محاضرة الدكتور محمد مرادي
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا و نبینا ابوالقاسم محمد، صلوات الله و سلامه علیه و علی آله اجمعین.
أتقدّم بالسلام إلى السادة الأعزّاء الكرام؛ الذين نحن في محضرهم، وكذلك الذين قد يستمعون إلى كلامي الآن أو سيستمعون إليه لاحقاً. أتمنّى لكم جميعاً الصحة والتوفيق، وأسأل الله تعالى أن يتقبّل طاعاتكم.
إنّنا نمرّ بظروف صعبة وعسيرة؛ فقد هاجم الأعداء الخبثاء بلدنا العزيز، وقُتل عدد من مواطنينا وقادتنا الأعزّاء أو نالوا شرف الشهادة. نسأل الله لهم علوّ الدرجات، ولذويهم الصبر والسلوان. ونرجو أن يردّ الله تعالى، بأسمائه الحسنى وقدرته التي لا تتناهى، كيدَ الأعداء إلى نحورهم.
في هذه الفرصة القصيرة، أطرح موضوعاً بعنوان «حوكمة رسول الله في المجال العام على ضوء آيات القرآن الكريم». وسأسعى في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان ـ شهر القرآن وكلام الله ـ إلى أن أشارككم نكتةً قرآنية.
والحقيقة أنّ البحث الذي أعتزم طرحه بحثٌ متعدّد الأبعاد، أو بتعبير آخر بحثٌ بينيّ متعدّد التخصّصات؛ إذ يرتبط من جهةٍ بعلم الكلام، ومن جهة أخرى بالفقه والتاريخ، والأهمّ من ذلك كلّه بعلم تفسير القرآن. ولكلّ واحد من هذه العلوم سهمٌ في هذا البحث، ويمكن دراسة مبانيه في المجالات المذكورة؛ وإن كان لا يتّسع المجال في هذه الفرصة القصيرة لتناولها جميعاً، وسأكتفي بالإشارة إلى بعض النقاط.
الموضوع الرئيس للحديث هو مفهوم «الحوكمة». وقد شاع هذا المصطلح في بلدنا في العقود الأخيرة، كما أنّه في العالم أيضاً ليس ذا تاريخ طويل، فلم يمضِ على طرحه بصورة جادّة أقلّ من قرن.
وتجدر الإشارة إلى أنّ «الحوكمة» ليست هي «الحكومة»، وإن كان كلاهما يُطرح في حقل العلوم السياسية. فالحكومة تعني عادةً ممارسة السلطة والقدرة؛ أي بنيةً تمتلك قدرةً وتمارسها. أمّا الحوكمة فلا تعني بالضرورة ممارسة القدرة، وإن كانت قد تقترن بها في بعض الحالات.
ومن هنا ينبغي التفريق بين هذين المفهومين. فحين نتحدّث عن «حوكمة رسول الله»، فإنّنا لا نقصد بالضرورة دراسة بنية حكومته أو مكوّناتها؛ بل نريد أن نرى كيف كان النبي يستقطب المجتمع ويجعله يسير معه، وكيف كان يُشرك الناس في الشؤون العامة، وكيف كان يمضي بمشاريعه الاجتماعية والدينية.
ويمكن القول إنّ الحوكمة نوعٌ من إشراك جميع الذين لهم سهم في أمرٍ مشترك ويريدون تحقيق هدف مشترك. وبهذا المعنى، فإنّ الحكومة ليست إلا أحد مكوّنات الحوكمة؛ أي جهاز القدرة والسياسة الذي يقف إلى جانب العوامل الأخرى.
ففي الحوكمة، ليس الهدف ممارسة القدرة فحسب، بل إيجاد التآلف والمشاركة والتعاون بين مختلف فئات المجتمع للوصول إلى الأهداف المشتركة. بل قد يوجد نوع من الحوكمة حتى داخل الأسرة؛ كالأب الذي يدبّر شؤون البيت بمشاركة أفراد الأسرة.
واليوم يُستعمل هذا المصطلح أيضاً في مجالات مختلفة؛ كحوكمة الفضاء الافتراضي، والحوكمة في التعليم، والحوكمة الثقافية والفنية، وما شابه ذلك.
ومن اللافت أنّ مفهوم الحوكمة طُرح أوّلاً في حقل الاقتصاد. فقد كان يُظنّ في وقتٍ ما أنّه إذا ازداد الإنتاج ومارس الرأسماليون نشاطاً اقتصادياً أكبر، فستُحلّ المشكلات الاقتصادية؛ لكنّ التجربة أثبتت أنّ الأمر ليس كذلك، بل قد يؤدّي أحياناً إلى تركّز الثروة ونشوء قوى اقتصادية كبرى وتفاوتات حادّة.
ولذلك انتهى المفكّرون الاقتصاديون إلى ضرورة إعادة النظر في بنية الاقتصاد، وأن يشارك جميع الفاعلين الاقتصاديين ـ من العمّال إلى الرأسماليين والخبراء ـ في عملية اتخاذ القرار وتنفيذه. ثم انتقلت هذه الفكرة لاحقاً إلى حقل السياسة أيضاً.
وقد عرّف بعضهم الحوكمة بأنّها مفهومٌ مستحدث لا يتجاوز عمره قرناً، ويُعدّ معادلاً للمصطلح الإنجليزي Governance . وقد تشكّل هذا المفهوم في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان ذا طابع اقتصادي في البداية، ثم امتدّ تدريجياً إلى مختلف الميادين الاجتماعية والسياسية.
ويعرّف البنك الدولي الحوكمة على النحو الآتي: عمليةٌ يكون فيها للناس حقّ إبداء الرأي، ويجب فيها على الحكومات أيضاً أن تكون مسؤولةً أمام السياسات التي تؤثّر في حياة الناس.
وبحسب تعريف آخر، فإنّ الحوكمة عمليةٌ يتحرّك فيها فاعلون مختلفون في نطاق معيّن، وبتوجيه مناسب، نحو تحقيق هدف مشترك متّفق عليه بين أصحاب المصلحة الرسميين وغير الرسميين.
وفي تعريف الحوكمة الإسلامية أيضاً قيل: «عملية التوجيه والقيادة المؤمنة للقدرة في مختلف مستويات المجتمع من
وفي هذا التعريف أيضاً تمّ التأكيد على التفاعل بين المؤسسات والفاعلين وأصحاب المصلحة المختلفين.
وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم، نجد أنّه لا توجد مفردة مباشرة تعادل تماماً مفهوم الحوكمة المعاصر. ولذا ينبغي أن نقترب من هذا المعنى من خلال المفاهيم والتعابير التي وردت في القرآن بشأن النبي.
ففي القرآن، يُعرَّف النبي بعناوين مثل الداعي والهادي والمذكِّر والمبلِّغ والناصح؛ أي الذي يدعو ويهدي ويذكّر. أمّا مفردات مثل السلطان أو الملك أو الحاكم فلم تُستعمل في حقّه.
بل في بعض الآيات أُكّد صراحةً أنّ النبي ليس له تسلّط على الناس:
«لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِمُصَیْطِرٍ»
أو «لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِوَکِیلٍ».
ومع ذلك، فقد تولّى النبي في المدينة قيادة المجتمع عملياً. فقد كان قائداً دينياً، وكان له في الوقت نفسه دور إداري في الميدان الاجتماعي والسياسي؛ فكان قائد الحرب، ويعقد المواثيق الاجتماعية، ويدير شؤون المجتمع.
ومن أهمّ نماذج هذه الإدارة الاجتماعية «صحيفة المدينة» أو «ميثاق المدينة»؛ وهو عهدٌ عُقد بين المسلمين واليهود وسائر سكّان المدينة، وأرسى نوعاً من النظام الاجتماعي المشترك.
وفي هذا الإطار، لم يكن النبي يعتمد في إدارة المجتمع على القوّة والبنى الرسمية للسلطة؛ بل كان يسعى، من خلال إيجاد القناعات الإيمانية والأخلاقية، إلى ترغيب الناس في المشاركة الطوعية في الشؤون الاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، في مسألة الجهاد، لم يكن هناك جيشٌ محترف أو قوّة عسكرية منظّمة. فأهل المدينة الذين كانوا في حياتهم اليومية منشغلين بالزراعة أو تربية المواشي أو التجارة، كانوا يحملون السلاح بدعوة من النبي ويقفون إلى جانبه
وهذا هو ما يمكن عدّه نموذجاً للحوكمة؛ أي استقطاب عامّة الناس لتحقيق هدف مشترك.
ومن أهمّ أدوات النبي لتحقيق ذلك، تعزيز الإيمان بالآخرة والثواب الإلهي. فقد كان المجاهدون يهتمّون بالثواب الإلهي ومكانتهم في الآخرة أكثر من تفكيرهم في غنائم الحرب.
وإلى جانب ذلك، أدّت الأخلاقية وإصلاح المعتقدات الاجتماعية دوراً مهمّاً أيضاً. فقد سعى النبي إلى تحويل العصبيات القبلية إلى شعورٍ بالمسؤولية الاجتماعية، ليعدّ الناس أنفسهم مسؤولين عن مصير المجتمع.
ويمكن ملاحظة نموذج من هذا الأسلوب في الحوكمة في آية «وَشَاوِرْهُمْ فِی الْأَمْرِ»؛ حيث يأمر الله النبيَّ بمشاورة المؤمنين. وقد قال كثير من المفسّرين إنّ هذه المشاورة كانت لاستقطاب المشاركة وتعزيز روح التآزر بين المسلمين.
كما أنّ مشاورة النبي في غزوات مثل أُحد والخندق تدلّ على أنّه كان، لاستقطاب الناس، يسألهم عن آرائهم، بل كان أحياناً يعمل وفقاً لتلك الآراء نفسها.
وخلاصة القول، يمكن القول إنّ حوكمة النبي قامت على استقطاب الناس، وتربيتهم الأخلاقية، وإصلاح معتقداتهم، وإشراكهم في الشؤون العامة. وقد جعل هذا النموذج الناس يشاركون في الشؤون الاجتماعية والدينية لا عن إكراه، بل بدافع داخلي.
أشكركم على اهتمامكم وصبركم، وأرجو أن يشملنا الله جميعاً برحمته وبركته في شهر رمضان المبارك هذا، وأن يردّ كيد الأعداء إلى نحورهم.
والسلام علیکم و رحمه الله و برکاته أجل تحقيق الشأن العام وبلوغ الإنسان السعادة الدنيوية والأخروية.»



التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.