الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ وَ صَلَّیاللهُ عَلَی نَبِیِّنَا وَ طَبِیبِ نُفُوسِنَا وَ حَبِیبِ إِلَهِ الْعَالَمِینَ أَبِیالْقَاسِمِ الْمُصْطَفَی مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ الْمُقَرَّبِینَ.
إنه لتوفيقٌ أن أكون دقائق معدودة في محضركم، أيها السادة الكرام والأساتذة الأجلّاء. وآمل أن يكون ما يُقال في هذا المحفل النوراني، المنعقد بمناسبة المولد الميمون السعيد للصدّيقة الكبرى السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، مرضيًّا لله تعالى، وأن ينتفع به الأعزاء إن شاء الله. ومحور حديثي الآيات الشريفة التي تُليت، ولكنني أعرض بوصفها مقدمةً نكتةً تفسيرية.
كما تعلمون، وكما أشار إليه المفسّرون، فإن لتفسير القرآن الكريم في المقام الأول مرتبتين ومنهجين: «التفسير السياقي» و«التفسير النفسي». والتفسير السياقي يعني أن مفهوم الآية يتحدّد بالاستعانة بالآيات السابقة واللاحقة لها. وعملية فهم القرآن تجري عادةً على هذا النحو: يتبادر إلى الذهن أولًا «المعنى» الحرفي للآية، ثم تأتي مرحلة «الشرح» بدراسة صلتها بالآيات المجاورة، وأخيرًا يأتي دور «التفسير» الذي هو كشف المراد النهائي للربّ تعالى. على أن وصولنا إلى كُنه المراد الإلهي إنما هو بقدر وسعنا وطاقتنا الوجودية؛ لأننا موجودات «تدريجية الوجود» وسائرون في طريق التكامل. ومن ثمّ، إذا أردنا أن نمضي بالترجمة والشرح الظاهري فحسب، فقد لا نبلغ عمق المراد الإلهي، ونحتاج إلى قرائن داخلية وخارجية.

أما المنهج الثاني فهو «التفسير النفسي» الذي يعبّر عنه بعضهم بـ«التأويل»، ولكن يمكن تسميته التفسير النفسي للقرآن. وفي هذا المنهج تُجعل الآية محطّ الاهتمام على نحو مستقلّ، بمعزل عن سياق الآيات السابقة واللاحقة. فعلى سبيل المثال، في الآية الشريفة «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (الأنبياء/٧ والنحل/٤٣)، إذا عملنا وفق التفسير السياقي، فإن الآيات السابقة واللاحقة خطاب للمشركين، تقول: إن كنتم لا تعلمون أن هذا النبي (صلى الله عليه وآله) هو نبيّ آخر الزمان ولا تعرفون علاماته، فاذهبوا واسألوا «أهل الذكر». والمراد بأهل الذكر في هذا السياق علماء التوراة والإنجيل (أهل الكتاب)؛ لأن النبي في تلك المرحلة لم يكن قد اصطدم بعدُ بيهود خيبر، وكانت أذهانهم أكثر انفتاحًا تجاه الإسلام، ولذا يُرجع القرآن إلى سؤالهم عن العلامات. أما في «التفسير النفسي»، فبحسب الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فإن المصداق الأتمّ لـ«أهل الذكر» هم أهل البيت أنفسهم. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): إنكم لو ذهبتم الآن إلى علماء اليهود لدعوكم إلى أنفسهم لا إلى نبيّ الإسلام؛ فنحن «أهل الذكر» الذين ندعو إلى الحق. وعليه، تكتسب الآية في النظرة الاستقلالية والنفسية معنى أعمق.
والآن، بعد هذه المقدمة، ننتقل إلى آية التطهير الشريفة: «إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا» (الأحزاب/٣٣). فإذا أردنا أن نلحظ التفسير السياقي، فإن الآيات السابقة واللاحقة تتحدّث عن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله): «یَا نِسَاءَ النَّبِیِّ لَسْتُنَّ کَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ... وَقَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ». ثم يقول تعالى: «وَاذْکُرْنَ مَا یُتْلَی فِی بُیُوتِکُنَّ مِنْ آیَاتِ اللَّهِ». والخطاب في هذا السياق لأزواج النبي: أن يلزمن البيوت ويتلون الآيات الإلهية لئلّا يكنّ سببًا للفتنة. فلو كانت أزواج النبي ذوات «طهارة باطنية» وعصمة، لما كان في حضورهن في المجتمع مفسدة، ولأمكنهن الخروج؛ ولكن لمّا لم تكن طهارتهن مضمونة، فقد أُمرن بلزوم البيوت (وقرن فی بیوتکن). وقد يقول بعض الأساتذة ممّن تعمّقوا في هذه المسائل إن هذا الأمر ناظر إلى النساء اللواتي يقصدن التبرّج، لكن القدر المتيقّن أن المرأة إذا دخلت المجتمع من غير تعليم وتزكية فقد تزلّ.
ولكن فجأة يتغيّر أسلوب الكلام الإلهي فيقول: «إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ». فهنا يتحوّل الضمير من المؤنث (كُنّ) إلى المذكّر (كُم)، ويُطرح موضوع «أهل البيت». وبناءً على التفسير النفسي والقرائن الروائية، فإن هذا المقطع من الآية مستقلّ، ويدلّ على عصمة وطهارة باطنية خاصة. وهذه الطهارة الباطنية التي أرادها الله تعالى تخصّ أولئك الذين لا يكون حضورهم في المجتمع فتنةً، بل هو سبب لنموّ المجتمع ونشاطه وطهارته. ومحور «أهل البيت» هؤلاء في آية التطهير هو الوجود المقدّس للسيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها). فمع وجود أشخاص آخرين في الظاهر (الخمسة الطيّبة)، فإن المركزية للسيدة الزهراء. وقد أُمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعد نزول هذه الآية بتعيين مصاديقها؛ ولذا كان مدّةً طويلة (ستة أشهر أو أكثر بحسب بعض الروايات) إذا مرّ بباب بيت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وعلي (عليه السلام) قال: «السَّلَامُ عَلَیْکُمْ یَا أَهْلَ الْبَیْتِ»، ليُعلم مَن المقصود بهذه الآية. بل صدر الأمر بسدّ أبواب البيوت المفتوحة إلى المسجد (سدّ الأبواب) «إِلَّا بَابَ عَلِیٍّ»؛ أي إن الوحيدين الذين لهم طهارة باطنية حتى في حال الجنابة أو الحيض (العذر الشرعي الظاهري)، ولا مانع من حضورهم في المسجد، هم هذه الأسرة. فقد رُفع عنهم هنا الحكم التكليفي بحرمة المكث في المسجد، وهو ما يدلّ على مقامهم الوضعي والتكويني الرفيع.

والنقطة البالغة الأهمية أنه بعد نزول آية التطهير (نحو السنة الخامسة أو السادسة للهجرة)، تغيّرت لغة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسلوبه في التعريف بالسيدة الزهراء (سلام الله عليها). فقبل ذلك كانت التعريفات ذات طابع «فردي»؛ فعبارات مثل «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّی»، و«فَاطِمَةُ سَیِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِینَ»، أو «سَیِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، الواردة في مصادر الفريقين (كصحيح البخاري)، كانت ناظرة إلى فضيلتها الشخصية. ولكن بعد آية التطهير تحوّل نهج النبي إلى نهج «جمعي» وإلى عنوان «أهل البيت». فصدرت عناوين مثل «أَهْلُ بَیْتِی أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ»، أو الحديث المشهور «مَثَلُ أَهْلِ بَیْتِی فِیکُمْ کَمَثَلِ سَفِینَةِ نُوحٍ مَنْ رَکِبَهَا نَجَی» الذي أورده الحاكم النيسابوري في المستدرك، مصرّحًا بأن هذه الرواية صحيحة على شرط مسلم بن الحجّاج (صاحب صحيح مسلم). أو حديث الثقلين الوارد في الكتب المعتبرة لأهل السنة (مسلم، والترمذي، ومسند أحمد): «إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمُ الثَّقَلَیْنِ کِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِی أَهْلَ بَیْتِی». ويدلّ هذا التغيّر في الأسلوب على أن «الحيثية الجمعية» لهذه الأسرة صارت منذ ذلك الحين ملاكَ الهداية والتمسّك.
بل تجلّت هذه الحيثية الجمعية في واقعة المباهلة أيضًا: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَیْتِی وَ خَاصَّتِی وَ حَامَّتِی». كما تغيّرت كيفية الصلاة على النبي بعد هذه الآية، فأُضيف «آل محمد» إلى الصلاة. وعليه، فإن مناقب السيدة الزهراء (سلام الله عليها) هي من جهةٍ مناقب فردية وردت في الكتب المعتبرة (البخاري ومسلم)، ومن جهة أخرى هي محور المناقب الجمعية لأهل البيت.

وفي ما يخصّ المكانة المحورية للسيدة الزهراء (سلام الله عليها)، نُقلت في مصادر أهل السنة الثانوية (كآثار السيوطي وابن أبي الحديد) وفي المصادر الشيعية روايةٌ مفادها أنها «ركن» أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل ركن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتعبيرٍ ما. وإن تلقيب النبي (صلى الله عليه وآله) إياها بـ«أمّ أبيها» ليس مجرّد تعبير عاطفي، بل يدلّ على أن فاطمة (سلام الله عليها) ملأت، بعد رحيل السيدة خديجة (سلام الله عليها)، مكانةَ الأم للنبي (صلى الله عليه وآله)، أي مركز الأُنس والسكينة والطمأنينة. فقد كانت السراج الوهّاج وسبب السكينة في بيت النبوة.
وورد في الروايات أيضًا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): «سَلَامُ اللَّهِ عَلَیْکَ یَا أَبَا الرَّیْحَانَتَیْنِ... فَعَنْ قَلِیلٍ یَنْهَدُّ رُکْنَاکَ». فالركن الأول هو الوجود المقدّس لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والركن الثاني هو السيدة الزهراء (سلام الله عليها). فأمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان هو نفسه «سند الرجال» وأسد الله الغالب، كان سنده في الأمور المعنوية والسكينة الروحية فاطمةَ (سلام الله عليها). ولعلّ سرّ أن عليًّا (عليه السلام) كان مأمورًا بالصمت في واقعة الهجوم على البيت، وأن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) ذهبت إلى خلف الباب، يكمن في مقام ركنيّتها هذا؛ إذ ربما كان الأعداء يرعون حرمة بنت النبي أكثر من حرمة علي (عليه السلام)، فكان حضورها دفاعًا مستميتًا عن الولاية.
وفضلًا عن ذلك، كان الحضور الاجتماعي للسيدة الزهراء (سلام الله عليها) حضورًا فاعلًا وملحميًّا. فقد ورد في صحيح البخاري أنه في غزوة أُحد، حين كُسرت أسنان النبي المباركة وجُرح وجهه وذراعه ولم ينقطع الدم، كانت فاطمة (سلام الله عليها)، وهي صغيرة السنّ، هي التي أحرقت حصيرًا وجعلت رماده مرهمًا لجرح النبي فأوقفت النزيف. وفي غزوة الأحزاب (الخندق) أيضًا، حين كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقضي الأيام في موضع حفر الخندق وعلى جبل ذُباب متعبّدًا وهو جائع، أعدّت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) خبزًا وحملته إلى أبيها، ورعت وليّ الله كممرّضة حانية، في حين ربما كان الآخرون منشغلين بأنفسهم.

ومن النكات الأخرى في فضائلها رواية «لَوْلَا عَلِیٌّ لَمْ یَکُنْ لِفَاطِمَةَ کُفْوٌ» الواردة في مصادرنا وفي مصادر أهل السنة (كابن مردويه). فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): لو لم يخلق الله أمير المؤمنين لما وُجد لفاطمة كفؤ على وجه الأرض من آدم إلى الخاتم. وهذا يدلّ على تكافؤ المقام النوري والمعنوي لهذين العظيمين.
وفي الختام، نشير إلى مقام السيدة الزهراء (سلام الله عليها) في القيامة. فالروايات المتواترة تدلّ على أنه وإن كان أول من يُحشر يوم القيامة رسولَ الله (صلى الله عليه وآله)، فإن آخر من يدخل عرصات المحشر (لما لدخولها من تشريفات وعظمة) وأول من يدخل الجنة هي السيدة الزهراء (سلام الله عليها). فهي لا ترى مواقف القيامة الأولى المخيفة المرعبة، وتحلّ مباشرة في مقام الشفاعة الكبرى. وفي حين يكون الناس في «یَوْمَ یَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِیهِ» يبكون دمًا من شدّة الخوف، ينادي منادٍ: «غُضُّوا أَبْصَارَکُمْ» حتى تعبر بنت النبي. فتدخل بجلال وجبروت، وتحلّ في مقام الشفاعة، وهي أول من يفتح عمليًّا باب الشفاعة للشيعة والمحبّين.
نسأل الله تعالى أن يحشرنا مع سيدة العالمين، الصدّيقة الكبرى (سلام الله عليها)، وأن يزيد يومًا بعد يوم في معرفتنا بهذه الأسرة ومحبّتنا لها.إن شاء الله اختموا بصلاة عالية: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَی مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.