محاضرة الدكتور محمد رضا يوسفي
الحمدُ للهِ ربِّ العالمین، و الصلوةُ و السلامُ علی سیدِ الأنبیاء و المرسلین، ابیالقاسم محمد، و علی آله الطیبین الطاهرین، و اللعنُ الدائمُ علی أعدائهم أجمعین.
في الأيام التي نعيشها، نشهد مع الأسف هجومًا إجراميًّا على بلدنا، وفي الأيام الأولى منه استُشهد القائد. وإن شاء الله تبوء بالفشل جميع الأهداف المشؤومة التي كان الأعداء يضمرونها، ويخرج بلدنا مرفوع الرأس من هذه الورطة التي أُوجدت. ولأجل سرور أرواح جميع الراحلين، ولا سيّما قائد الثورة الشهيد، تفضّلوا بقراءة سورة الفاتحة.
إنّ الموضوع الذي نتشرّف بطرحه في خدمة السادة الأفاضل في هذه الجلسات هو «مكافحة الفساد من منظور أمير المؤمنين عليه السلام». وفي الجلسة السابقة عرضنا بعض المسائل على المستوى الكلّي؛ ومنها: متى طُرح بحث «الحكم الرشيد» في العالم المعاصر، وما هي خصائص هذا المفهوم. وتقرّر أن نتحدّث في هذه الجلسة بشكل محدّد عن أسلوب أمير المؤمنين عليه السلام في مكافحة ظاهرة الفساد في حكومته.
في عالم اليوم، كما في كثير من المجتمعات السابقة، تُعدّ مسألة الفساد ومكافحته من أهمّ مسائل الحكم. واستنادًا إلى التجارب التي اكتُسبت في العالم المعاصر، طُرحت مجموعة من المقترحات والتعليمات لمواجهة الفساد. وإذا أردنا بيان هذا الموضوع باختصار، فإنّ مكافحة الفساد تُطرح عادةً في ثلاث مراحل:

الأولى «الوقاية»، والثانية «الشفافية والرقابة»، والثالثة «الردع والعقوبة»
في مرحلة الوقاية، تُطرح سياسات تقلّل من أرضية الفساد. ومن أهمّ هذه الموارد «سيادة القانون» وضمان المساواة في المجتمع. وسيادة القانون تعني أن يكون سلوك الحكومة ومؤسّساتها قابلًا للتنبّؤ؛ بحيث يعرف الفاعلون الاقتصاديون والناس ما هي القوانين والأنظمة، ولا يواجَهون فجأةً بقرارات متقلّبة وغير قابلة للتنبّؤ.
ومن الموضوعات المهمّة الأخرى في الوقاية من الفساد «إزالة الاحتكار» في ميدانَي السياسة والاقتصاد؛ لأنّ الاحتكار يهيّئ الأرضية للريع والفساد.
والمسألة الثالثة هي إيجاد أنظمة معلوماتية وإلكترونية شفّافة. ففي عالم اليوم هناك تأكيد كبير على المنظومات المعلوماتية الشفّافة. بل وفي بلدنا أيضًا كانت هناك تجارب من هذا القبيل. فعلى سبيل المثال، في عام ۱۳۹۴، حين كان موضوع تهريب السلع والعملة مطروحًا، وكان يُقدَّر أنّ هناك نحو عشرين مليار دولار من التهريب في البلاد، انخفض نحو خمسة مليارات دولار من هذا التهريب بإطلاق بعض المنظومات الإلكترونية في المنافذ الحدودية. وهذا يُظهر إلى أيّ مدى يمكن للشفافية المعلوماتية أن تقلّل من أرضية الفساد.

ومن عوامل الوقاية الأخرى «نظام الجدارة» في اختيار العاملين وتوظيفهم. فإذا وُضع أجدر الأفراد في مواقع المسؤولية، اتُّخذت قرارات أكثر عقلانية وتخصّصًا، وقلّت أرضية الفساد.
المرحلة الثانية هي «الشفافية والرقابة». وفي هذا القسم تكتسب الشفافية في الموارد المالية أهمّية بالغة. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يكون واضحًا من أين تأتي الموارد المالية لمرشّحٍ في الانتخابات. وكذلك ينبغي أن تكون طريقة تخصيص الميزانيات الحكومية واضحة تمامًا وقابلة للتتبّع.
ومن المسائل المهمّة الأخرى في هذا المجال «تضارب المصالح». ففي كثير من الأنظمة قد يكون الشخص منفّذًا ورقيبًا في آنٍ واحد؛ وفي مثل هذه الحالة يزداد احتمال الفساد كثيرًا. ولذلك ينبغي تصميم آليات للحيلولة دون تضارب المصالح.
ومن الخصائص المهمّة الأخرى لحكومة أمير المؤمنين عليه السلام «نزاهة الحاكم نفسه». فقد تنازل عليه السلام حتى عن حقّه القانوني في تلقّي نصيبٍ من بيت المال، وعاش حياةً بسيطة. وكان يتعامل بالصرامة نفسها مع المقرّبين منه؛ كما في قضية أخيه عقيل، إذ لم يرضَ أن يعطيه ذرّةً من بيت المال بغير حقّ.
وفي حكومة أمير المؤمنين كان اختيار العمّال على أساس الجدارة. وقد أُكّد مرارًا في خطب نهج البلاغة ورسائله على أنّه يجب أن يُوضع في مواقع المسؤولية أهلُ العلم والتقوى والتجربة.

وإلى جانب هذه المسألة، كانت الرقابة على العمّال جادّة جدًّا. فقد كان عليه السلام يكلّف أشخاصًا، علنًا وسرًّا، بمراقبة أداء المسؤولين، ويدرس تقاريرهم.
ومن جهة أخرى، إذا ثبت الفساد كان التعامل معه حازمًا جدًّا. فأمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يستردّ الأموال غير المشروعة فحسب، بل كان يعاقب المخالف أيضًا ليعتبر الآخرون.
ومجموع هذه المبادئ—أي الجدارة، والشفافية، والرقابة، والتعامل الحازم مع الفساد—هي نفس المبادئ التي تُطرح اليوم في أدبيات الحكم الرشيد.
والفرق هو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يؤكّد، إضافةً إلى هذه، على مسألة الأخلاق والأمانة والمسؤولية الإلهية للحكّام.

وإذا طُبّقت هذه المبادئ تطبيقًا صحيحًا في أيّ مجتمع، أمكنها أن تهيّئ الأرضية لتقليل الفساد وتشكّل حكمٍ سليم.
كذلك فإنّ وجود مؤسّسات رقابية مستقلّة وفاعلة، وسلطة قضائية مستقلّة، من أهمّ عوامل مواجهة الفساد. وإلى جانب ذلك، فإنّ حماية المبلّغين عن الفساد ذات أهمّية كبيرة أيضًا. ففي كثير من البلدان، إذا أبلغ شخصٌ عن فساد وكان بلاغه صحيحًا، يُمنح نسبةً مئوية من المبلغ المكتشَف، لكي يُشجَّع الناس على كشف الفساد.
وفي المرحلة الثالثة يُطرح بحث «الردع والعقوبة»؛ أي إنّه إذا وقع الفساد، وجب التعامل معه بحزمٍ وفاعلية.
والآن إذا نظرنا إلى سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، نرى أنّه طبّق في حكومته هذه المبادئ نفسها بدقّة؛ مع فارقٍ هو أنّه طرح، إضافةً إليها، مبدأً مهمًّا آخر، وهو «النظرة الأمانية إلى الحكم».
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في كتابٍ إلى الأشعث بن قيس: إنّ هذه السلطة التي في يدك ليست طُعمة، بل هي أمانة في عنقك. أي إنّ الحاكم لا ينبغي أن يرى الحكم ملكًا شخصيًّا له، بل ينبغي أن يرى نفسه أمينًا على الناس.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.