بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
أفادت العلاقات العامة في مؤسسة فهيم البحثية الثقافية بأنّ الجلسة الثامنة والثلاثين بعد الأربعمائة من سلسلة جلسات التنظير في مؤسسة فهيم، تحت عنوان «منهج فهم النصوص الدينية على أساس مسلك الاضطرار»، قد عُقدت يوم الخميس الثامن عشر من شهر دي 1404، بحضور جمع من أساتذة الحوزة والجامعة والباحثين الحوزويين، بمحاضرة وعرضٍ قدّمه آية الله محمد عندليب الهمداني، أحد الأساتذة البارزين في الحوزة العلمية بقم. وفيما يلي النص الكامل لمحاضرة الأستاذ عندليب:
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بارِئِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا وَسَيِّدِ أَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ، أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَىٰ مُحَمَّدٍ، وَعَلَىٰ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمَعْصُومِينَ الْمُكَرَّمِينَ، سِيَّمَا بَقِيَّةِ اللهِ الْمُنْتَظَرِ، رُوحِي وَأَرْوَاحُ الْعَالَمِينَ لَهُ الْفِدَاءُ.
السلام عليكم ورحمة الله. في البداية أتقدّم بخالص الشكر إلى الأعزاء الذين أقاموا هذه الجلسة العلمية.
إنّ ما طُرح موضوعًا للبحث هو دراسة نظرية ليست «انفتاحًا» بالمصطلح الأصولي، ولا «انسدادًا». ومع أنّ لها وجوه شبه بكلا المسلكين، فإنّ لها أيضًا مزايا خاصة بها. وسيتّضح في أثناء البحث لماذا سُمّيت هذه النظرية «الاستنباط الاضطراري».
أما الأسس المهمة التي تقوم عليها هذه النظرية فهي على نحو الإجمال كما يلي. الأول: أنّنا بوصفنا مسلمين نرى من الواجب علينا أن نفهم نصّ القرآن والروايات بقدر الوسع. فلزوم فهم القرآن والسنة، ولزوم مراعاة التكاليف التي وضعها الدين على عاتقنا، أمرٌ واضح. فإذا قال تعالى: «يَتَفَقَّهُونَ»، فمن المعلوم أنّ هذا التفقّه ليس مجرّد العلم بالأحكام، وإن كان يشمل العلم بالأحكام أيضًا. فالتفقّه تفقّهٌ في مجموع الدين؛ وذلك بطبيعة الحال في حدود الوسع، ومع مراعاة التخصّصات اللازمة في هذا المجال.
الثاني: أنّ التفقّه في الدين يعني الوصول إلى العلم بالأحكام والأوامر، بحيث نتمكّن أولًا من نسبة النتيجة إلى الله تعالى، ونمتلك ثانيًا الحجّة في مقام العمل.
الثالث: أنّ وظيفتنا في الفقه بالمعنى الخاص للكلمة هي العلم ما أمكن، والرجوع إلى أصل البراءة إنما يكون حيث لا يتيسّر هذا العلم.
الرابع: أنّ الاحتياط التامّ يوجب اختلال النظام، أو يوجب على الأقلّ العسر والحرج.
الخامس: أنّ مقصودنا من «العلم» ليس اليقين المنطقي الفلسفي والرياضي، بل المراد العلم العرفي؛ العلم القرآني. يقول القرآن: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ». وهذا «العلم» قد نعبّر عنه أحيانًا بالاطمئنان، ولكنّه علم. أمّا ذلك العلم المنطقي الخاص فهو، بتعبير المحقّق الخوئي رضوان الله تعالى عليه، «عَزِيزُ الْوُجُود»، ولا سيّما في الفروع. فلا يمكن ادّعاء العلم المنطقي بنسبة مائة في المائة، ولا حاجة إليه أساسًا.

السادس: أنّ كلّ علم بهذا المعنى، إذا حصل للإنسان من الطرق العقلائية والعقلية غير الممنوعة من قِبَل الشرع، فهو صالح للاستناد في نسبة النتيجة إلى الله تعالى، وله في مقام العمل المنجّزية والمعذّرية.
السابع: أنّ «تجميع الشواهد والقرائن» من الطرق العقلائية، وليس فقط لم يرد عنه ردعٌ ومنعٌ شرعي، بل هناك موارد متعدّدة بيّن فيها الشارع هذا الأسلوب نفسه، وأفتى الفقهاء على طبقه.
الثامن: أنّ هناك تحدّيات جادّة ونواقص كمّية وكيفية في طريق فهم النصوص الدينية، سواء في الفقه الاصطلاحي أو في الفقه بالمعنى العام للكلمة. وهذه التحدّيات بعينها هي التي جعلتنا نقول بالتفاوت بين «الدين النازل» و«الدين الموجود»؛ وبين «الشريعة النازلة» و«الشريعة الموجودة».
إنّ مسلك الاضطرار يسعى إلى بيان طرق الخروج الاضطرارية في عصر الغيبة، الذي هو عصر شدّة المحنة، وذروة الحيرة، ونهاية المرارة والمشقّة والاضطرار للشيعة. وإذا سمّينا هذا المسلك «الاضطرار»، فليس المراد الاضطرار المقابل للإكراه والذي هو من سنخ الأحكام الثانوية؛ ليس هذا هو المقصود. بل المقصود كسر الطرق المسدودة القائمة في طريق فهم النصوص الدينية، بالاستفادة من جميع الرصيد المتاح لنا: الرصيد العقلائي، والعقلي، والنقلي، وآراء أهل النظر، والقرائن والشواهد الأخرى.
وأصرّح بأنّ المقصود هو العلم والاطمئنان الحاصلان من الطرق العقلية والعقلائية، لا المنتسبان إلى المنام والخيال والخرافة؛ بل حتى لو حصل للإنسان يقينٌ من طريق غير عقلائي، فإنه لا حجّية له. وصاحب الجواهر أعلى الله مقامه يشكو في موارد متعدّدة من «الجواهر» من وجود الخرافة في الفقه. فتارةً نقول ذلك نحن، وتارةً يقوله صاحب الجواهر. ومن أمثلة ذلك قوله: «أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ».
وهذا المنهج الاضطراري يُظهر نفسه في فهم النصوص الدينية، قرآنًا وروايةً، وفي مسائل التاريخ الإسلامي، ولا سيّما تاريخ المعصومين عليهم السلام، وفي تطبيق الأحكام أيضًا. وبطبيعة الحال، فإنّ هذه الساحات الأخرى ليست الآن محلّ بحثي، بل إنّ تأكيدي منصبٌّ أكثر على مدى تأثير هذا المسلك في فهم النصوص الدينية.
كان هذا هو المطلب الأول: عرضٌ موجز وإجمالي للأصول الأساسية للنظرية.
أما المطلب الثاني: فإنّنا نؤكّد على لزوم التفكيك بين الدين النازل وما نعرفه الآن باسم الدين؛ وبين الفقه النازل وما نعرفه الآن باسم الفقه. فالفقه النازل هو ما كان في القلب المقدّس للرسول الخاتم وأئمة الهدى عليهم السلام؛ أي عين الواقع. فبأيّ بيانٍ أُثبت هذا التفاوت؟
الأول: تُقدَّم أدلّة على أنّ قسمًا كبيرًا من تراثنا الروائي قد ضاع من أيدينا، بتصريح الأعلام. الثاني: أنّ في التراث الموجود نواقص كيفية: النقل بالمعنى، والنقل بالمضمون، والتقطيع، والتصحيف، والتصحيح القياسي في النسخ، وضياع القرائن، بل والجعل أيضًا. وهذه كلّها تُظهر بوضوح تفاوت الدين النازل عن الدين الموجود. الثالث: أنّ اختلاف فتاوى الفقهاء بنفسه يدلّ على أنّنا، بمعنىً ما، أمام «شريعتين»؛ وإلّا لما كان للاختلاف بهذه الصورة معنى. حتى إنّ المرحوم الفيض الكاشاني رضوان الله عليه ينقل في «سفينة النجاة» أنّ في بعض الفروع ما يصل إلى ثلاثين رأيًا. الرابع: أنّنا بحقّ «مخطِّئة» ولا نقول بالتصويب. وكوننا مخطِّئة يعني احتمال الخطأ؛ أي وجود فاصلة بين ما هو كائن وما وصلنا إليه. الخامس: أنّ مباحث الأصوليين في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي شاهدٌ بنفسها على الاختلاف والتعقيد في هذا الميدان. السادس: أنّ أساس الرجوع إلى الأصول العملية هو أنّ أيدينا قاصرة عن الواقع. السابع: تحاشي كثير من الأعلام في رسائلهم العملية عن الفتوى الصريحة، بتعابير مثل: «عَلَى الْأَصَحِّ»، «عَلَى الْأَشْبَهِ»، «فِيهِ تَرَدُّدٌ»، «فِيهِ إِشْكَالٌ». وهذه تُظهر أنّ الأمور ليست كلّها مستوية ومتّسقة. وكذلك الفرق بين «النصّ» و«الظاهر»، بل الفرق بين «الظهور» و«الاستظهار»، وسأوضّحه لاحقًا.
المطلب الثالث: لزوم التفكيك بين القوانين البشرية المدوّنة والتراث الروائي. ففي الأصول يُضرب المثل أحيانًا بـ«مثل القانون»، ولكنّ ذلك لمجرّد التقريب إلى الذهن. فكتاب القانون يختلف عن مجموعة رواياتنا.

فالقانون يكون عادةً مكتوبًا ومحدّدًا من البداية. أمّا رواياتنا، ما عدا المكاتبات، فقد كانت غالبًا سنّةً شفهية دُوّنت فيما بعد. بل حتى في المكاتبات هناك بحث، واحتمال التقية في المكاتبات قد يكون أحيانًا أكبر منه في غير المكاتبات.
وكذلك فإنّ أقسامًا كبيرة من رواياتنا ليست في أيدينا، في حين أنّ الأمر في القانون ليس كذلك. ومشكلات النسخ، والتصحيحات القياسية والاجتهادية، والإدراج، وأمثال ذلك، لا تُرى في القوانين البشرية المدوّنة.
ومن جهة أخرى، فإنّ تقسيم الروايات إلى «تعليميات» و«فتويات»، الذي طُرح عن المرحوم الحاج ميرزا مهدي الأصفهاني، ثمّ في بعض التقريرات حتى عن السيد السيستاني، لا مكان له في نظام التقنين البشري.
إنّ كثرة القرائن المنفصلة، ووجود النقل بالمعنى والنقل بالمضمون، ووجود الأحكام الولائية، بل والنسخ غير الظاهر، كلّها أمور تفصل سنخ الرواية عن القانون. فلا بدّ إذن من التفريق بينها.
المطلب الرابع: لزوم التفكيك في فهم النصوص بين النصوص العادية والنصّ الديني. ففي فهم النصوص العربية العادية، وكذلك في سائر اللغات، يكفي أن تراعي المنطق العام للحوار والمنطق الخاص للغة العربية: الظواهر، ثمّ الكناية والاستعارة والمبالغة والمجاز وأمثالها. فقد يفهم الإنسان النصّ العربي، بل ويرجع إلى المعاجم.
أمّا في النصّ الديني، قرآنًا كان أو روايات، فيلزم منطقٌ آخر أيضًا. ففي القرآن تُطرح البطون والطبقات المتعدّدة للمعنى. وفي الروايات توجد المعاريض. وقد ورد في الروايات: «لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ فَقِيهًا حَتَّىٰ يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا». فالإشارات، والتورية، والتقية، أمور ينبغي للفقيه أن يكون عارفًا بها. هذا فهمي، وهذا القسم الأخير قريبٌ أيضًا من بيانٍ منقول عن سماحة السيد السيستاني في «عِلَلِ اخْتِلَافِ الْحَدِيث».
المطلب الخامس، وهو أساسي جدًّا عندي: التفكيك بين ما ورد في القرآن باسم «العلم» و«القطع الفلسفي والمنطقي». ففي كتب الأصول، وعادةً في مبحث القطع، يؤخذ القطع بمعنى القطع الفلسفي بنسبة مائة في المائة، ويُسمّى ما دونه ظنًّا، ثمّ يُتمسَّك بالآيات الناهية عن الظنّ، في حين أنّ هذا محلّ مناقشة.
فلا «العلم» القرآني مختصّ بالعلم المنطقي، ولا «الظنّ» القرآني بمعنى الظنّ المنطقي. بل إنّ الظنّ القرآني ناظرٌ غالبًا إلى الأوهام الجاهلية؛ أي الأمور التي لا جذر عقليًّا ولا عقلائيًّا لها، مثل النسب الباطلة إلى الله تعالى. ومن الجهة الأخرى، إذا حصل لأحدٍ «قطعٌ بنسبة مائة في المائة»، ولكن من طريق غير عقلائي كالمنام والمكاشفة والخرافة، فإنّ القرآن لا يضع هذا أيضًا في دائرة الحجّة.
إنّ المهمّ هو سلوك طريقٍ عقلي وعقلائي وغير ممنوع شرعًا. وقد قال بهذا جماعة، ولسماحة السيد السيستاني أيضًا توضيح مفصّل في بحث خبر الواحد وفي التعادل والتراجيح.
أصل إلى المطلب السادس: من الأركان المهمّة لنظرية الاضطرار النقصانُ الكمّي للتراث الروائي الموجود قياسًا إلى التراث الصادر. وسأذكر شواهد على ذلك.

للمرحوم الوحيد البهبهاني تصريحات في «الرسائل الأصولية». ويقول الشيخ الأعظم في الرسائل: «لَا يَبْعُدُ دَعْوَى الْعِلْمِ بِأَنَّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْقَرَائِنِ أَكْثَرُ مِمَّا ظَفِرْنَا بِهِ»؛ أي إنّ ما ضاع من أيدينا من الأخبار والقرائن أكثر ممّا وصل إلينا. ويقول الشيخ أيضًا في موضعٍ آخر إنّ ضياع بعض الروايات هو منشأ قسمٍ من التعارضات الحالية.
والنجاشي في تراجم بعض الرواة يتحدّث عن الحجم الهائل للروايات المنقولة. فيُنقل عن محمد بن مسلم أنّه كان لديه ثلاثون ألف حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، وستة عشر ألفًا عن الإمام الصادق عليه السلام.
والنجاشي نفسه يقول في مقدّمة رجاله إنّ كتابه ليس كاملًا، لأنّ كثيرًا من الكتب لم تكن بين يديه ليفهرسها. والشيخ الطوسي يصرّح في مقدّمة الفهرست بأنّه لا يستطيع تقديم فهرست لجميع كتب الشيعة، لأنّ المؤلّفين والكتب متفرّقون في البلاد، وكثير منها لم يصل إليه أصلًا.
ومن جهة أخرى، نصادف في فهرست الشيخ ورجال النجاشي كتبًا ذُكرت أسماؤها، لكن من الواضح أنّها لم تكن متاحة لهم كاملةً حتى في ذلك الزمان، أو لم يكن لهم وصولٌ إلى جميع نسخها. بل إنّ نقل النجاشي عن ابن عقدة بشأن بعض الكتب التي لم يرها شاهدٌ على هذا المعنى نفسه.
ومثال آخر: يقول الشيخ الطوسي في ترجمة الشيخ الصدوق في الفهرست إنّ له كتابًا باسم «مدينة العلم» كان أكبر من «مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ». ويبدو أنّه كان موجودًا حتى زمان والد الشيخ البهائي، ثمّ ضاع. وقد بذل العلامة المجلسي جهدًا كبيرًا ولم يعثر عليه.
والشيخ نفسه يقول في مقدّمة التهذيب إنّ غرضه لم يكن جمع جميع روايات الشيعة، بل إيراد الروايات التي يُرى فيها التعارض من أجل رفعه، وقد وعد بأن يكتب كتابًا يجمع أكثر الروايات.
المطلب السابع: شواهد النقصان الكيفي. مثل الاختلافات الناشئة عن تقطيع الأخبار، والنقل بالمعنى، وضياع القرائن المتّصلة، والتصحيفات، وكذلك اختلاف عُرف الأصحاب عن عُرفنا، والتقية أيضًا. وللمرحوم السيد اليزدي أيضًا في شرح الرسائل تعابير تُظهر هذا النقصان الكيفي.
المطلب الثامن: تحدّيات البحث السندي. اسمحوا لي أوّلًا أن أقرأ عبارةً لشيخ الطائفة في «العُدّة» لنعرف قدر التراث الرجالي أيضًا، ولا نظنّ أنّه عديم القيمة. فالشيخ الطوسي يُبيّن بصراحة أنّ قدماءنا لم يكونوا أهل تسامح في التوثيق والتضعيف. فلهم تعابير من قبيل: فلانٌ متّهم، فلانٌ كذّاب، فلانٌ غالٍ، فلانٌ مخالف، فلانٌ واقفي، فلانٌ فطحي. ويُستفاد من هذه العبارات أنّ العمل الرجالي كان عندهم أمرًا جادًّا.
فالتراث الرجالي الشيعي من أنفس تراث الرجال الإسلامي بلا ريب. ولكنّ بحثنا هو: هل يمكن الاعتماد عليه بنسبة مائة في المائة أم لا؟ أمّا بوصفه «دليلًا» فربّما لا، وأمّا بوصفه «شاهدًا وقرينة» فهو بلا شكّ جديرٌ بالاعتناء.
ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن نتصوّر أنّ جميع هذه النقول حسّية محضة بسندٍ متّصل. فالنجاشي والشيخ لا يذكران السند دائمًا. ولذلك، بتعبير أهل الفنّ، هناك «انسداد صغير» في الرجال. وهذا لا يعني ترك علم الرجال، بل يعني أن ننظر بدقّة أكبر، ونستعين بقرائن أخرى أيضًا، ولا نكتفي في معرفة الأسانيد بمعيارٍ واحد.

وهنا أقول إنّ العمل صعب. فأن نفتح رجال السيد الخوئي فحسب ونقول «موثَّق» أو «غير موثَّق»، ليس عملًا علميًّا كاملًا. فمعرفة النسخ لازمة، ومعرفة الأسانيد لازمة، ومعرفة الروايات لازمة، ودراسة مجموع روايات الراوي لازمة لكي نقترب من فضائه الفكري. ثمّ نضع القرائن بعضها إلى جانب بعض، وحيث يكون موضعٌ للتأمّل نتقدّم بالاحتياط العلمي.
المطلب التاسع: نقد المتن. يُتخيَّل أحيانًا أنّ «نقد المتن» مصطلح جديد ووافد، في حين أنّ السيد المرتضى نفسه استعمل عين عبارة «نقد المتن»، وقد نقد أعلامنا الروايات عمليًّا من حيث المضمون، مثل صاحب الحدائق، وصاحب الجواهر، والمرحوم الوحيد البهبهاني. بل إنّ روايات صحيحة السند قد طُرحت أحيانًا بسبب إشكال في مضمونها.
ولنقد المتن في مسلك الاضطرار دافعان: تمييز الحجّة عن اللاحجّة، وترجيح حجّةٍ على أخرى في موارد التعادل والتزاحم. فيجب أن تُعرض الرواية على القرآن والسنّة القطعية، وكذلك على روح الشريعة وأهدافها العالية. وهذا البحث بطبيعة الحال يحتاج إلى تفصيل.
المطلب العاشر: الفرق بين «الظهور» و«الاستظهار». فالظهور هو ما يفهمه العرف العام من الكلام. أمّا الاستظهار فهو أن يصل الفقيه، بترتيب القرائن والشواهد، إلى المراد الجدّي. وفي القرآن الكريم يجب أن تُلاحَظ جميعًا: الكلمات، والسياق، والمنطق الخاص للقرآن وبطونه، وتفسير القرآن بالقرآن، والروايات المرتبطة بالدلالة المطابقية والالتزامية. ولا تُطرح إلّا الروايات التي يكون جعلها مسلَّمًا عندنا؛ وإلّا فإنّ سائر الروايات لها «درجة» وتأخذ مكانها في منظومة القرائن. ثمّ تُلاحَظ أقوال المفسّرين أيضًا.
المطلب الحادي عشر: مكانة العقل. لقد أوردتُ هنا عبارات للأعلام حول قيمة العقل، وأين يلجأ الفقيه إلى العقل. فمثلًا يقول صاحب الجواهر في موضعٍ ما يقرب من هذا المضمون: إنّ مذاق الشريعة لا ينسجم مع ما تنفر منه العقول السليمة بوضوح. وليس المقصود العقل الفردي الخام، بل العقول السليمة والجمعية.
للعقل مكانة في الاستنباط الاضطراري؛ وإن كان نطاقه في الأمور الإمضائية أوسع منه في الأمور التأسيسية والعبادية. وقد قسّمتُ العقل أيضًا في طرح هذا الرأي: العقل البرهاني، والعقل العلمي، والعقل الأصولي، والعقل الفقهي، والعقل الجمعي؛ وأرى مجموع ذلك «التعقّل الفقيهي» الذي ينبغي للفقيه أن يتوجّه به إلى التفقّه في الدين.
وفي الختام أقول: إنّ ميزة نظرية الاستنباط الاضطراري أنّها لا تجعل كلّ رواية أصلًا في القبول كالإخبارية المفرطة، ولا تبيع التراث الروائي بأبخس الأثمان كما يفعل بعضهم. وقد قلتُ صراحةً مرارًا: إنّ الاستنباط في الفقه لا يتيسّر من دون الرجوع إلى المصادر الحديثية الواسعة. والقول بأنّ «أكثر الروايات ضعيفة السند فلتُطرح» ليس قولًا صحيحًا. فالروايات إمّا معتبرة، وإمّا مجعولة، وإمّا يُردّ علمها إلى أهله. والرواية الضعيفة السند لها «درجة» أيضًا. وتجميع القرائن ليس «دليلًا منفردًا»، ولكنّه إذا رُتّب بعضه إلى جانب بعض أمكن أن يفتح الطريق.
ما أريد قوله هو أنّنا إذا أردنا أن نقدّم منهجًا يتناسب مع الواقع الراهن، فلا مناص لنا من الوصول إلى تجميع الشواهد، والنظرة المجموعية، وإعطاء الدرجات. لا إفراط في الردّ، ولا إفراط في القبول.
وفي الختام أعتذر إن أطلت؛ وقد حذفتُ كثيرًا لكي يكون البحث مختصرًا. وكلّ فخري أنّي قارئ عزاء وابنُ قارئ عزاء. والليلة، وهي ليلة الجمعة من شهر رجب، أتقدّم بالسلام على سيّد الشهداء عليه السلام:
اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ. عَلَيْكَ مِنِّي سَلَامُ اللهِ أَبَدًا مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكَ. اَلسَّلَامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلَى أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.