«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
«حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، نِعْمَ الْمَوْلَى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَ نَبِيِّنَا أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ.»
أتقدّم إلى الحضور الكرام والأساتذة الأفاضل بأحرّ التعازي بمناسبة أيام العزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
من المسائل البالغة الأهمية التي كانت ولا تزال موضع بحث ونقاش بين المسلمين منذ وقوع حادثة عاشوراء، بل منذ مراحلها التمهيدية، هذا السؤال الجوهري: ألم يُحدث الإمام الحسين (عليه السلام) بحركته السياسية الاحتجاجية في وجه السلطة نوعاً من الخلاف والفرقة في صفوف الأمة الإسلامية؟ وهذه المسألة تُدرس تارةً من منظور تاريخي، وتارةً من زاوية سياسية، وتارةً أخرى بنظرة فقهية دقيقة.
فمن المنظور الفقهي تُصاغ المسألة على النحو الآتي: إذا كان الحاكم الجائر الظالم ممسكاً بزمام السلطة ومسيطراً عليها سيطرةً تامة، وكانت مواجهته ومقاومته من أجل تحقيق العدالة تستتبع آثاراً من قبيل نشوء الخلاف والهرج والمرج واختلال النظام في المجتمع، فما هو التكليف الشرعي؟ إننا هنا أمام دوران الأمر بين «بقاء النظام» و«تحقيق العدل». وهذه المفارقة مطروحة منذ نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ولا تزال قائمة إلى يومنا هذا، وقد تركت آثاراً عميقة في المصير الاجتماعي والسياسي للمسلمين. وقبل الدخول في صلب البحث أعرض عليكم أيها الأعزاء بإيجاز بعض المقدمات القصيرة، ثم أتناول بيان المطلب بقدر وسعي والوقت المتاح لي.
التزاحم بين النظام والعدالة في نظر مؤرخي العامة ومفكريهم
إن المؤرخين الذين اهتموا أكثر من غيرهم بالتحليل الاجتماعي والسياسي للأحداث، قد ركّزوا في الغالب على هذه النقطة: هل كانت حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي أدّت في الظاهر إلى انشقاق في الأمة، حركةً جائزة ومشروعة في الأساس أم لا؟ ومن الواضح أن طرح هذه المسألة بالنسبة إلينا نحن الشيعة منتفٍ موضوعاً من الأساس؛ غير أن لهذا الموضوع أهميةً خاصة عند أهل السنة ومحلّلي القضايا الاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، أبدى «ابن خلدون» في تاريخه رأياً حول نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) يكشف عن هذا الاتجاه بعينه. فهو يشير إلى أن عامة الصحابة لم يكونوا موافقين على نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، ويعلّل هذه المخالفة بأن الخروج على الحاكم الجائر في نظرهم له تبعات جسيمة، ويؤدي إلى الهرج والمرج، ويجرّ مفاسد؛ ولذا فالمصلحة في تحمّل الحاكم الظالم وعدم القيام بأي عمل ضده. وعبارته هي:
«أَمَّا غَيْرُ الْحُسَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْحِجَازِ وَ مَعَ يَزِيدَ بِالشَّامِ وَ الْعِرَاقِ وَ التَّابِعِينَ لَهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى يَزِيدَ ـ وَ إِنْ كَانَ فَاسِقاً ـ لَا يَجُوزُ، لِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْهَرْجِ...»
(أي: إن سائر الصحابة في الحجاز ومن كان مع يزيد في الشام والعراق والتابعين لهم كانوا يرون أن الخروج على يزيد غير جائز وإن كان فاسقاً، بسبب ما ينشأ عنه من الهرج والفوضى.)
يصرّح ابن خلدون بأنه على الرغم من فسق يزيد فإن الخروج عليه غير جائز، لأن الثورة على الإمام تستتبع اختلال النظام، ومفسدة هذا الاختلال أعظم بكثير من مفسدة وجود حاكم جائر على رأس السلطة. وهذه النظرة نفسها نجدها في مصادر أخرى، سواء في كتب المؤرخين أو المحدّثين من أهل السنة. فـ«ابن كثير» في كتابه «البداية والنهاية» يصرّح بأنه حتى لو كان إمام المجتمع فاسقاً فإن الخروج عليه يبقى حراماً:
«لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ وَ وُقُوعِ الْهَرْجِ وَ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ نَهْبِ الْأَمْوَالِ»
(أي: لا يجوز الخروج عليه، لأنه يؤدي إلى إشعال الفتنة ووقوع الهرج وسفك الدماء ونهب الأموال.)
وعليه، فقد كان الرأي الغالب بينهم أن مفاسد الإخلال بالنظام أكبر من مفاسد الحاكم الجائر نفسه، وأنه يجب الصبر حتى نهاية عهد حكمه. بل أكثر من هذه التحليلات التاريخية، ففي الوقت نفسه الذي عزم فيه أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) على بدء هذه النهضة، كان جميع من اطّلعوا على مجريات الأمور تقريباً يخطّئونه بهذا الاستدلال نفسه. لم يكن أحدٌ في ذلك الزمان يدافع عن شخص يزيد بن معاوية أو يراه أهلاً لقيادة الأمة؛ لكنهم كانوا يؤكدون باستمرار أن مواجهته ليست في مصلحة المجتمع الإسلامي، وأن هذا الإقدام سيجرّ على عامة الناس اختلالاً في النظام ومفاسد واسعة.
وكان الحكّام أيضاً يتّخذون هذا الاستدلال بعينه ذريعةً للقمع. فالعبارة التي خاطب بها «عمرو بن سعيد»، والي المدينة، أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) كانت: «تُفَرِّقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ» (إنك تفرّق بين الأمة!). أي إن أعوان السلطة كانوا يصفون هذه الحركة بأنها نوع من التفريق، كما أن سائر أفراد المجتمع امتنعوا عن مرافقة الإمام بهذا التبرير المحافظ ذاته.
تقديم النظام على العدالة؛ البحث عن جذور الاستبداد في المجتمعات الإسلامية
يمكننا أن ندرس هذا الاتجاه، أي مسألة «أهمية النظام السياسي وتقديمه على القيم السامية كالعدالة والحرية»، في مدرستين فكريتين مختلفتين: أولاً في مدرسة أهل السنة، ثم في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
فلدى العامة كان الاتجاه الغالب دائماً أنه لا ينبغي الإخلال بالنظام القائم بذريعة فسق الولاة وجورهم. وقد حلّل المرحوم الدكتور «حميد عنايت»، وهو من المتخصصين البارزين في العلوم الاجتماعية، هذه المسألة في كتابه القيّم «سير في الفكر السياسي العربي» من زاوية رؤية مفكري أهل السنة كـ«الماوردي» و«الغزالي» و«ابن جماعة». وهو يبيّن بوضوح إلى أيّ حدّ كان هؤلاء المفكرون يمنحون «طاعة السلطان» أصالةً وموضوعيةً؛ إلى درجة أنهم كانوا يُفتون صراحةً بأنه لا فرق بين الإمام العادل والإمام الجائر، وأنه لا يجوز الإخلال بنظام المجتمع بأيّ ذريعة كانت.
ويكتب الدكتور عنايت في تحليل هذا الاتجاه أن التعارض بين طاعة الحاكم ومراعاة العدالة كان يُحسم دائماً لصالح الحاكم، بذريعة الحفاظ على النظام الاجتماعي للمسلمين. ويضيف قائلاً: إذا قبل مجتمعٌ ما أنه يجوز بحكم الضرورة التضحية بالعدالة في سبيل النظام الاجتماعي، فإنه بطريق أولى سيرضى بالتضحية بالحريات الفردية والسياسية أيضاً في سبيل بقاء النظام، وسيخضع للاستبداد والدكتاتورية.
وكانت ثمرة الأفكار التي روّجها أمثال الغزالي والماوردي في المجتمع الإسلامي ونتيجتها أن المسلمين قبلوا بوجوب تحمّل حكم الجبابرة. وبتعبير أدق، فإن هذه الأفكار قد كيّفت ذهنية المسلمين تدريجياً لقبول الاستبداد؛ بحيث أصبح الاستبداد في النظام السياسي للمجتمعات الإسلامية «أصلاً» وأصبحت الحرية «استثناءً». ذلك أن الحكّام كانوا يستطيعون بسهولة قمع أي نزوع إلى الحرية بذريعة إثارة الشغب والإخلال بأمن الأمة. وتاريخ البلدان الإسلامية الحافل بالتقلبات شاهدٌ واضح على هذه الحقيقة المرّة: إضفاء القداسة على النظام الحاكم على حساب ذبح أعظم القيم الإنسانية كالعدالة والحرية. لقد دفعت المجتمعات الإسلامية على مرّ التاريخ ثمناً باهظاً لهذا الانحراف الفكري، ولا تزال تدفعه مع الأسف.
المستندات الروائية لمدرسة الخلفاء في تبرير الوضع القائم
إن عمدة استدلال الذين نظّروا لهذه الأسس هو الاستناد إلى بعض الروايات المنقولة في مصادر أهل السنة. فابن كثير في كتابه نفسه «البداية والنهاية»، بعد أن حكم بعدم مشروعية الخروج على الحاكم، استند إلى رواية معتبرة عندهم وكتب:
«مَنْ جَاءَكُمْ وَ أَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ كَائِناً مَنْ كَانَ»
(أي: إذا كان في المجتمع اتفاقٌ في الرأي وجاء أحدٌ بينكم ليُحدث الفرقة فيكم، فاقتلوه أيّاً كان!)
في هذا المنطق لا يهمّ أبداً ما هو استدلال الشخص المعترض، أو إلى أيّ حدّ يفتقر حاكم الوقت إلى الأهلية؛ فمجرّد إحداث الخلاف يُعدّ مسوّغاً شرعياً لقتله. وقد ورد في «مسند أحمد بن حنبل» مضمون مشابه:
«مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هُمْ جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِناً مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ»
ونقرأ في «صحيح مسلم» أيضاً:
«مَنْ أَتَاكُمْ وَ أَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»
(أي: إذا كنتم جميعاً تحت إمرة رجل واحد، وجاء أحدٌ ليشقّ عصا اجتماعكم ويفرّق جماعتكم، فاقتلوه.)
وعلى أساس هذه المنقولات والمستندات بعينها أصدر ذلك الشخص الجاهل (قاضي الجهاز الأموي) حكماً فقهياً مستنداً إلى كلام النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، فقال: «قُتِلَ الْحُسَيْنُ بِسَيْفِ جَدِّهِ» (قُتل الحسين بن علي بسيف جدّه!). أي إن مجرمي كربلاء ارتكبوا تلك الفاجعة وهم يتوهّمون أنهم يعملون بأمر رسول الله، ويسعون للحفاظ على النظام ومواجهة التفريق.
اتجاه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وحلّ معضلة التزاحم
أما المسألة عندنا نحن الشيعة فمختلفة تماماً. ففي مدرستنا لا يوجد مثل هذا التاريخ المظلم في دعم الظالمين، ولا تقف مستنداتنا الروائية على هذا النحو في خدمة السلطة الحاكمة. وإذا أردنا تحليل هذه المسألة على أساس مبانينا، فإن البحث قابل للدراسة من زاويتين: عقلية ونقلية.
فمن الجهة العقلية، هذه المسألة من صغريات باب «التزاحم» في علم الأصول؛ أي التزاحم بين الملاكات الموجودة في حفظ النظام والملاكات الكامنة في إقامة العدالة. فإذا كان إجراء العدالة يؤدي إلى اختلال النظام، وكان حفظ النظام الاجتماعي من جهة أخرى يؤدي إلى تضييع العدالة، فنحن أمام تزاحم. والقاعدة الأصولية الواضحة هنا تقتضي أن ننظر أيّ هذين الملاكين أكثر «أهمية» (تقديم الأهم على المهم).
لا يمكن الحكم بصورة كلية ومطلقة بأن بقاء النظام السياسي مقدَّم على كل شيء في جميع الظروف، ولو ارتكب الحكّام كلّ جناية! بل لا بدّ من الموازنة الدقيقة: ما المفاسد التي تترتب إذا حُفظ النظام القائم، وما التبعات التي تترتب إذا قام الاعتراض والصرخة في وجهه؟ فأحياناً تكون مصالح تحطيم النظام الظالم والقيام أعظم بكثير، وتحول دون مفاسد أكبر. ونحن في المدرسة الشيعية لا نملك أيّ دليل عقلي كلّي يثبت أن النظام مقدّس في كل حال وتحت لواء أيّ حكومة كانت.
بل أكثر من ذلك، ففي منظومتنا التحليلية «النظام» فاقدٌ للقيمة الذاتية، في حين أن «العدل» ذو حُسنٍ ذاتي. فالنظام في الأصل لا يمكن أن يكون في عرض العدالة وفي مرتبتها حتى يتعارض معها. وإذا كنّا نعطي للحكومة والنظام السياسي قيمةً، فإنما هي قيمة طريقية فحسب؛ بمعنى أننا نريد النظام لكي تُحترم في ظلّه حقوق الناس، ويُسدّ باب التعدّي والظلم، وتستقرّ العدالة. إذن فالظاهرة التي لا قيمة ذاتية لها (النظام) إنما تكون ذات قيمة بمقدار ما تكون في خدمة ظاهرة ذات قيمة ذاتية (العدالة). والذين غفلوا عن هذه الدقيقة العقلية خُدعوا بسهولة، وقدّموا في تحليلاتهم الاجتماعية أصلَ الحكم على «كيفية الحكم».
ومن دواعي الفخر أن أكابرنا وعلماءنا من الطراز الأول في مختلف العلوم الإسلامية قد أكّدوا هذه النقطة دائماً. ففي العصر الحاضر تناول المرحوم العلامة الطباطبائي (رضوان الله تعالى عليه) في تفسيره الشريف «الميزان» (الجزء الخامس عشر، في الأبحاث الاجتماعية) هذه المسألة بعينها. فهو يقول إن مفاسد تأييد الحكومات الجائرة التي تظلم الناس أكبر بكثير من التكاليف التي تُدفع في سبيل الاعتراض والقيام. ويقول العلامة في عبارة مفيدة جداً:
«وَ قَدْ تَبَيَّنَ الْيَوْمَ بِالْأَبْحَاثِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، أَنَّ إِمْضَاءَ حُكُومَةِ مَنْ لَا يَحْتَرِمُ الْقَوَانِينَ الْمُقَدَّسَةَ الْجَارِيَةَ... لَا يُصَادِقُ عَلَيْهِ مُجْتَمَعٌ عَاقِلٌ رَشِيدٌ.»
(أي: لقد اتّضح اليوم في الأبحاث الاجتماعية أن تأييد حكومة الظالم الذي لا يحترم القوانين المقدسة وتكون يده مطلقةً في نقضها وإمضاءَها أمرٌ لا يقبله أيّ مجتمع عاقل رشيد متحضّر.)
ثم يضيف أنه لا يرضى أيّ إنسان عاقل بمثل هذا الانحطاط، فكيف يمكن لأحدٍ أن ينسب هذا السكوت على الظلم إلى دين الله؟
«فَمِنَ الْوَاجِبِ تَنْزِيهُ سَاحَةِ الدِّينِ عَنْ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى هَذَا الدَّرْكِ.»
(أي: من الواجب أن نُنزّه ساحة الدين عن أن تنحدر إلى مثل هذا الدرك والدنوّ.)
وفي الردّ على الذين يرون السكوت والمداراة أمام الظالم واجباً تحت عنوان «حفظ الوحدة الإسلامية»، يتّخذ المرحوم العلامة موقفاً حازماً فيقول:
«وَ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ الْوَحْدَةِ وَ اتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ... مَعْنَاهُ جَوَازُ هَدْمِ حَقِيقَةِ الدِّينِ بِحِفْظِ اسْمِهِ.»
(أي: إن قول القائل بأن مصلحة حفظ وحدة المجتمع أهمّ من حفظ الأحكام الأساسية للدين معناه جواز هدم حقيقة الدين ومضمونه من أجل حفظ قشره وظاهره!)
وحقاً، ما ثمرة الوحدة ووظيفتها إذا لم يكن مضمونها إجراء العدالة وإقامة الأحكام الإلهية؟
دراسة خطبة مثيرة للإشكال في نهج البلاغة
إلى هنا اتّضح البحث العقلي؛ ولكن حين يصل الأمر إلى الأدلة النقلية والروايات يصبح العمل معقّداً بعض الشيء (كما زلّت العامة أيضاً باعتمادها على رواياتها). فنحن أيضاً عند الرجوع إلى مصادرنا الروائية يجب أن نتعامل بدقة نظر واجتهاد عميق، لأننا قد نواجه أحياناً نصوصاً تحتاج إلى تأمّل جادّ.
ومن هذه النصوص المثيرة للإشكال كلامٌ نقله المرحوم السيد الرضي في الخطبة ١٢٧ من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام). وأرجو هنا من الأساتذة المعظّمين الذين شرّفوا الجلسة بحضورهم أن يدقّقوا ويشاركوني التفكير في فهم هذا البيان العلوي. فقد أُلقيت هذه الخطبة في سياق قضية الخوارج ومسألة التحكيم، والإمام في مقام توبيخ الخوارج على فصلهم صفوفهم عن المسلمين يقول:
«إِلْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ. أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ.»
(أي: كونوا دائماً مع السواد الأعظم [جمهور الناس الغفير]، فإن يد الله مع الجماعة. واحذروا الفرقة، فإن المنفصل عن الجماعة فريسة للشيطان، كما أن الشاة المنفصلة عن القطيع تصبح فريسة للذئب. ألا من دعا إلى هذا الشعار [المفرِّق] فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه!)
كيف يُفهم ظاهر هذه الجمل؟ أليست هذه الكلمات تعني أن على الإنسان أن يكون مطيعاً للأكثرية دائماً، وألّا يُحدث في المجتمع مخالفةً واختلافاً؟ أليست دالّةً على أن أيّ ابتعاد عن المسار العام يساوي الوقوع في شَرَك الشيطان؟
فإذا قبلنا هذا الفهم الظاهري، فكيف يمكننا الجمع بينه وبين السيرة العملية لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)؟ فالإمام الحسين (عليه السلام) قام في مجتمعٍ كانت الأكثرية الساحقة منه قد جلست على مائدة يزيد بالضغط أو الإغراء أو التهديد. وعند بدء النهضة امتنع حتى شخصيات من الطراز الأول كعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير عن مرافقة الإمام، وكانوا يخطّئون حركته صراحةً. أفلم يكن قيام الإمام (والعياذ بالله) مصداقاً للانفصال عن «السواد الأعظم»؟ ومن جهة أخرى، كيف ينبغي تحليل ذلك الأمر الشديد اللهجة لأمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: «أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ»؟ هل كلّ مخالف قال قولاً يخالف التيار العام للمجتمع يستحق الإعدام؟
أجوبة شرّاح نهج البلاغة وتقييمها
لقد حاول شرّاح نهج البلاغة الأجلّاء في ذيل هذه الخطبة أن يحلّوا هذه العقدة المعرفية. غير أن الإنسان حين يرجع إلى هذه الشروح بدقة علمية يرى أن بعض التوجيهات لا تبدو مُرضيةً ومقنعة كثيراً.
- تخصيص «السواد الأعظم» بجماعة أهل الحق: ذكر أعلامٌ كالمرحوم العلامة محمد تقي الجعفري وآية الله مكارم الشيرازي وآية الله جوادي الآملي (حفظهم الله) في شروحهم القيّمة أن مراد أمير المؤمنين من «الجماعة» و«السواد الأعظم» هو جماعة أهل الحق؛ وعليه فإذا كانت أكثرية مجتمعٍ ما من أهل الباطل فلا تجوز مرافقتهم، ولن يكون هذا الانفصال أبداً مصداقاً للفرقة المذمومة. وهذا التفسير منسجم تماماً مع المباني العقدية للتشيّع، لأننا نحن الشيعة كنّا دائماً على مرّ التاريخ أقلية، ولو كان المطلوب أن نستسلم استسلاماً محضاً للأكثرية لما بقي مذهبٌ أصلاً منذ اليوم التالي لرحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).
- المناقشة في هذا الجواب: مع الاحترام لمقام هؤلاء الأعلام، يُطرح هنا سؤال: إذا كان مراد الإمام «أهل الحق» فحسب، فلن يبقى لصفة «الأكثرية» و«الجماعة» هنا أيّ موضوعية! وهذه المسألة شبيهة ببحث «الإجماع» في علم الأصول. فعند أهل السنة يكون اتفاق الآراء وكثرة العدد بحدّ ذاتهما ذوَي موضوعية وحجية؛ أما في مدرسة التشيّع فإن اعتبار الإجماع إنما هو لكاشفيته عن رأي المعصوم (عليه السلام). فإذا علمنا رأي الإمام المعصوم كان حجةً لنا ولو خالفه أهل العالم جميعاً. وعليه، فحين يكون مقياس الحق واضحاً، لا يكون لعدد الحاضرين أو الغائبين في الأصل محلٌّ من الإعراب.
- تفسير «هذا الشعار» وحكم القتل: فيما يتعلق بعبارة «أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ»، ذكر بعضهم كآية الله جوادي الآملي في شرحه (المعنون بـ«سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي») أن كلمة «الشعار» بقرينة سياق الكلام تعود إلى ذلك الشعار المفرِّق نفسه وإلى الإخلال بوحدة المجتمع. أي إن كلّ من يهدّد الأمن والاستقلال الوطني باستبداده برأيه يستحق القتل. وجاء في شرح آية الله مكارم الشيرازي أيضاً أنه لما كان شعار الخوارج يؤدي إلى سفك الدماء والفساد في الأرض، كان أنصار هذا الشعار محكومين بالإعدام.
- المناقشة التاريخية: إذا كان الأمر كذلك، فنتيجته أنه كان على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يُعدم الخوارج واحداً واحداً لمجرّد جرم اعتناق هذه العقيدة ورفع هذا الشعار، حتى لو لم يشهروا السيف! في حين يدلّ التاريخ على أن الإمام لم يقاتل إلا الذين قاموا بالتمرّد المسلح، وبعد معركة النهروان أمر بأن يُترك من بقي من الخوارج.
- الحمل على القضية الخارجية (رأي آية الله المنتظري): يرى المرحوم آية الله المنتظري في حلّ هذه المعضلة أن هذا الأمر من الإمام ليس «حكماً كلياً» لجميع العصور، بل هو «قضية خارجية» تختص حصراً بتلك الجماعة المعيّنة من الخوارج. فقد كان خوارج ذلك الزمان يرتكبون جرائم مروّعة للغاية (كبقر بطون النساء الحوامل وقطع الطريق)، وكانت مواجهتهم مصداقاً بارزاً للدفاع المشروع. وقد حمل كلمة «فَاقْتُلُوهُ» على «الجواز» لا على «الوجوب»؛ أي إن الإمام قال: إن أرواحكم وأموالكم في خطر، و«يجوز لكم» قتلهم دفاعاً عن أنفسكم. والشاهد على هذا المدّعى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد دفع شرّهم في النهروان قال: لا تتعرّضوا للخوارج بعد ذلك.
وإلى جانب هذه الأبحاث السندية والدلالية، حين نفحص المصادر السابقة على نهج البلاغة واللاحقة له (كتاريخ الطبري وأمالي الصدوق، اللذين نُقلت فيهما الخطبة ١٢٧ بأسانيد مختلفة)، لا نجد في أيّ منها عبارة «أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ...»، ويبدو أن هذه التتمّة من الإضافات التي تحتاج إلى تحقيق وتتبّع تاريخي أدقّ لجذورها.
رسالة الحوزات العلمية؛ ضرورة تدوين فقه عاشوراء
إن الجمع بين هذه الأبحاث والإجابة عن هذه الشبهات ليس بالأمر اليسير، بل يحتاج إلى مباحثات حوزوية عميقة. وكان مقصودي من طرح هذه المسألة بينكم أيها الفضلاء وأهل النظر أن تتّجه الأذهان إلى هذه الوجهة، وأن تتابعوا هذه الأبحاث بجدّية. فالمسألة أبعد بكثير من أن تكون بحثاً تاريخياً محضاً؛ إننا نحتاج في مبانينا العلمية إلى تحوّل جذري.
اليوم حتى بين أهل السنة، الذين كانوا يوماً ما يدعمون حكّام التاريخ الجائرين بتلك الشدة، قد حدثت يقظة وتحوّل. فقد ظهر مفكّرون مثل «عبد الرحمن الكواكبي» يقولون بصراحة: إذا لم يستطع النظام الحاكم أن يوصلنا إلى العدالة وحقوق المواطنة والقيم الإسلامية، فما قيمة الحفاظ على هذا القشر الفارغ؟ إنهم يعيدون النظر في أفكارهم البالية والتقليدية. فعلينا أن نحذر من الوقوع في فخّ المحافظة.
إننا نملك رصيداً عظيماً حُرم منه الآخرون. فغاية فهم أمثال ابن خلدون لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام) أن يقولوا: «كان الحسين مجتهداً، لكنه أخطأ في قيامه!» إنهم لا يملكون قدوةً كالإمام الحسين (عليه السلام)، أما نحن فنملك. فعلينا أن ندخل الميدان بأيدٍ ملأى، وأن نبيّن أيّ القيم لها الأولوية في الهندسة المعرفية لـ«فقه عاشوراء»، وفي سبيل حفظ أيّ المبادئ ينبغي التضحية حتى بالنفس.
وإني أعترف بأن طرح هذا البحث في هذه الفرصة القصيرة كان ناقصاً. لقد أعددتُ ملاحظات كثيرة، ولكن بما أن الوقت المخصّص لي وهو خمس وأربعون دقيقة يوشك على الانتهاء، ولا أريد أن أثقل عليكم أكثر من ذلك، فإني أكتفي بهذا القدر.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.