٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

البُعد الخفيّ والمُفجِع لمظلوميّة أبي عبد الله (عليه السلام)

• التشريد من حرم النبيّ: أن لا تستطيع شخصيّةٌ كالحسين بن عليّ (عليه السلام)، وهو البقيّة الوحيدة وابن النبيّ في ذلك الزمان، البقاءَ في مدينة جدّه بسبب امتناعه عن البيعة لحكم يزيد بن معاوية، فيُضطرّ إلى مغادرة المدينة واللجوء إلى مكّة. • انعدام الأمن في حرم الله الآمن: أن لا يستطيع الإمام حتّى في مكّة، وفي موسم الحجّ حيث يتوجّه الجميع نحو عرفات، البقاءَ خوفاً على نفسه، فيغادر مكّة قاصداً الكوفة.

البُعد الخفيّ والمُفجِع لمظلوميّة أبي عبد الله (عليه السلام)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَ نَبِيِّنَا وَ حَبِيبِ قُلُوبِنَا أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمَعْصُومِينَ الْمُكَرَّمِينَ، سِيَّمَا بَقِيَّةِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ رُوحِي وَ أَرْوَاحُ الْعَالَمِينَ لِتُرَابِ مَقْدَمِهِ الْفِدَاءُ. 

أيّها الأساتذة المحترمون والفضلاء الكرام، كما تعلمون، فإنّ أبعاد مظلوميّة الإمام الحسين (عليه السلام)، منذ بداية نهضته حتّى مرحلة شهادته، واسعةٌ جدّاً. وقد طُرح بعض هذه الأبعاد بصورةٍ بارزةٍ تماماً في المحافل والمجالس؛ غير أنّ ثمّة زوايا خفيّةً من مظلوميّة سيّد الشهداء (عليه السلام) هي أشدّ إيلاماً بمراتب من المصائب الظاهرة، لكنّها لم تحظَ إلّا بقليلٍ من الاهتمام، ونادراً ما يُتطرَّق إليها. 

التجلّيات الظاهرة للمظلوميّة

في الوثائق التاريخيّة ونصوص الزيارات، تُعدّ صفة «المظلوميّة» من أبرز خصائص سيّد الشهداء. والعلامات الظاهرة لهذه الغربة هي: 

  • التشريد من حرم النبيّ: أن لا تستطيع شخصيّةٌ كالحسين بن عليّ (عليه السلام)، وهو البقيّة الوحيدة وابن النبيّ في ذلك الزمان، البقاءَ في مدينة جدّه بسبب امتناعه عن البيعة لحكم يزيد بن معاوية، فيُضطرّ إلى مغادرة المدينة واللجوء إلى مكّة. 
  • انعدام الأمن في حرم الله الآمن: أن لا يستطيع الإمام حتّى في مكّة، وفي موسم الحجّ حيث يتوجّه الجميع نحو عرفات، البقاءَ خوفاً على نفسه، فيغادر مكّة قاصداً الكوفة. 
  • قطع الطريق والحصار: أن لا يُؤذَن بالدخول للابن الذي توجّه إلى تلك الديار بدعوةٍ من أهل الكوفة أنفسهم، فيُقطَع عليه الطريق ويغدو مشرَّداً في الفيافي. 
  • فاجعة عاشوراء والأسر: حصاره في صحراء كربلاء، والشهادة الفجيعة للإمام وأصحابه وأهل بيته، وفي النهاية سَوْق حريم الرسالة إلى الأسر. 

كلّ هذه مصاديق واضحة لمظلوميّة سيّد الشهداء، وهي تُطرح دائماً في المجالس، ولذا أتجاوزها. 

البُعد الخفيّ والمُفجِع لمظلوميّة أبي عبد الله (عليه السلام)

إنّ البُعد الذي أقصده من المظلوميّة هو أنّ شخصيّة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ومكانته التي لا نظير لها قد أُهمِلت تماماً، لا في أعين الأعداء فحسب، بل حتّى في نظر النُّخَب والشخصيّات الدينيّة والسياسيّة في ذلك العصر، بل وفي بعض الموارد من قِبَل محبّيه والمقرّبين منه. وهذه المسألة هي ذروة مظلوميّة شخصيّةٍ كالحسين بن عليّ (عليه السلام)، وسأعرضها عليكم أيّها الفضلاء الأجلّاء، استناداً إلى النصوص التاريخيّة، في عدّة محاور محدّدة: 

الإساءة إلى مكانة الإمام وشخصيّته

المحور الأوّل من هذه المظلوميّة هو حيث أُسيء إلى ساحة الإمام، وأُهمِلت مكانته في المجتمع، سواءٌ من قِبَل الأعداء أو من قِبَل المدّعين. 

  • اتّهام معاوية له بإثارة الفتنة: اتّهم معاوية في رسالةٍ سيّدَ الشهداء (عليه السلام) بأنّه يسعى إلى إيجاد الفرقة في أمّة النبيّ، وأنّه يطلب الفتنة والتمرّد والفوضى في المجتمع! فأجابه الإمام (عليه السلام) جواباً حاسماً قائلاً: «مَا أَعْلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ مِنْ وِلَايَتِكَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ». وإنّ إجازة معاوية لنفسه، مع علمه بمكانة الإمام ونسبه من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، أن يرميه بمثل هذه التهمة السخيفة لهو من العلامات البارزة على الإساءة إلى شخصيّته الشريفة. 
  • صَلافة والي مكّة: قال عمرو بن سعيد (والي مكّة) للإمام الحسين (عليه السلام) عند خروجه من مكّة بلهجةٍ تخلو من الأدب: «يَا حُسَيْنُ أَ لَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ تَخْرُجُ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَ تُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟». تصوّروا كم هو ثقيلٌ على ابن النبيّ والإمام المعصوم أن يسمع مثل هذا الكلام! فنحن اليوم إذا سمعنا في المجتمع أنّ أحداً قد تجرّأ على مرجع تقليدٍ جليل، نبادر فوراً إلى ردّ الفعل ويشقّ ذلك علينا؛ فانظروا كيف كانوا يخاطبون الإمام المعصوم. فبيّن الإمام في جوابه منطقه على هذا النحو: إنّ من يدعو الناس إلى الله لا يبتغي أبداً إيجاد الخلاف والشقاق في المجتمع: «مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً لَمْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ». 
  • استمرار هذه التهمة على مرّ التاريخ: لم تقتصر هذه التهمة على عصر سيّد الشهداء (عليه السلام)، بل نسب بعض المبتدعة لاحقاً، ومنهم «ابن تيميّة»، هذه النسبة الباطلة نفسها إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وأعطوا الحقّ ليزيد، وادّعوا أنّ الإمام الحسين أوجد الفرقة في الأمّة الإسلاميّة وثار على خليفة المسلمين؛ ولذا كان ليزيد الحقّ في أن يتصدّى لمن خرج وأخلّ بوحدة المجتمع! 

تهمة الخروج من الدين والارتداد

والنموذج الثاني لهذه المظلوميّة هو تهمة الخروج من الدين. فقد قالوا للإمام: إنّك خرجت على أمير المؤمنين (خليفة الوقت) وخرجت من الدين! فيزيد بن معاوية، الذي لم تكن أركان حكمه قد ترسّخت بعد، ولم يكن قد تمكّن من أخذ البيعة من الوجهاء، يقول لإمام الأمّة: إنّك خرجت من الدين. هذا في حين أنّه في زمن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، حين جاء الناكثون والخوارج لقتال الإمام الحقّ، قال (عليه السلام) فيهم: «هؤلاء إخواننا بَغَوا علينا». أمّا هذه الجماعة فقد سمّت ابن النبيّ خارجاً من الدين بجريرة عدم البيعة، وبهذه التهم الواهية ساقت الناس البسطاء إلى قتال الحسين بن عليّ (عليه السلام) بشعار «قُربَةً إِلَی اللَّهِ»! 

  • كان جنود الأمويّين يتوجّهون إلى الميدان بشعار «يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وبوعد الجنّة. 
  • وكان عمرو بن الحجّاج الزبيدي، أحد قادة جيش عمر بن سعد، يصيح بجنوده: «يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ الْزَمُوا طَاعَتَكُمْ وَ جَمَاعَتَكُمْ وَ لَا تَرْتَابُوا فِي قَتْلِ مَنْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ وَ خَالَفَ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ». 

إنّ هذا النوع من التهم ضدّ شخصيّةٍ فريدةٍ كالحسين بن عليّ (عليه السلام) يحمل ألماً أعمق ومظلوميّةً أشدّ بمراتب من الشهادة نفسها ومن تلك الجرائم الظاهرة. ويقول الإمام السجّاد (عليه السلام) في روايةٍ تُحرق القلوب: «لَا يَوْمَ كَيَوْمِ الْحُسَيْنِ ازْدَلَفَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ... كُلٌّ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِدَمِهِ وَ هُوَ بِاللَّهِ يُذَكِّرُهُمْ فَلَا يَتَّعِظُونَ حَتَّى قَتَلُوهُ بَغْياً»؛ أي إنّ ثلاثين ألف رجلٍ يحسبون أنفسهم من أمّة النبيّ سفكوا دمه تقرّباً إلى الله، والإمام يذكّرهم بالله ويعظهم باستمرار، فلم يتّعظوا حتّى قتلوه ظلماً. 

وقد تابع بنو أميّة خطّ التهمة هذا بعد عاشوراء أيضاً في الكوفة والشام. فقد قال عبيد الله بن زياد في دار الإمارة بالكوفة بكلّ وقاحة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَ أَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ...». 

تهمة انتهاك حرمة الإسلام والعرب

ومن المحاور الأخرى لغربة مكانة أبي عبد الله (عليه السلام) أنّهم كانوا يقولون لابن النبيّ الذي نهض للنهي عن المنكر: إنّك انتهكت حرمة الإسلام وحرمة العرب وحرمة قريش! والملفت أنّ هذه التهم لم يكن يطلقها بنو أميّة، بل كان يطرحها وجهاءُ عصر الإمام وشخصيّاته المعاصرة له.

يقول عبد الله بن مطيع (الذي صار لاحقاً من عمّال عبد الله بن الزبير في الكوفة) للإمام: «أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ أَنْ تُنْتَهَكَ... فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُتِلْتَ لَيُقْتَلَنَّ بَعْدَكَ أَحَدٌ أَبَداً»؛ أي: أنشدك الله أن تحفظ حرمة الإسلام وتراعي حرمة قريش والعرب، فإنّك إن اصطدمت بهؤلاء وقتلوك فلن يرحموا أحداً بعدك. وهذا الكلام يدلّ على أنّهم كانوا يعلمون ما هي مكانة الإمام، وأنّ أيّ حكمٍ يجرؤ على قتل ابن النبيّ فإنّ سفك دماء الآخرين سيكون عليه يسيراً جدّاً؛ ولكن بدلاً من أن يعترضوا على بني أميّة لماذا تنتهكون حرمة آل النبيّ - مع أنّ المعروف في الثقافة العربيّة أنّه «يُكْرَمُ الْمَرْءُ فِي وُلْدِهِ» - كانوا يصوّبون سهم تهمة انتهاك الحرمة نحو الإمام الحسين (عليه السلام)! 

المقترحات المُهينة والجريئة من الناصحين والنُّخَب

ويكمن جانبٌ آخر من هذه المظلوميّة في نفس التوصيات التي كانت تُقدَّم إلى الإمام من قِبَل بعض الشخصيّات الاجتماعيّة والسياسيّة. فنفس اقتراح «بايِعْ يزيد» كان إهانةً صريحة. لم يكن يُنتظَر غير ذلك من الحكم الأمويّ، لأنّه كان محتاجاً إلى بيعة الإمام لإضفاء الشرعيّة على نفسه؛ ولكنّ سماع هذا الاقتراح من ألسنة نُخَب المجتمع، بل ومن الناصحين المشفقين، مؤلمٌ جدّاً. ومع الفارق، افترضوا أنّه في مجتمعنا اليوم يُقترَح على مرجع تقليدٍ ونائبٍ لإمام الزمان: تعالَ وبايِعْ شابّاً مستهتراً يلعب بالكلاب والقرود ويشرب الخمر، ولا يتقيّد بظواهر الشرع أصلاً! انظروا كم هو مُهين؛ والحال أنّ هذا الاقتراح كان يُقدَّم في أفقٍ أعلى بكثير إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). 

  • صَلافة مروان: إنّ التلفّظ ببعض هذه الكلمات صعبٌ حقّاً. يقول مروان للإمام الحسين (عليه السلام): إنّي لك ناصح، فأطِعني ترشُد! «أَقُولُ إِنِّي آمُرُكَ بِبَيْعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ فِي دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ». فأجابه الإمام: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ عَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ...» ثمّ قال: ويلك! أتأمرني ببيعة رجلٍ فاسق؟ لقد قلتَ شَطَطاً من القول! وبالطبع لا يُنتظَر منك ومن أبيك، وقد لعنكما النبيّ، أكثر من هذا، ومن كان ملعوناً على لسان رسول الله لا يملك حلّاً أفضل من الدعوة إلى بيعة يزيد. 
  • نصيحة جابر بن عبد الله الأنصاري: جابر شخصيّةٌ جليلة القدر، وهو أوّل زائرٍ لسيّد الشهداء في الأربعين، وقد كانت له مكانةٌ رفيعة من زمن النبيّ إلى زمن الإمام الباقر (عليه السلام)؛ ولكنّه يقول للإمام بحسب فهمه: كما صالح أخوك وكانت لصلحه آثارٌ حسنة، فصالِحْ أنت أيضاً! وهذا قياسٌ مع الفارق؛ لأنّ الإمام المجتبى (عليه السلام) صالح اضطراراً معاويةَ الذي حكم الشام عشرين سنةً بدهاءٍ سياسيّ، أمّا تشبيه تلك الظروف بالبيعة ليزيد فكان جفاءً عظيماً. 
  • اقتراح عبد الله بن عمر: يوصي ابنُ الخليفة الثاني الإمامَ بأن يصالح يزيد! فيقول الإمام متعجّباً: «يا عبد الله! أأبايع يزيد وأصالحه؟ أتظنّ أنّي مخطئ؟» فخجل عبد الله، الذي كان يدّعي الخلافة، ودخل في مرحلة الإشفاق، وقال: إنّي أخشى أن يواجه وجهَك الجميل هذا سيوفُ بني أميّة التي لا ترحم فيقتلوك. 
  • كتاب الأمان من عبد الله بن جعفر: يبلغ أمر أمّة النبيّ حدّاً يقول فيه شخصٌ مثل عبد الله بن جعفر: ابقَ في مكّة، وسأذهب بنفسي وآخذ لك ولأهل بيتك وأولادك كتابَ أمانٍ من يزيد حتّى لا يتعرّضوا لك! أليس هذا الاقتراح لابن النبيّ، وإن كان عن إشفاق، مُهيناً؟ فأجابه الإمام جواباً عميقاً: «فَخَيْرُ الْأَمَانِ أَمَانُ اللَّهِ». 
  • غدر الكوفيّين: في مدينةٍ كالكوفة، حكم فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعاش الإمامان الحسن والحسين (عليهما السلام) بين أهلها سنوات، يكتبون الرسائل الكثيرة، ويبايع ثمانية عشر ألفاً رسولَ الإمام، ثمّ يخذلونه بين ليلةٍ وضحاها ويقطعون الطريق على الإمام! وتبلغ غربة الإمام حدّاً لا يبقى معه من الأمّة الإسلاميّة كلّها إلّا اثنان وسبعون رجلاً لنصرته. أليس هذا هتكاً لحرمة سيّد الشهداء ومظلوميّةً له؟ 

مظلوميّة سيّد الشهداء بعد عاشوراء وعلى مرّ التاريخ

واستمرّت هذه المظلوميّة حتّى بعد الشهادة، وتجلّت في صورة تحليلاتٍ اختزاليّة ومدائح مُحرَّفة: 

  • التحليلات الاختزاليّة (التكليف الخاصّ): قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»؛ فلا فرق بين هذين الإمامين في كونهما قدوةً وأسوة. ولكنّ بعض الفقهاء عدّوا في تحليلاتهم نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) «تكليفاً خاصّاً» لا يمكن التأسّي به واتّباعه أصلاً! وإنّ إخراج أهمّ مقطعٍ من حياة الإمام - النهضة التي كانت سبباً في نجاة الإسلام - من دائرة القدوة للبشريّة وللأحرار هو في حدّ ذاته بُعدٌ من أبعاد المظلوميّة. ومن الواضح جدّاً بالطبع أنّ الاقتداء الصحيح يتطلّب فهم منطق سلوك الإمام ومعرفة مقتضيات الزمان، وأنّ التشبيهات الباطلة والسطحيّة مرفوضة أيضاً. 
  • التحريف في المدائح: ومن المشكلات الأخرى المدائحُ التي لا تفوح منها رائحة العزّة والعظمة والملحمة، بل رائحة الذلّة والعجز، وهذا بحدّ ذاته ظلمٌ كبير لأبي عبد الله. وقد قال الأستاذ الشهيد مطهّري (رحمه الله) في كتابه الملحمة الحسينيّة عن حقّ: إنّ لواقعة كربلاء صفحتين: إحداهما الجريمة غير المسبوقة لبني أميّة؛ والأخرى العظمة، وتجلّي القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، والبُعد الملكوتيّ والملحميّ للإمام وأصحابه. وإنّ إغفال هذه الصفحة العظيمة والتركيز على الجوانب المأساويّة وحدها مظلوميّةٌ مضاعفةٌ لكربلاء. 

آلام العلماء الحقيقيّين؛ من كربلاء إلى اليوم

وفي الختام، وبما أنّنا في أيّام شهر خرداد وذكرى رحيل الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) وانتفاضة الخامس عشر من خرداد، أودّ أن أشير إلى رسالةٍ له تُعرَف بـ«ميثاق الحوزة» (منشور روحانيّت). فهذه الرسالة تحكي آلام طريق الحقّ ومشاقّه. وللإمام الراحل عبارةٌ عجيبة بشأن الشهيد بهشتي، إذ يقول: إنّ مظلوميّة السيّد بهشتي في مجتمعنا كانت أشدّ إيلاماً من شهادته. والإخوة الذين يتذكّرون تلك المرحلة يعلمون أنّهم كانوا يهتفون في الشوارع: «بهشتي، بهشتي، أنت قتلتَ طالقاني!». كانوا يرمونه بتهمٍ ثقيلة وهو لا ينبس ببنت شفة، ويقول: لا ينبغي لنا أن نُنفق الإمام لأنفسنا؛ حتّى أيقظت شهادتُه تلك القلوبَ الغافلة وغير الواعية. 

يكتب الإمام الخميني في رسالته عن فترة إقامته في قم والنجف وبداية الكفاح. ويؤكّد أنّ الكلمات الجارحة والأقاويل التي كان يسمعها من أبناء صنفه ومسلكه (المتظاهرين بالقداسة والمتحجّرين) كانت أشدّ إيلاماً بكثير من تعامل النظام البهلويّ المستبدّ. فحيث كان بعضهم يشعر بالتكليف للوقوف في وجه الحكم الشاهنشاهيّ الظالم والدفاع عن الإسلام، كانوا يصبحون هدفاً للتهم والتعريضات. يقول (رحمه الله): «لا تظنّوا أنّ تهمة التبعيّة وافتراء اللادينيّة قد رمى بهما الأغيارُ وحدهم علماءَ الدين؛ كلّا! فإنّ ضربات رجال الدين غير الواعين، والواعين التابعين، كانت ولا تزال أشدّ نكايةً بمراتب من ضربات الأغيار.» 

واليوم أيضاً، في مجتمعنا الغارق في السياسة، تُنسَب اللادينيّة والتبعيّة إلى شخصيّاتٍ بما يبعث على الحيرة. يقول الإمام في وصف ذلك الزمان: «في بداية الكفاح الإسلاميّ، إذا أردتَ أن تقول إنّ الشاه خائن، كنتَ تسمع الجواب فوراً: إنّ الشاه شيعيّ! كانت فئةٌ من المتظاهرين بالقداسة الرجعيّين يرون كلّ شيءٍ حراماً... وإنّ الغُصص التي تجرّعها أبوكم العجوز من هذه الفئة المتحجّرة لم يتجرّعها قطّ من ضغوط الآخرين وشدائدهم.» وفي ذلك الفكر المتحجّر، حين صار التدخّل في السياسة والحكم ممنوعاً، تحوّلت حماقة رجل الدين في معاشرة الناس إلى «فضيلة»! فلم يكن رجل الدين جديراً بالاحترام إلّا حين تتقاطر الحماقة من كلّ وجوده، وإلّا اتُّهم العالم الكفوء الفطن بأنّ وراء الأكمة ما وراءها! كان تعلّم اللغة الأجنبيّة كفراً، والفلسفة والعرفان يُعدّان ذنباً؛ حتّى إنّهم في المدرسة الفيضيّة طهّروا بالماء جرّةً شرب منها الابن الصغير للإمام (المرحوم الحاج آقا مصطفى)، لا لشيءٍ إلّا لأنّ أباه كان يدرّس الفلسفة! ويقول الإمام: لو استمرّ ذلك المسار لصار وضع حوزاتنا العلميّة كوضع كنائس القرون الوسطى. 

والغرض من بيان هذه النقاط أن نعلم أنّ هذا النوع من المظلوميّة كان موجوداً في كلّ العصور للشخصيّات الطالبة للحقّ (مع حفظ المراتب والمقامات).

ذكر المصيبة: ليلة عاشوراء وبقيّة الإمام المجتبى (عليه السلام)

أعتذر عن الإطالة وأخذ أوقاتكم، وأرجو أن يوصل الله ثواب هذه المجالس الحسينيّة إلى أرواح الماضين والأساتذة والإمام الراحل والشهداء الأعزّاء، وأن يمنّ علينا بتوفيق السير على درب سيّد الشهداء. وسيستمرّ المجلس بإفاضات الإخوة وقراءة العزاء، ولكنّي أيضاً، على سبيل التمهيد، أعرض كلماتٍ في التوسّل. 

من التقاليد الحسنة أن تُخصَّص كلّ ليلةٍ من ليالي المحرّم باسم شهيدٍ من شهداء كربلاء، والليلة السادسة من المحرّم هي للقاسم بن الحسن (عليه السلام)، بقيّة الإمام المجتبى؛ ذلك الفتى الذي نشأ في حِجر سيّد الشهداء الحاني. 

في ليلة عاشوراء، حين كان أبو عبد الله (عليه السلام) يتحدّث بين أصحابه وأنصاره ويُخبرهم بشهادتهم جميعاً في الغد، قام هذا الفتى الغيور وسأل: «يا عمّاه! هل أُستشهَد أنا أيضاً غداً؟» فأراد الإمام أن يختبره ليقيس مدى استعداده الروحيّ، فسأله: «كَيْفَ الْمَوْتُ عِنْدَكَ؟». فأجاب: «أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ». فقال الإمام: نعم يا بقيّة أخي! غداً تُستشهَد أنت أيضاً بعد أن تُبتلى ببلاءٍ عظيم. 

وفي يوم عاشوراء تبيّن ما ذلك البلاء العظيم. فحين جاء القاسم يستأذن للبراز إلى الميدان، لم يأذن له الإمام في البداية. فانكبّ القاسم على يدَي عمّه ورجليه يقبّلهما حتّى أخذ الإذن. وتعانق العمّ وابن أخيه وبكيا حتّى غُشي عليهما. فانطلق القاسم الفتى إلى الميدان وقاتل ببسالة، حتّى ارتفع نداؤه: «يا عمّاه». فانقضّ سيّد الشهداء كالبازي الصائد حتّى بلغ القاسم، وبقيّة أخيه يجود بنفسه. فقال الإمام بقلبٍ جريح: «عَزَّ وَاللَّهِ عَلى عَمِّكَ اَنْ تَدْعُوَهُ فَلا يُجيبَكَ اَوْ يُجيبَكَ فَلا يَنْفَعَكَ...». 

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنَ الرِّسَالَةِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلَامُ اللَّهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَ بَقِيَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ، وَ لَا جَعَلَهُ اللَّهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ.

السَّلَامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ...

فَيا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً.

 

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

مكافحة الفساد من منظور أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ الوقاية والشفافية والردع

محاضرة الدكتور محمد رضا يوسفي الحمدُ للهِ ربِّ العالمین، و الصلوةُ و السلامُ علی سیدِ الأنبیاء و المرسلین، ابی‌القاسم محمد، و علی آله الطیبین الطاهرین، و اللعنُ الدائمُ علی أعدائهم أجمعین.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

المشورة في الحكم؛ صفات المستشارين في نظر الإمام علي (عليه السلام)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

لا ينبغي للحكومة أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة؛ الرضا العام في عهد مالك الأشتر

آية الله كاظم قاضي زاده: لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة. «أنديشه ما» – أفادت «أنديشه ما» نقلاً عن العلاقات العامة في مؤسسة فهيم للبحوث الثقافية بأنّ الجلسة الثانية والأربعين بعد الأربعمئة من سلسلة جلسات مؤسسة فهيم، التي عُقدت بمناسبة شهر رمضان 1447 هـ في قاعة المؤتمرات بالمؤسسة بحضور جمع غفير من فضلاء الحوزة العلمية وأساتذة الحوزة والجامعة، قد شهدت محاضرة لآية الله كاظم قاضي زاده، أستاذ البحث الخارج في الفقه ورئيس مؤسسة فهيم. وفي ما يلي مقتطفات من محاضرة الأستاذ قاضي زاده:

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

الحكم الرشيد في القرآن ونهج البلاغة؛ ماهية الفساد وسبل مواجهته

«أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.» إن الموضوع الذي عيّنتموه، أيها السادة الأعزاء والفضلاء، في هذه الأيام هو دراسة «الحكم الرشيد» في ضوء القرآن الكريم ونهج البلاغة. والمقرَّر أن يتناول كلُّ واحدٍ من الأساتذة المتحدثين في هذا المجال بُعداً من أبعاد هذا المفهوم ومباحثه.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨