٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

نوعان من الحاكمية في نظام الوجود

إنّ الليالي العظيمة من شهر رمضان المبارك، ولا سيّما العشر الأواخر منه المعروفة بالاعتكاف والدعاء، ترسم لنا أسمى تجلّيات العبودية. فنحمد الله ربّ العالمين ونشكره على أن منّ علينا جميعاً بتوفيق إدراك هذا الشهر، وهذه الليالي، وهذه الأيام، وهذه الساعات والأيام والليالي.

نوعان من الحاكمية في نظام الوجود

 نصّ محاضرة  الأستاذ مرتضى جوادي آملي في مؤسسة فهيم، رمضان 1447

اعوذ بالله من الشیطان الرجیم

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی جمیع الأنبیاء و المرسلین، سیّما خاتمهم و أفضلهم، حبیب إله العالمین، أبی‌القاسم المصطفی محمد، و صلّی الله علی آله الطاهرین، لا سیّما خاتم الأوصیاء، حجّة بن الحسن العسکری، أرواحنا له الفداء.

اللهم ارزقنا إیماناً تباشر به قلوبنا، ویقیناً صادقاً حتی نعلم أنَّه لن یصیبنا إلا ما کتبت لنا، ورضِّنا من العیش بما قسمت لنا، یا أرحم الراحمین.

إنّ الليالي العظيمة من شهر رمضان المبارك، ولا سيّما العشر الأواخر منه المعروفة بالاعتكاف والدعاء، ترسم لنا أسمى تجلّيات العبودية. فنحمد الله ربّ العالمين ونشكره على أن منّ علينا جميعاً بتوفيق إدراك هذا الشهر، وهذه الليالي، وهذه الأيام، وهذه الساعات والأيام والليالي.

لقد اقترن هذا الشهر بالجهاد وامتزج بالشهادة، وخُلِّدت روضة إيران الإسلامية العزيزة في التاريخ في شهر رمضان المبارك من سنة ألف وأربعمائة وسبع وأربعين للهجرة القمرية وألف وأربعمائة وأربع للهجرة الشمسية. إنّ الحركة التي انطلقت على مدى أكثر من أربعين عاماً قد بلغت الآن بعض تجلّياتها، وهو كسر هيبة الاستكبار العالمي والهيمنة العالمية لأمريكا والصهيونية الدولية.

ونأمل أن تستيقظ الأمة الإسلامية؛ وإن كانت تباشير هذه الصحوة وطلائعها قد لاحت في المجتمعات الإسلامية، وإنّ التحرّكات القيّمة والمقتدرة لحزب الله العزيز في لبنان، والمجاهدين والمقاتلين البواسل في العراق واليمن وسائر بقاع العالم الإسلامي، لَتشهد بإشراقة ونور في عالم الإسلام.

إنّ جهود الإمام العزيز، المهندس الكبير للثورة، وقائد الثورة المعظّم، والشهداء الذين أرسوا دعائم المقاومة في هذه المنطقة، قد آتت أُكُلها اليوم، ونحن نشهد الآن براعم هذه المقاومة.

بدايةً نسأل الله تعالى الرحمة والرضوان لشهداء هذه الساحة العظيمة، ولا سيّما شهداء شهر رمضان المبارك، ولجميع من نالوا الشهادة في هذا الطريق. ونطلب المغفرة لهم جميعاً، من الشهداء الذين ارتقوا حديثاً إلى الشهداء الأبرار في أقاصي البلدان الإسلامية. ونرجو قراءة سورة الفاتحة إهداءً لأرواحهم جميعاً.

اللهم صل علی محمد و آل محمد.

 

ومع أنّ من أفضل برامج ليالي شهر رمضان المبارك الحوارات العلمية والمباحثات الفكرية وعرض الآراء في مسائل الإلهيات، إلا أنّه نظراً إلى الظروف التي نمرّ بها هذه الأيام، ونظراً إلى أنّ ليلنا ونهارنا يمضيان في تشييع الأجساد الطاهرة المقطّعة للشهداء، فإنّ الأجواء ليست مهيّأة كثيراً لمثل هذه المباحث.

ومع ذلك، فقد كان هذا البرنامج مُعدّاً منذ ما قبل شهر رمضان المبارك، وكنت قد وعدت في مناسبتين أن أكون في خدمة الحضور الكرام وأن أقدّم ما قد يكون لديّ من مطالب. وقد شاء التقدير الإلهي أن تُعقد هذه الجلسة في هذا الوقت؛ إذ إنّ التقدير الإلهي هو الذي ينظّم الأمور كلّها ويجعلنا بين أنامل تدبيره.

إنّ من أكثر المسائل إثارةً للجدل في نقاشات المجتمع البشري اليوم ـ حتى في المجتمعات الدينية ـ مسألة الحاكمية.

ثمّة نوعان من الحاكمية في نظام الوجود:

1- الحاكمية في نظام التكوين

2- الحاكمية في نظام التشريع

في نظام التكوين، الحقّ سبحانه وتعالى هو مالك الملك. فما خلقه قد خلقه في غاية الإتقان وفي أحسن صورة. وقد بيّن حكماؤنا هذه المسألة تحت عنوان النظام الأحسن للوجود.

إنّ الله ربّ العالمين، وهو في غاية العلم والقدرة والجود والسخاء، إذا خلق شيئاً خلقه في أكمل صورة ممكنة؛ لا يُفرض ما هو أعلى منها. ومن هذه الجهة فإنّ ما يصدر عنه هو أيضاً في أعلى المراتب. «و ما أمرنا إلا واحدة».

إنّ جميع الكثرات التي نراها في العالم هي تجلّيات لتلك الحقيقة الواحدة. فكلّ ما هو موجود في نظام الوجود من الأزل إلى الأبد إنما هو تجلٍّ لتلك الحقيقة الواحدة، وإن ظهر في صور ومظاهر متنوّعة.

وليس الأمر كذلك في الخلق فحسب، بل في التربية والربوبية أيضاً. فمن أصغر ذرّة إلى أكبر المجرّات، الجميع قائمٌ في أحسن نظام للخلق والتدبير: «ربنا الذی أعطی کل شیء خلقه ثم هدی». وعليه، ففي نظام التكوين لا يسع الإنسان إلا أن ينظر بإعجاب ويقول: «ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانک فقنا عذاب النار».

أما في مجال التشريع فالمسألة مختلفة. فأكثر المسائل إثارةً للجدل في نظام الوجود هي الحاكمية التشريعية؛ لأنّ هنا إرادتين:

الإرادة الإلهية

الإرادة الإنسانية

فالإرادة الإلهية تريد أن ترفع الإنسان من مستوى الطبيعة إلى ذروة الملكوت. أما إرادة الإنسان فغالباً ما تسير في طريق اللذّة والمنفعة والمصالح الدنيوية. وهنا بالذات يتشكّل التحدّي. فمنذ زمن هابيل وقابيل إلى اليوم، استمرّ هذا النزاع بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية. وقد أرانا الله ربّ العالمين نموذجاً للجمع بين هاتين الحقيقتين في نظام التكوين: الجمع بين الروح والبدن. فالروح طائرٌ ملكوتي، والبدن كائنٌ مادّي ذو ميول حيوانية. ومع ذلك جمع الله بينهما وقال: «فتبارک الله أحسن الخالقین». لكنّ هذه المسألة نفسها في نظام التشريع أصعب بكثير؛ لأنّ الإنسان ذو أنانية وادّعاء، بل وأحياناً ادّعاءٍ للربوبية؛ وهو ما ظهر في فرعون: «أنا ربکم الأعلی». وبالطبع لم تكن هذه الحالة في فرعون وحده، بل هي موجودة بالقوّة في كلّ إنسان؛ فإذا توفّرت أرضية القدرة فقد تظهر إلى العلن. وعليه، فإنّ المسألة الأساسية في الحاكمية التشريعية هي: كيف يمكن الجمع بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية؟ فإذا تُرك الإنسان من دون هداية الوحي، كانت النتيجة ما نراه في العالم اليوم: الاستكبار والاستعمار والاستغلال والهيمنة. وتتحوّل حقوق الإنسان إلى شعار، بل تبقى المنظّمات الدولية نفسها عاجزة أمام القوى المهيمنة.

إنّ غاية التشريع الإلهي أن يرتقي الإنسان من مستوى الطبيعة إلى ذروة الملكوت. أما الإنسان فغالباً ما يريد أن يبقى في الدنيا، وأن يتلذّذ ويطلب المنفعة. ومن هنا تنشأ مسألة الإنسان بوصفه مشروعاً غير مكتمل. فالله يريد أن يوصل الإنسان إلى الكمال، لكنّ الإنسان يقاوم هذا الطريق. والحلّ لهذه المسألة في تعاليمنا الدينية هو نظام الإمامة والأمّة.

قال النبيّ الأكرم:«من مات و لم یعرف إمام زمانه مات میتة جاهلیة». ويقول سماحة آية الله جوادي آملي في هذا المجال: الجهل شيء، والجهالة شيء آخر، والجاهلية شيء ثالث. والذي يرفع الجاهلية هو نظام الإمامة والأمّة. ففي هذا النظام تندكّ إرادة الإنسان في الإرادة الإلهية؛ لا بمعنى أنها تزول، بل بمعنى أنها تُهضَم فيها وتُوجَّه.

لقد تشكّلت في العالم الحديث بنى حكومية مختلفة: النظام البرلماني، والفصل بين السلطات، والجمهورية، والحقوق المدنية وأمثال ذلك. وهذه من منجزات الحضارة الحديثة ولا يمكن تجاهلها. لكنّ المسألة هي: كيف يمكن المواءمة بين هذه البنى ونظام الإمامة والأمّة؟ لقد حاولنا في الجمهورية الإسلامية القيام بنوع من المحاكاة؛ بحيث تؤدّي الجمهورية دور الأمّة، وتؤدّي الإسلامية دور الإمام. لكنّ السؤال الأساسي هو: هل تشكّل هذا التركيب على النحو الصحيح؟ وهل ثنائية المشروعية والمقبولية صحيحة من الأساس؟

هل يمكن لما لا يكون مقبولاً لدى الناس أن يكون مشروعاً؟

هذه أسئلة جادّة ينبغي التأمّل فيها.

كما ينبغي أن تخضع بنية الحكومة الإسلامية لمراجعة جادّة. فالروابط والصلات بين أجزاء الحكومة يجب أن تكون دقيقة ومنطقية؛ كهيكل البناء الذي إن لم تكن وصلاته سليمة لم يكن للبناء استحكام.

إنّ مسائل من قبيل الفصل بين السلطات، ودور مجلس صيانة الدستور، والنسبة بين التشريع والتنفيذ، ومسائل كثيرة أخرى، تحتاج إلى دراسة معمّقة. والذي يمكن أن يفتح الطريق هو نظام الإمامة والأمّة نفسه الذي هو من عطاء الأنبياء الإلهيين. ففي عصر حضور الإمام المعصوم ثمّة عنصران أساسيان:

العلم المعصوم

العدالة المعصومة

أما في عصر الغيبة فإنّ هذين العنصرين ليسا في متناولنا بصورة كاملة، وهذا ما يجعل المهمّة أصعب. ولهذا السبب يلزم أن تفكّر الحوزة والجامعة، بجهد علمي واسع، أكثر في بنية الحاكمية الإسلامية. وفي الختام أتقدّم بخالص الشكر إلى جميع الأفاضل الذين هيّأوا هذه الفرصة، ولا سيّما الإخوة الأعزّاء في مؤسسة فهيم، والأساتذة والفضلاء الكرام الذين تفضّلوا بالحضور. وأرجو أن يتقبّل الله تعالى هذه الجهود وأن يوفّقنا جميعاً في طريق خدمة الإسلام.

وفي الختام نسأل الله مرّة أخرى الرحمة للشهداء، ولكبار شخصيات هذا النظام، ولجميع من بذلوا أرواحهم في هذا الطريق. ونأمل أن يجعلنا الله شركاء في ثواب هذه الحركة العظيمة.

أشكركم جميعاً.

والسلام علیکم و رحمة الله و برکاته.

 

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

حوكمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المجال العام على ضوء آيات القرآن

في هذه الفرصة القصيرة، أطرح موضوعاً بعنوان «حوكمة رسول الله في المجال العام على ضوء آيات القرآن الكريم». وسأسعى في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان ـ شهر القرآن وكلام الله ـ إلى أن أشارككم نكتةً قرآنية.

١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨

مقدمة وتأمّل في سورة العصر

سورة العصر المباركة من السور المكية، وقد حظيت في القرون الإسلامية الأولى باهتمام المفسّرين أكثر بكثير مما حظيت به في القرون اللاحقة؛ فهم لِما كانوا يتنفّسون في أجواء نزول الآيات، ربما أدركوا حقائق باتت اليوم بعيدة عن متناول فهمنا.

١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨

فلسفة الأحكام: تأمّل في الروايات الرضوية في كتاب علل الشرائع

أتقدّم بالتعزية بمناسبة أيام المصيبة والعزاء على أهل بيت الرسالة: رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وشهادة الإمام المجتبى (عليه السلام)، وهذه الليالي التي هي ليالي شهادة وليّ نعمتنا الإمام الرضا (عليه السلام). قال اليوم أحد الأعزاء في مكانٍ ما على المنبر إن الأكابر قد أوصوا بأن يُقتصر في هذه الأيام على قراءة المجالس الحسينية (الروضة)، وأن يُترك الكلام لأوقات أخرى. غير أنه يبدو أنهم دعوني خطأً! لأنني إن أردت العمل بمبنى ذلك السيد، فغاية ما أستطيعه أن أُثقل عليكم قليلاً ببعض الأحاديث والمباحث الحوزوية من هذا القبيل. وأعتذر سلفاً من جميع الأساتذة والحضور الكرام، وأرجو أن يُجري الله تعالى على ذهني ولساني كلاماً نافعاً.

١٣ جمادى الأولى ١٤٤٨