعية، فذلك لأنّهم لا شريعة لهم؛ أمّا نحن فلدينا الشريعة، ودستورنا هو القرآن، ولا حاجة بنا إلى التشريع.
جواب النائيني، وأنا مضطرّ إلى عرض هذه الأمور بصورة برقية ومكثّفة جدًّا جدًّا، أي أن أعرضها بإيجاز. كان يجيب: لا، فالتشريع أوّلًا في مجال «مَا لَا نَصَّ فِيهِ» (الأمور غير المنصوصة) أمرٌ منطقي ومشروع تمامًا. فنحن نستطيع أن نضع القانون في كلّ موضع لم يرد فيه نصّ من الشارع. فضلًا عن ذلك، فإنّ البدعة هي أن تنسب شيئًا إلى الدين؛ والمجلس لا يريد أن ينسب إلى الدين القانونَ الذي يريد وضعه لإدارة المجتمع. فأين يقول المجلس إنّ هذا القانون الذي نضعه مستند إلى الدين؟ وإذا لم يكن مستندًا إلى الدين، فأيّ بدعة هذه؟ إذن، فتعريف البدعة لا يصدق هنا، وهذه الشبهة مغالطة.
والإشكال الثاني الذي يطرحه الشيخ فضل الله النوري، يقول: هبْ أنّنا قبلنا بأنّه يجب أن يكون هناك تشريع، وأن يُكتب دستور، [لكنّ] القانون من مصاديق الأمور الحسبية، وهو من شأن المجتهدين؛ فما شأن ممثّل البقّال والبزّاز والقصّاب وأمثالهم أن يأتوا ويجلسوا في المجلس ويضعوا القوانين؟ هذه بدعة، [و]مخالفة للشرع. وإلزامه... ثم يقول إنّ موارد ما هو موجود في الشريعة من إلزام الإنسان نفسَه بفعل مباح محدّدة: وهي بالنذر والعهد واليمين. والقانون الذي يضعه المجلس ليس شيئًا منها. إذن، فوضع القانون بدعة، وإلزام الناس به بدعة ثانية، وتعيين العقوبة على مخالفة هذا القانون بدعة ثالثة. وإن كان شيء من هذا، فهو تدخّل في الأمور الحسبية، وهي من شأن المجتهدين.
يقول المرحوم النائيني إنّ هذه الشبهة ظاهرها أنّها مثلًا شبهة علمية، لكنّها هي أيضًا التفاتٌ إلى نكتة وغفلة عن نكات أخرى. وهي أنّه إذا كان هذا من مصاديق الأمور الحسبية ومن شأن المجتهدين، فهل في الشريعة حتمًا أنّ على المجتهد أن يتصدّى بنفسه مباشرةً للأمور الحسبية؟ كلّا. فلو أنّ وقفًا لا متولّي له، فهل يجب على المجتهد أن يذهب بشخصه ليصبح متولّيًا للوقف؟ أم يستطيع أن يعيّن شخصًا، وأن يأذن لشخص تقدّم وتحمّل ذلك؟ يقول: إذا أردتم أن تحتاطوا كثيرًا، فيكفي أن يكون في المجلس مجتهدٌ أو عدّة مجتهدين يأذنون. أو أن يؤيّد مجتهدٌ القانونَ الذي يكتبونه وينفذه، فهذا يكفي. ألم تكتبوا في المادة الثانية من ملحق الدستور أنّ المجتهدين من الطراز... أن يؤيّد خمسة من المجتهدين؟ فممّ تقلقون بعد ذلك حتى تطرحوا هذه الإشكالات؟
ثم يقول: لا، يمكن وضع القانون في دائرة المباحات، في دائرة غير المنصوصات، ونحن لا ننسبه إلى الدين. ولا شيء من هذه... هذه البدعة التي تقولونها لا يصدق عليها تعريف البدعة. وإذا عيّنوا عقوبات على مخالفة القانون، فهم لا ينسبونها إلى الدين حتى تقولوا إنّها بدعة. والناس، لهذه الأدلّة الثلاثة التي ذكرناها، لهم الحقّ في التدخّل في الحكم (لأنّ الحكم في الإسلام شوريّ لا استبدادي؛ ولأنّهم يدفعون الضرائب، فمن حقّهم أن يروا أين تُصرف هذه الضرائب؛ ولأنّ عليهم واجب النهي عن المنكر)، فضلًا عن أنّ الحكم في الإسلام يتشكّل أصلًا على أساس [حضور] الناس؛ فضلًا عن هذه المسألة، فإنّه أصلًا بهذا... يستند إلى هذه التعاليم الثلاثة أيضًا، وهذه التعاليم الثلاثة تثبت أيضًا أنّ للناس حقّ التدخّل. والآن، إذا كنتم قلقين كثيرًا، فيكفي أن يأذن مجتهد؛ فتزول أيضًا شبهة المشروعية التي تقلقكم.
هذه خلاصة ما بدا لي أن أعرضه في محضركم الشريف أيها الأعزّاء والأفاضل والأساتذة الكرام. وإن أردتُ أن أُجمل كلامي في جملة أو جملتين، فهو أنّه مع صحّة أنّ الفريقين في بعض المسائل، وقد كانا على كلّ حال فقيهين، كانا يريدان من المشروطة مشروطةً لا تنقض أحكام الشريعة. فلا الشيخ فضل الله النوري ولا المرحوم النائيني كانا يريدان أن يقولا: لتأتِ هذه المشروطة فيُطوى بساط الأحكام الفقهية، وبساط المرجعية، وبساط التقليد، وأمثال ذلك... والفروق الموجودة في الأحكام الفقهية بين الأصناف المختلفة، بين المرأة والرجل، وبين المسلم والكافر مثلًا؛ لم يكونا يريدان أن يقولا [إنّها تُلغى]. نعم، كان ثمة اتفاق في هذه الأمور. وإن كان ثمة خلل أو خلاف، فلعلّه كان في المصاديق.
لكنّ هذا لا يعني أنّه لم يكن بين العلماء خلاف. بل إنّ ما رسم مصير المشروطة هو بالذات هذا الخلاف بين العلماء الذين انقلب بعضهم على بعض؛ وبهذه اللغة، بهذه اللغة الحادّة اللاذعة؛ إذ يقول أولئك إنّ المشروطة حرام، وكلّ من يدافع عن المشروطة مرتدّ، تبين منه زوجته، وتُصادَر أمواله... لقد أصدر أولئك مثل هذه الأحكام الشديدة الغليظة، وفي المقابل كان ردّ فعل المرحوم النائيني تأليفَ هذا الكتاب. وطبعًا حين نُشر هذا الكتاب، كنّا قد دخلنا أجواءً جديدة. ولم تعد هذه الأجواء الجديدة مواجهةً بين العلماء المدافعين عن المشروطة والعلماء المعارضين لها؛ بل كانت هذه الأجواء الجديدة أجواء مواجهة أولئك الذين ركبوا الموجة وفتحوا طهران وأمسكوا بزمام الأمور؛ مواجهتهم مع جميع العلماء، فأخرجوا العلماء من الميدان تدريجيًّا، وانبثقت من ذلك مشروطة رضا خان.
وهذا يذكّرني بتحذيرات الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه)، الذي كان يحذّر العلماء من الاختلاف؛ لأنّ الاختلاف يؤدّي إلى أن ينقسم الشعب أيضًا، وهو الذي تتّجه أنظاره عادةً إلى العلماء، إلى فريقين وفرق عدّة، وإنّ هذا الاختلاف يستتبع عواقب خطيرة على المجتمع الإسلامي. أعتذر عمّا سبّبته من إزعاج كثير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[أسئلة وأجوبة]
السائل الأول: نعم، يمكننا أن نقول إنّ أمنيته هو أيضًا كانت تشكيل حكومة مثل الجمهورية الإسلامية، لكنّ للجمهورية الإسلامية قراءات أخرى أيضًا. رحم الله المرحوم آية الله مؤمن، والمرحوم آية الله مصباح، فلهؤلاء قراءةٌ للجمهورية الإسلامية؛ يقولون إنّ جمهوريتها تزيينية، لإسكات بعض الناس مثلًا، وإلّا فليس في الإسلام جمهورية. وهذه أيضًا قراءة. والأمر يتوقّف على النظرة التي ننظر بها في الواقع إلى الجمهورية الإسلامية. حضرة [الأستاذ]، أعطاكم الله العافية. شكرًا جزيلًا. البحث الذي قدّمتموه... في رأيي، قال صديقنا هذا إنّ المرحوم الشيخ فضل الله النوري كان في الواقع يرى أمورًا عارض المشروطة بسببها ولم يتعاون معها. لكنّ حقيقة الأمر أنّ الأمر ليس كذلك. لماذا؟ إذا كان الشيخ فضل الله النوري يملك مثل هذه الرؤية النافذة، فيرى مثلًا أنّه إذا تشكّلت في إيران حكومة جمهورية أو مشروطة فإنّها تحمل أخطارًا على الدين، فلماذا لم يرَ استبداد رضا خان الذي كان أسوأ من الجمهورية ألف مرة؟

في رأيي أنّ النكتة هي هذه؛ انظروا، إنّ فقهاءنا في الغالب لديهم فهمٌ شمولي للدين؛ أي فهمٌ ليس للناس فيه دورٌ يُذكر. والدليل على ذلك أنّه حين أراد رضا خان في الواقع أن يشكّل الحكومة، وهذا ما لم يُبرزه علماؤنا في كتبهم، جاء إلى قم والتقى الشيخ عبد الكريم الحائري، وقال إنّني أريد أن أعلن الحكم الجمهوري في إيران. فقال الشيخ عبد الكريم: لا، امضِ أنت في ذلك الحكم الاستبدادي نفسه... انظروا، إنّ فقهاءنا في الغالب لديهم فهمٌ شمولي للدين. لقد صنعوا علاقة العبد والمولى؛ ولأنّ الفقه قائم على العبد والمولى، فقد عمّموا ذلك على كلّ مكان. يا سيّدي، بين الحاكم والناس علاقة العبد والمولى؛ وبين الزوجين... وفي الحياة الزوجية أيضًا علاقة العبد والمولى؛ لقد عمّموا علاقة العبد والمولى هذه على كلّ مكان. حسنًا، في رأيي أنّ النكتة هي أنّ على فقهائنا أن يتجاوزوا هذا؛ أي أن يصلوا إلى فهم جديد للفقه. أمّا أن نعمّم علاقة العبد والمولى هذه على كلّ مكان...
جواب الأستاذ: حسنًا، انظروا، أنا أقبل المسألة في كلّيتها، لكنّ طيفًا من العلماء تجاوزوا هذا الخطاب في مقاطع مختلفة. ففي عصر المشروطة خطا المرحوم الآخوند والمازندراني والنائيني خطوةً لتجاوز هذا الخطاب. وفي الجمهورية الإسلامية خطا الإمام (رحمه الله) خطوة أخرى؛ إذ قال إنّ السلطنة لا أصل لها ولا أساس أصلًا! فالجمهورية أقرب إلى الموازين الإسلامية من السلطنة. وقد عتب أيضًا على العلماء أنّه في مقطعٍ ما... [قال] الحكم... وهو يشير إلى تلك القصة نفسها، قصة المرحوم الحاج الشيخ [عبد الكريم] والسيد النائيني والأصفهاني، حين جاءهم رضا خان يريد أن يعلن الجمهورية فعارضوا. فالإمام يعتب؛ إذ سنحت في ذلك المقطع فرصة لأن يُطوى بساط السلطنة في هذه البلاد، فتسامح العلماء ولم يسمحوا بذلك، وإلّا فقد كانت تلك فرصة جيّدة، خطوة إلى الأمام على الأقلّ. نعم، لكن كما ذكرت، فقد خطا بعض العلماء خطوات، والمهمّ أن يستمرّ هذا الطريق.
السائل الثاني: بسم الله... شكرًا جزيلًا لحضرة الأستاذ. لقد استفدنا حقًّا. يبدو لي الآن... انظروا، إمّا أنّهم علّمونا التاريخ تعليمًا سيّئًا، أو أنّني فهمته فهمًا سيّئًا. فقد كان تصوّري حتى اليوم، أي حتى هذه الليلة التي كنتُ فيها في خدمتكم، أنّ المرحوم الشيخ فضل الله النوري لم يكن معارضًا للمشروطة، بل كان في الواقع يريد أن يضع قيدًا واحدًا على المشروطة، وهو كونها مشروعة؛ أي إنّه كان مؤيّدًا للمشروعة. والآن، مع ما تفضّلتم به، ثم الأدعية التي دعا بها لمحمد علي شاه، كان الأمر بعيدًا عن ذهني بعض الشيء حقًّا. فلو تفضّلتم بمزيد من التوضيح...
جواب الأستاذ: طبعًا إذا أردنا أن ندخل في مباحث المشروطة، فإنّ مباحث المشروطة كما تعلمون طويلة الذيل جدًّا. وهو نفسه مرّ بمراحل مختلفة في حياته. ففي مرحلةٍ ما، كانوا يطالبون أوّلًا بدار العدالة، ثم طُرحت مسألة المشروطة. وهو نفسه يدّعي ويقول: أنا نفسي من أوائل المدافعين عن المشروطة، لكنّي رأيت بعد ذلك أنّ المشروطة انحرفت عن مسارها الأصلي، فلذلك انبريتُ لمعارضتها. وكان مقصودي أنّ الشيخ فضل الله، حتى لو أنّ المشروطة... على كلّ حال بهذه... هذه المشروطة التي كان العلماء يقولون بها؛ لا شأن لي بتلك المشروطة التي... كان الشيخ فضل الله، بتعبيره، يراها ويعارضها، لا شأن لي بها؛ فهذه المشروطة نفسها التي كان الآخوند والنائيني يدافعان عنها، لم يكن الشيخ فضل الله يقبلها. أي إنّ اختلافاتهم الاجتهادية كانت متعلّقة بهذه المشروطة نفسها التي كان العلماء يقولون بها. أمّا ميدان العمل فمقولة أخرى. أريد أن أقول إنّه كان هناك على المستوى النظري أيضًا خلافٌ جدّي بين العلماء في ما يتعلّق بالمشروطة وأركانها. فقد كان الشيخ فضل الله النوري يقول أصلًا إنّ الناس ليس لهم الحقّ في أن يأتوا وينتخبوا ممثّلين في المجلس. أصلًا هذا... وحتى لو أُريد أن يُكتب قانون، فهو من شأن المجتهدين؛ فما شأن الناس أن يأتوا ويكتبوا القانون؟ صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ.
السائل الثالث: ...كان مقصودي أنّه مع إعدام الشيخ فضل الله النوري شنقًا، أليس لنا أن نقول إنّ... [وكأنّ] الشيخ فضل الله شخّص بشكل أفضل؟ أي إنّ ما كان الشيخ منذ البداية، من مبانيه الفكرية والمسائل التي... أمّا حين ابتُلي الشيخ فضل الله النوري بذلك المصير، أليس من الممكن أنّ... الشيخ فضل الله كان يرى مطالب معيّنة، ويرى نكاتٍ معيّنة؟ أو ما قاله القائد مؤخّرًا عن سبب قيام المرحوم العلامة النائيني (كما هو مشهور) بجمع [نسخ] هذه الرسالة؟ لأنّه كان يثبت عمليًّا مشروطةً... لعلّ الحقيقة [أنّ] الشيخ فضل الله كان يرى [ذلك]، لا مشروطةً تكون ميدانًا وأجواءً يمكن تطبيقها ببساطة دون أن تكون لها لوازم فاسدة... لأنّ الشيخ فضل الله في [آثاره] يستند إلى أمورٍ لنقل إنّ المرحوم النائيني لم يكن يعرفها، أو إن كان يعرفها فقد كان له توجيه خاص لها؟ يبدو أنّ هناك شيئًا يراه الشيخ فضل الله في طهران، [ولا] يراه النائيني في النجف، ولا يراه الآخوند؟
جواب الأستاذ: نعم، انظروا، صحيح، كان الشيخ فضل الله النوري [يرى] أمورًا معيّنة... بل إنّه استند في رسائله هذه إلى موارد معيّنة؛ ما كان يُنشر في صحافة ذلك الزمان، أو كلامٍ يقوله نائبٌ في المجلس. لكن كان في طهران، غير الشيخ فضل الله النوري، الطباطبائي والبهبهاني أيضًا. أي إنّهم كانوا يرون هذه الأمور، لكنّ اعتقادهم كان أنّنا إذا دافعنا عن المشروطة، أي في مواجهة الاستبداد، وقيّدنا هؤلاء المستبدّين بالقانون...
فهمي هو أنّه لو جاء العلماء جميعًا، أي بدلًا من هذا الخلاف وبدلًا من أن... حسنًا، الأجواء في ذلك الوقت... لقد مرّت الآن مئة وعشرون سنة على ذلك الزمان. ترون العلماء والمنابر بعضها ضدّ بعض... وفي ذلك الوقت أيضًا، هذه المنشورات الليلية، وبثّ الفرقة هذا، وهذه التيارات الغامضة التي كانت تؤجّج هذه الخلافات... أن يأتي شخص مثل الشيخ فضل الله النوري ويقول: كلّ من يدافع عن المشروطة فهو مرتدّ، وزوجته محرّمة عليه، وأمواله وما إلى ذلك... هذه التعابير، أي هذه التعابير الحادّة التي كانت لدى العلماء المعارضين للمشروطة، كانت تدفع هذا الطرف في المقابل إلى ردّ الفعل.
تصوّري أنّه من حيث الظروف الاجتماعية للمسلمين في ذلك المقطع، فقد شخّص علماء النجف (المرحوم الآخوند، والمرحوم المازندراني، والنائيني) ضروراتِ الزمان تشخيصًا صحيحًا. أي إنّه كان زمانًا يجب علينا فيه أن نكبح الاستبداد. لكن [الواقع] أنّه في مقام العمل، ونتيجةً لاختلاف العلماء، جاءت جماعة وتصدّرت الميدان لم تكن تريد أن يبقى للعلماء رأسٌ على جسد أصلًا... ولذلك لم يسمحوا أبدًا، وطبعًا قصّر العلماء أنفسهم أيضًا، لكنّهم لم يسمحوا أبدًا بأن تتشكّل هذه الهيئة من [المجتهدين من] الطراز [الأول]. وباستثناء مقطع قصير جدًّا جدًّا، لم يكن العلماء أيضًا مستعدّين أن يأتوا وينخرطوا في العمل بسبب هذه الخلافات نفسها. وقد جمع أحد الأساتذة ذات مرة [هذا الأمر]: حين كتب الآخوند رسالة، عرّف إلى المجلس عشرين شخصًا ليختار المجلس منهم خمسة تتشكّل منهم تلك الهيئة من الطراز الأول، فذهبوا إلى كلّ واحد من هؤلاء العشرين، فقالوا: «لديّ درسٌ وبحث، أنا مشغول، لديّ في هذه المدينة عملٌ وحياة، لا أستطيع أن أنهض وأذهب إلى طهران.» وباستثناء المرحوم المدرّس وشخص أو شخصين آخرين، لم يكونوا مستعدّين أصلًا. وذلك أيضًا في الدورات اللاحقة.
أريد أن أقول إنّ اختلاف العلماء الذي كان يؤدّي إلى يأس الطيف المتديّن وإحباطه، وتقصير بعض العلماء في الاستجابة لنداء مراجع النجف... فعلى كلّ حال، كان حفظ حرمة مرجعية النجف التي كانت تتولّى القيادة الأساسية للنهضة، هذه الحرمة ما كان ينبغي أن تُنتهك. ولو لم تُنتهك هذه الحرمة، ووقف العلماء صفًّا واحدًا خلف مرجعية النجف، لاستبعدتُ أن يتمكّن أولئك من مصادرة السلطة على هذا النحو، وأن يُنزلوا بعد فتح طهران تلك الأحداث وتلك البلايا بـ... حسنًا، حين يصلون إلى السلطة، يطغون كما يقولون هم أنفسهم، ويقومون بأعمال لا يقبلونها حتى هم أنفسهم. بل إنّهم أخرجوا ستار خان وباقر خان من الميدان. فلم يعد هؤلاء [ستار خان وباقر خان] قادرين على تصدّر الميدان. لقد استغلّ أولئك اختلافَ مَن كانوا في الواقع مشروطيين حقيقيين، يطلبون العدالة ويسعون إلى كبح الاستبداد. هذا هو فهمي.
السائل الرابع: ...إلى أيّ حدّ يقترب التعريف الذي يقدّمه المرحوم النائيني لولاية الفقيه من الرؤية والقراءة [السائدة] اليوم لولاية الفقيه، ويتقارب معها، وإلى أيّ حدّ يخالفها؟
جواب الأستاذ: انظروا، إنّ المرحوم النائيني لم يبحث في ولاية الفقيه [بصورة مستقلّة] أصلًا. فباستثناء ما في كتبه الفقهية، وفي أحد التقريرات بالذات، حيث قبِل دلالة مقبولة [عمر بن حنظلة]، وموضع أو موضعين في «تنبيه الأمة» أشار فيهما إلى أنّ النيابة العامة ثابتة للفقهاء، فإنّه لم يتناول الدفاع عن المشروطة في رسالة «تنبيه الأمة» على مبنى نظرية ولاية الفقيه أصلًا. بل دافع عن المشروطة على مبنى أنّ الفقهاء متصدّون للأمور الحسبية (وبتعبيره: ضرورة الفقه...؟)، وهو مبنى متّفق عليه بين القوم؛ أي إنّه بنى الاستدلالات على هذا الحدّ الأدنى من الأمور الحسبية.
بل قال: «كنتُ قد كتبتُ فصلين في إثبات الولاية العامة للفقهاء، لكنّي رأيت أنّهما لا يتناسبان مع سائر فصول هذا الكتاب، فحذفتهما.» وقد سألتُ اتفاقًا لأرى هل لدى أسرته هذه، التي طبعت «تنبيه الأمة» وبعض الرسائل غير المطبوعة في [المجموعة]، خبرٌ عن هذين الفصلين أم لا. لنرَ... هو... يبدو أنّه لا خبر عنهما. أي إنّ أحدًا لم يكن لديه خبر عنهما. فإمّا أنّهما لم يصلا إلى أيديهم، أو أنّه لم تكن هناك مثلًا رغبة كبيرة في... لأنّي رأيت في بعض الحواشي التي علّقها أحفاده على هذه... في هذه المجموعة، أنّهم قالوا في موضع إنّ المرحوم النائيني من المتوقّفين في مسألة ولاية الفقيه. أي إنّهم عبّروا بمثل هذا التعبير. وذلك حيث يقول إنّ إثبات الولاية العامة للفقيه على نحوٍ يمكنه معه أن يعيّن إمام الجمعة أمرٌ مشكل مثلًا؛ فاستندوا إلى هذا وأرادوا أن يقولوا إنّه مثلًا لم يكن كثيرًا... إنّه لم يبحث في ذلك.
لكنّ فهمي أنّنا إذا تحدّثنا عن الحكومة المطلوبة للمرحوم النائيني، فيمكننا أن نقول إنّها هذه الجمهورية الإسلامية نفسها. لأنّه يقول في موضع إنّ خلع يد هؤلاء [السلاطين] غير ممكن، ولا يستطيع الفقيه أن يمارس رقابة، فضلًا عن المعصوم، بل حتى الفقيه لا يستطيع الرقابة؛ ولذلك فمن باب القدر المقدور يجب علينا أن نرضى بهذا المجلس نفسه. وتصوّري أنّ هذا كان مثله الأعلى. لأنّ هناك أيضًا بعض الشواهد والقرائن على أنّ حكومة الجمهورية الإسلامية هذه نفسها... لكن، لكنّي أؤكّد أنّ للجمهورية الإسلامية أيضًا، بتعبير أهل اليوم، قراءات مختلفة. نعم، قراءة الشهيد مطهري، وقراءة الشهيد بهشتي للجمهورية الإسلامية، يمكننا أن نقول إنّ هذه الجمهورية الإسلامية [كانت] حكومة النائيني المطلوبة؛ لكن مع مراعاة هذه المبادئ التي ذكرتها: أنّ للناس حقّ الرقابة، وأنّ المسؤولين ورجال الدولة ليسوا في مقام «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ»، بل يجب أن يكونوا مساءَلين، وعليهم مسؤولية. وقد كتبتُ في موضعٍ ما مقالةً عن تلك المبادئ الأساسية للحكم في الإسلام من وجهة نظر النائيني؛ فكلّ حكومة يُراد تشكيلها باسم الإسلام يجب أن تُراعى فيها هذه المبادئ الأساسية؛ سواء كان على رأسها معصوم، أو فقيه، أو مؤمن عادل، أو كانت مشروطة. فإذا رُوعيت تلك المبادئ... إذا رُوعيت تلك المبادئ الأساسية في الجمهورية الإسلامية...




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.