أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.
قبل كلّ شيء، نشكر الله تعالى على أنّه في ظروف الأزمة وفي ظروف الحرب قد حُسم أمر القيادة الثالثة من قِبَل مجلس خبراء القيادة. وكما يُطرح في الفضاء الافتراضي والتلفزيون ووسائل الإعلام الأجنبية، فقد عُدّ هذا الاختيار تقدّماً في مواجهة العدو. ونأمل أن يمنّ الله تعالى على القائد الثالث للجمهورية الإسلامية بعنايته وتوفيقه، ليوفَّق في طريق إصلاح شؤون المجتمع، ومجابهة العدو، والانتصار على الأعداء، وإيجاد الوفاق والوحدة والتآلف الحقيقي، وكذلك في كسب رضا جميع شرائح المجتمع الإسلامي. كما نأمل أن تُتّخذ، مع شباب القائد الثالث، خطوات أوسع نحو تحقيق الرضا العام للناس وتنمية المجتمع الإسلامي وتقدّمه.
كان بحثنا حول تعاليم الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، والآن ننتقل إلى القسم التالي من هذه التعاليم، وموضوعه «المشورة». يوصي الإمام (عليه السلام) في هذا العهد بألّا تُشاوَر ثلاث فئات: «لا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا…، وَلَا جَبَانًا…، وَلَا حَرِيصًا…» يقول (عليه السلام): لا تشاور ثلاث فئات: البخيل والجبان والحريص؛ لأنّ كلّ فئة من هذه الفئات الثلاث تُلحق بالحكم ضرراً بالغاً، والجامع لهذه الأضرار هو سوء الظنّ بالله.
ويُستفاد من هذا التعبير أنّ أصل «المشاورة» في الحكم أمر مقبول ومطلوب؛ إذ لم يقل (عليه السلام): لا تشاور، بل قال: لا تشاور هذه الفئات الثلاث، أي إنّه ينبغي مشاورة غيرهم. وهذا يدلّ على أنّ «المشورة» تحتلّ مكانة أساسية في صميم صناعة القرار الحكومي. وقد أكّد القرآن الكريم أيضاً على هذا الأمر، ومن ذلك آيتان مهمّتان في المشورة: آية «وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» في سورة آل عمران، وآية «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» في سورة الشورى.
نزلت الآية الأولى بعد واقعة غزوة أُحد، حيث اختلف المسلمون في موضع القتال. فمع أنّ رأي النبي كان البقاء في المدينة، إلا أنّه قَبِل الخروج منها بناءً على رأي الأكثرية. وفي هذه الحرب هُزم المسلمون في الظاهر، وكان من الممكن بعد الحرب أن يقول بعضهم: «لماذا شاورهم النبي؟»؛ لكنّ القرآن قال:

«وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ»؛ فلم يُطلب من النبي أن يترك المشورة، بل قيل له: داوِمْ على ذلك.
وقد ذكر المفسّرون لذلك عدّة حِكَم:
الأولى: أنّ المعصوم، مع كونه هو الأعلم، أُمر بالمشاورة، ليكون الحكّام غير المعصومين ملزَمين بها من باب أولى.
الثانية: أنّ المشورة ليست ذات جنبة «طريقية» فحسب، بل هي «موضوعية»؛ أي لمّا كان قرار الحاكم يؤثّر في حياة الناس، وجب إشراك الناس في مسار اتخاذ القرار، وإن لم يكن الرأي النهائي هو ما شخّصه النبي في البداية.
الثالثة: أنّ المشورة سبب لنموّ الناس ومنحهم الاعتبار والمكانة؛ فالناس حين يشعرون بالمشاركة في القرارات يقتربون أكثر من النضج الاجتماعي.

وإلى جانب ذلك، يُطرح احتمال أن يكون «العَزْم» في الآية بمعنى اتخاذ القرار بناءً على حصيلة الشورى ثمّ التوكّل على الله؛ لا أن تجري المشاورة ثمّ يكون القرار النهائي مستقلاً عن الشورى.
وتؤكّد الآية الثانية «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» كذلك أنّ الشؤون الاجتماعية للمؤمنين ينبغي أن تُدار على أساس المشاورة.
وقد ورد في الروايات أيضاً تأكيد كبير على المشورة، ومن ذلك: «من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم»
أي إنّ من أصرّ على رأيه هلك، ومن شاور غيره شاركهم في عقولهم. و: «عَظِّمُوا آراءَ الرِّجالِ بِبَعْضِها بَعْضًا…» وفضلاً عن ذلك، فإنّ تعقيد شؤون الحكم في الوقت الراهن، والطابع التخصّصي للموضوعات، والاتساع الكبير للقضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، وكذلك آثار القرارات الكبرى، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المشورة باتت أشدّ ضرورة من أيّ وقت مضى. فالقرارات الكبرى اليوم تقترن عادةً بملحقات لتقييم آثارها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن اتخاذها دون مشاورة خبراء متعدّدين. إذن، فأصل المشورة في الحكم أمر قطعيّ لا بديل عنه. والآن نتناول توصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بشأن الفئات الثلاث التي لا تصلح للمشاورة: 1
. البخيل
يقول الإمام إنّ البخيل هو من يحول دون الفضل والعطاء، ويمنع الحكومة باستمرار من الإنفاق في مصالح الناس. وهؤلاء يقضون في القرارات الكبرى على روح التنمية والإعمار وتحمّل المسؤولية.

2. الجبان
الجبان هو من يجعل الإنسان يخشى الإقدام على الأعمال الكبيرة. فالخوف يحول دون الشجاعة في القرارات المصيرية، كمواجهة العدو والقيام بالإصلاحات الجادّة.
3. الحريص
الحريص هو من يزيّن الحرص وطلب الدنيا، ويسوق الحاكم نحو جمع المال والامتيازات، ونتيجة ذلك الخروج عن العدالة والوقوع في فخّ الفساد.
ويبيّن الإمام جذور هذه الصفات الثلاث بقوله: «فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله» أي إنّ منشأ البخل والجبن والحرص هو سوء الظنّ بالله. ثمّ يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معايير اختيار المسؤولين، والمعايير الثلاثة المهمّة هي: 1. خلوّ السجلّ من السوابق السيّئة

يقول (عليه السلام): لا تستعمل من كانوا وزراء للحكومات الظالمة السابقة أو شركاءهم في آثامهم؛ لأنّهم قد اعتادوا الظلم. ويقول: اختر من بين الناس من لهم القدرة والمهارة نفسها، ولكن ليست لهم سابقة تلوّث وظلم. 2. قول الحقّ واجتناب التملّق
لا ينبغي أن يكون المسؤول متملّقاً أو مجرّد مؤيّد، بل يجب أن يكون قادراً على قول الحقائق المرّة، وألّا يجاري الحاكم في الأعمال التي لا يرضى الله بها.
3. الصدق والورع
يجب أن يكون المسؤول من أهل الورع (اجتناب الشبهات) والصدق. يقول (عليه السلام): احذر أن يجتمع حولك من يُكثرون من مدحك وينسبون إليك الفضل حتى في أعمال لم تفعلها؛ فإنّ ذلك يورث العُجب والكِبر ويحرف الحاكم عن طريق الحقّ.
وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً للانتفاع من ليالي القدر، ولا سيّما ليلة الثالث والعشرين. كما ندعو أن تُرفع المشكلات والتهديدات القائمة عن الأمّة الإسلامية، وأن يُرزق المجتمع الإسلامي الأمن والطمأنينة والخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.