٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

لا ينبغي للحكومة أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة؛ الرضا العام في عهد مالك الأشتر

آية الله كاظم قاضي زاده: لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة. «أنديشه ما» – أفادت «أنديشه ما» نقلاً عن العلاقات العامة في مؤسسة فهيم للبحوث الثقافية بأنّ الجلسة الثانية والأربعين بعد الأربعمئة من سلسلة جلسات مؤسسة فهيم، التي عُقدت بمناسبة شهر رمضان 1447 هـ في قاعة المؤتمرات بالمؤسسة بحضور جمع غفير من فضلاء الحوزة العلمية وأساتذة الحوزة والجامعة، قد شهدت محاضرة لآية الله كاظم قاضي زاده، أستاذ البحث الخارج في الفقه ورئيس مؤسسة فهيم. وفي ما يلي مقتطفات من محاضرة الأستاذ قاضي زاده:

لا ينبغي للحكومة أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة؛ الرضا العام في عهد مالك الأشتر

آية الله كاظم قاضي زاده: لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة

«أنديشه ما» – أفادت «أنديشه ما» نقلاً عن العلاقات العامة في مؤسسة فهيم للبحوث الثقافية بأنّ الجلسة الثانية والأربعين بعد الأربعمئة من سلسلة جلسات مؤسسة فهيم، التي عُقدت بمناسبة شهر رمضان 1447 هـ  في قاعة المؤتمرات بالمؤسسة بحضور جمع غفير من فضلاء الحوزة العلمية وأساتذة الحوزة والجامعة، قد شهدت محاضرة لآية الله كاظم قاضي زاده، أستاذ البحث الخارج في الفقه ورئيس مؤسسة فهيم. وفي ما يلي مقتطفات من محاضرة الأستاذ قاضي زاده:

اعوذ بالله من الشیطان الرجیم بسم الله الرحمن الرحیم الحمدلله رب العالمین، و صلی الله علی محمد و آله الطاهرین، سیما بقیة الله فی الأرضین.

في البداية نسأل الله تعالى أن يردّ شرّ الأعداء، ولا سيّما شرّ أمريكا المجرمة والكيان الصهيوني اللذين بدآ اليوم هجومًا غادرًا، إلى نحورهم. وإن شاء الله يبقى شعبنا وهويّتنا وبلدنا وحكومتنا ونظام الجمهورية الإسلامية في مأمن من شرّهم. ونسأل الله أن يكون جميع صنّاع القرار في البلاد في سلامة وهداية، وأن تنتصر الجمهورية الإسلامية على أعدائها في أقرب وقت. فكما حدث في حرب الاثني عشر يومًا، إذ إنّه على الرغم من الخسائر التي تكبّدها بلدنا والشهداء الذين قدّمناهم، كانوا هم في النهاية من طلب وقف إطلاق النار، وكان ذلك نصرًا عظيمًا لنا، فإن شاء الله تنتهي هذه الحرب أيضًا سريعًا بطلبٍ لوقف إطلاق النار من الأطراف المعادية للجمهورية الإسلامية.

كان من المقرّر أن نحظى بحضور الصديق المعظّم، سماحة الأستاذ جوادي آملي، في ليلة أخرى. ولذلك، ولكي لا تُعطَّل الجلسة، أعرض على حضراتكم أيّها الأعزّاء تتمّة بحثي في تعاليم أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى مالك الأشتر.

بعد المطالب التي بُيِّنت في الجلسة الماضية، يطرح أمير المؤمنين (عليه السلام) نكتة كلّية أخرى يمكن القول إنّها من السياسات الأساسية للحكومة الإسلامية في التعامل مع مختلف فئات الناس، ولعلّه يمكن أن نجعل عنوانها «ترجيح العامّة على الخاصّة». فالحكومة الإسلامية تواجه فئتين: الخاصّة وعامّة الناس. وليس المقصود بـ«العوامّ» هنا الأمّيّين، بل المقصود «عامّة الناس». يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَ أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَیْکَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ، وَ أَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ، وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِیَّةِ.» أي إنّ الأمر في القرارات الحكومية يدور أحيانًا بين خيارين: خيارٌ في مصلحة عامّة الناس، وخيارٌ آخر في مصلحة فئة خاصّة. فعلى سبيل المثال، قد يواجه نائب في البرلمان عند التصويت مشروع قانون يكون إمّا في مصلحة منطقته، وإمّا في مصلحة البلاد كلّها. أو قد يقول وزيرٌ عند اتّخاذ القرار بشأن إيصال المياه أو إنشاء مصنع أو غير ذلك من المرافق: بما أنّي من أهل المدينة الفلانية فلأنقل المصنع إليها. هذه قرارات تصبّ في مصلحة فئة أو منطقة خاصّة. وفي المقابل، يُتَّخذ أحيانًا قرارٌ يكون في مصلحة الناس جميعًا. ويقول (عليه السلام) إنّ معيار اتّخاذ القرار ثلاثة أمور:

الأول: «اوسطها فی الحق»؛ أي القرار الأقرب إلى الحقّ، بصرف النظر عمّن ينتفع به ومن لا ينتفع.

الثاني: «اعمها فی العدل»؛ أي ما يحقّق عدالة أشمل وينتفع به عددٌ أكبر من الناس.

الثالث: «اجمعها لرضی الرعیه»؛ أي ما يجلب قدرًا أكبر من الرضا العام لدى الناس.

ثمّ يذكر (عليه السلام) العلّة أيضًا، فيقول: إنّكم في قراراتكم إن راعيتم رغبة الخاصّة سخط عامّة الناس، وإن راعيتم رغبة العامّة سخطت الخاصّة. فأيّهما أفضل؟

يقول الإمام: إن كان عامّة الناس ساخطين فلا ينفع رضا الخاصّة، أمّا إن سخطت الخاصّة وعامّة الناس راضون فلا تنشأ مشكلة. أي إنّه إذا كانت فئة صغيرة ساخطة وأكثرية الناس راضية، أمكن للحكومة أن تتقبّل ذلك؛ لأنّ أساس الحكومة قائم على رضا عامّة الناس. وعليه، لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة. فالمعيار الأساس هو مصالح عامّة الناس، سواءٌ أكان أولئك الأفراد من حزبنا أم لم يكونوا، ومن أهل مدينتنا أم لم يكونوا. ومن المؤسف أنّ مثل هذه المشكلات تُشاهَد أحيانًا في بعض القرارات أو السياسات. فعلى سبيل المثال، كانت بعض الجامعات الأهلية في وقتٍ ما تضع لقبول طلبة الماجستير شروطًا لا تتوفّر عمليًّا إلّا في شخص معيّن؛ كأن تعلن أنّ على المتقدّم أن يحمل الشهادة الفلانية، وأن يكون قد درس في الحوزة العلمية إلى مستوى معيّن، وأن يتقن لغة خاصّة أيضًا. وحين كنّا نتحقّق، كنّا نرى أنّ الشخص الوحيد الذي تجتمع فيه كلّ هذه الشروط هو ابن رئيس تلك الجامعة نفسها. أو تُضاف أحيانًا في البرلمان بنودٌ وملاحق تُنشئ حصصًا مختلفة؛ كحصّة المضحّين من أهل الإيثار، وحصّة أبناء أعضاء الهيئة العلمية، وموارد أخرى عديدة. وتكثر هذه الحصص أحيانًا إلى حدٍّ تستوعب فيه عمليًّا جزءًا معتدًّا به من المقاعد المتاحة. وبحسب معلومات غير رسمية متداولة، فإنّه في كلية الطب بجامعة طهران مثلاً، وهي من أكثر التخصّصات إقبالاً، يُقبَل سنويًّا ما بين مئتين ومئتين وخمسين طالبًا تقريبًا، غير أنّ جزءًا معتدًّا به منهم يدخلون عن طريق الحصص، ويُقبَل عددٌ أقلّ منهم على أساس المراتب العليا في امتحان القبول الجامعي (الكنكور) وحده. هذه نماذج تدلّ على أنّ الخاصّة يُرجَّحون أحيانًا على العامّة.

نعم، ثمّة أحيانًا استثناءات؛ فمن استُشهد أبوه في سبيل الثورة مثلاً، قد يضع المجتمع بعض الإمكانات في متناول أسرته تعويضًا عن جانبٍ من تلك التضحية. وهذا أمر مفهوم، لكن لا ينبغي أن يتّسع ذلك اتّساعًا مفرطًا. ثمّ يُسأل أمير المؤمنين (عليه السلام): «العدل أفضل أم الجود؟» فيقول (عليه السلام): «العدل یضع الامور مواضعها و الجود یخرجها عن جهتها.» أي إنّ العدل يجعل كلّ شيء في موضعه، أمّا الجود فقد يُخرج الأمور أحيانًا عن موضعها الطبيعي. فعلى سبيل المثال، إذا مُنحت منطقةٌ إمكاناتٍ وفيرة بسبب وجود مسؤولٍ فيها، في حين تُحرَم مناطق أخرى من تلك الإمكانات نفسها، فهذا نوعٌ من الخروج عن العدالة. ثمّ يقول (عليه السلام): «العدل سائس عام و الجود عارض خاص.» أي إنّ العدالة سياسة عامّة شاملة، أمّا الجود والعطاء فلا يشملان إلّا فئة خاصّة. ومن ثَمّ يستنتج (عليه السلام): «العدل أشرفهما و أفضلهما.» أي إنّ العدالة أفضل من الجود. نعم، قد يكون للجود والعطاء فضلٌ أكبر في العلاقات الفردية؛ كأن يُحسن إلينا شخصٌ فنقابل إحسانه بإحسانٍ أكبر. أمّا في الحكومة، فإذا أعطى المسؤولون على أساس قرب الأشخاص منهم، تشكّل الظلم. فالمعيار في الحكومة إذن ينبغي أن يكون العدالة والاهتمام بعامّة الناس. ثمّ يبيّن (عليه السلام) نكتة مهمّة أخرى فيقول: «إنما عمود الدین و جماع المسلمین و العدة للأعداء العامة من الأمة.» أي إنّ عمود الدين، وجماعة المسلمين، والقوّة في مواجهة الأعداء، هم هذه الجماهير من الناس، لا الخاصّة. فالخاصّة عادةً أقلّ حضورًا في الميادين الصعبة، أمّا عامّة الناس فهم الذين يحضرون في الساحات والمسيرات وفي الدفاع عن البلاد. فينبغي إذن أن يكون اهتمام الحكومة وميلها نحو هؤلاء الناس أنفسهم، وأن تُتّخذ قراراتٌ ذات منفعة عامّة أكبر وعاقبةٍ أحسن. وهنا يُطرح سؤالٌ مهمّ: ما المراد بـ«الخاصّة» و«العامّة»؟ هل الخاصّة هم النخب، أو المتعلّمون، أو أصحاب الخبرة؟ وهل ينبغي إقصاؤهم؟ والجواب أنّ هذا ليس مراد أمير المؤمنين (عليه السلام). فهو (عليه السلام) يبيّن بعد ذلك صفات الخاصّة، فيقول إنّهم الذين: نفقاتهم ثقيلة على الحكومة، ومعونتهم في الشدائد قليلة، ويكرهون الإنصاف، ويُكثرون الطلب، ولا يشكرون عند العطاء، ولا يقبلون العذر عند المنع، وصبرهم في الملمّات قليل. هؤلاء هم «الخاصّة» الذين يقصدهم (عليه السلام). وعليه، فليست الخاصّة بمعنى النخب العلمية أو أصحاب الخبرة. والقرآن أيضًا يمدح «أولي الألباب» والعلماء، فلا يمكن القول إنّه ينبغي إقصاء كلّ نخبة. ثمّ يوصي (عليه السلام) وصيّة أخرى تتعلّق بالتعامل مع الوشاة، فيقول: ليكن أبعدَ الناس منك أشدُّهم طلبًا لكشف معايب الناس؛ فإنّ في الناس عيوبًا، والوالي أحقّ من سترها. ويقول (عليه السلام): لا تسعَ إلى كشف ما غاب عنك. وفي عالم اليوم، ومع وجود أدوات الرقابة ومختلف التقنيات، تستطيع الحكومات أن تحصل على معلومات كثيرة عن حياة الناس، لكنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكّد أنّ الأصل هو ستر العيوب. ويوصي أيضًا بأن تستر عيوب الناس ما استطعت، فإنّ الله أيضًا سيستر من عيوبك ما تحبّ أن يبقى مستورًا. وفي الختام يوصي (عليه السلام) بأن تُخرجوا الأحقاد من القلوب، وأن تقطعوا أسباب العداوات، وأن تقبلوا أعذار الناس، وأن تمتنعوا في إقامة الحدود عن إجرائها عند وجود الشبهة. فالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، مع كلّ الأذى الذي لقيه من أهل مكّة، قال عند فتح مكّة: اليوم ليس يوم انتقام، بل يوم رحمة. والحكومة إنّما تبقى مستقرّة حين تسود فيها مثل هذه الروح. وفي الختام نسأل الله أن يوفّقنا جميعًا للعبودية. اللهمّ احفظ مسؤولي بلدنا، وسماحة القائد المعظّم، ورئيس الجمهورية من كلّ خطر في هذه الأيام الصعبة. اللهمّ اجعل شعبنا مرفوع الرأس في هذا الامتحان العظيم. وأهلك أعداء هذا البلد، أمريكا والكيان الصهيوني، في أقرب وقت، واشمل شهداءنا، ولا سيّما شهداء هذه الأيام والتلاميذ الشهداء، برحمتك ومغفرتك.

والسلام علیکم و رحمه الله.

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

المشورة في الحكم؛ صفات المستشارين في نظر الإمام علي (عليه السلام)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

الحكم الرشيد في القرآن ونهج البلاغة؛ ماهية الفساد وسبل مواجهته

«أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.» إن الموضوع الذي عيّنتموه، أيها السادة الأعزاء والفضلاء، في هذه الأيام هو دراسة «الحكم الرشيد» في ضوء القرآن الكريم ونهج البلاغة. والمقرَّر أن يتناول كلُّ واحدٍ من الأساتذة المتحدثين في هذا المجال بُعداً من أبعاد هذا المفهوم ومباحثه.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

مكافحة الفساد من منظور أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ الوقاية والشفافية والردع

محاضرة الدكتور محمد رضا يوسفي الحمدُ للهِ ربِّ العالمین، و الصلوةُ و السلامُ علی سیدِ الأنبیاء و المرسلین، ابی‌القاسم محمد، و علی آله الطیبین الطاهرین، و اللعنُ الدائمُ علی أعدائهم أجمعین.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

مكانة الشورى في الحكومة الإسلامية؛ صفات المستشارين في عهد الإمام علي لمالك الأشتر

الجلسة الرابعة والأربعون بعد الأربعمائة للأستاذ قاضي زاده. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨