٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

الدفاع الاستباقي من منظور الفقه: الحرب والدفاع المشروع والقانون الدولي

بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. في البداية أتقدّم بالتهنئة بأيام شهر رمضان المبارك وبذكرى ميلاد الإمام المجتبى (عليه السلام) التي مرّت بنا قبل أيام، وأتقدّم بالتعزية خاصةً باستشهاد المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الخامنئي، وباستشهاد الأطفال المظلومين الذين ارتقوا شهداء هذا الأسبوع في مدينة ميناب وفي سائر المدن وفي مدارس الأحياء، وبالناس المظلومين الذين تضرّجوا بالتراب والدماء في هذه الحرب الظالمة المفروضة التي بدأت يوم السبت الماضي وغيّرت أجواء البلاد. وأنتم ترون ذلك الآن بأنفسكم في جميع المدن؛ ففي هذه المدينة نفسها، مدينة قم التي نتشرّف بالإقامة فيها، ترون الآن تجمّعات الناس في الشوارع والميادين. فالأجواء أجواء دعمٍ للمقاتلين، وأجواء حرب، وأجواء الناس ومعنوياتهم هي روح الدفاع وروح البسالة.

الدفاع الاستباقي من منظور الفقه: الحرب والدفاع المشروع والقانون الدولي

بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

في البداية أتقدّم بالتهنئة بأيام شهر رمضان المبارك وبذكرى ميلاد الإمام المجتبى (عليه السلام) التي مرّت بنا قبل أيام، وأتقدّم بالتعزية خاصةً باستشهاد المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الخامنئي، وباستشهاد الأطفال المظلومين الذين ارتقوا شهداء هذا الأسبوع في مدينة ميناب وفي سائر المدن وفي مدارس الأحياء، وبالناس المظلومين الذين تضرّجوا بالتراب والدماء في هذه الحرب الظالمة المفروضة التي بدأت يوم السبت الماضي وغيّرت أجواء البلاد. وأنتم ترون ذلك الآن بأنفسكم في جميع المدن؛ ففي هذه المدينة نفسها، مدينة قم التي نتشرّف بالإقامة فيها، ترون الآن تجمّعات الناس في الشوارع والميادين. فالأجواء أجواء دعمٍ للمقاتلين، وأجواء حرب، وأجواء الناس ومعنوياتهم هي روح الدفاع وروح البسالة.

ومن الطبيعي، في مثل هذه الأجواء ومع هذا الاستعداد النفسي الموجود لدى الناس، أن يشعر الإنسان بأن ذلك الهدوء وتلك الطمأنينة والأجواء الهادئة التي يمكن فيها طرح مثل هذه الأبحاث النظرية التي كان من المقرّر أن نعرضها عليكم الليلة، ومناقشتها والتحاور حولها، غير متوفرة بطبيعة الحال. فحين حُدّثتُ قبل شهر رمضان المبارك عن هذه الليلة وهذه الجلسة، بدا لي هذا الموضوع مناسباً؛ إذ كان حتى يوم السبت الماضي حديث الساعة، وأمراً يبحث الجميع عن رأي الدين ورأي الفقه فيه. فقد كانت البلاد منذ بضعة أشهر على أعتاب حرب، وكان السؤال المطروح: هل الدفاع الاستباقي مقبولٌ أيضاً؟ ولاحظوا أنّ الفرق بين "الوقائي" و"الاستباقي" يقع الخلط فيه أحياناً. فالدفاع الاستباقي يعني أن البلد المعرَّض للحرب، والواقف على عتبة بدء هجوم العدو، والذي يوشك أن يُهاجَم من قِبَل العدو، يبادر هو إلى الهجوم من باب الدفاع عن نفسه؛ لأنه يشعر أنه إن انتظر حتى يهاجمه العدو فسيفقد إمكان الدفاع. فالعدو سيأتي ويدمّر المراكز الضرورية للدفاع. فإن لم يكن هو البادئ، وإن لم يبدأ هذه الحرب أو هذا الهجوم، فإنه سيفقد إمكان الدفاع تماماً.

ولذلك طُرحت منذ بضع سنوات مسألةٌ بعنوان الدفاع الاستباقي. وهذا بلا ريب مخالف للمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، بل هو مخالف لها يقيناً؛ لأنها تنصّ على أن لكل دولة الحق في الدفاع عن نفسها حين تتعرّض للهجوم، في حين أنه لم يبدأ أيّ هجوم بعدُ في هذه الحالة. على أنّهم استطاعوا في نهاية المطاف أن يحملوا الأمم المتحدة على قبول الهجوم الاستباقي بوصفه دفاعاً من بلدٍ معرّضٍ للهجوم، وتمكّنوا أخيراً من فرض ذلك. أما الوقائي، الذي سعوا إليه أيضاً، قائلين إن العدو وإن لم يكن مستعداً للهجوم بعدُ، إلا أننا نشعر أنّ في ذهنه أنه ربما يريد بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أو عشرين سنة أن يشنّ هجوماً، فلنبادر وقائياً إلى تدمير موارده حتى لا تكون له بعد عشر أو خمس عشرة سنة القدرةُ على مهاجمتنا؛ فهذا لم تقبله الأمم المتحدة، وقالوا إنه مخالف للمادة الحادية والخمسين، ولم يقبلوا الوقائي. وأما الاستباقي فقد استطاعوا في النهاية تمريره، لتلك الأهداف التي كان يتوخّاها المتسلّطون. كما ترون أنهم يريدون أن يقدّموا للعالم حتى بدء هذه الحرب على إيران على أنه دفاع استباقي، ويريدون تسويقه على أنه دفاع استباقي. فقد أعلنت أمريكا رسمياً أنه لو لم نهاجم لكانت إيران ستهاجم، وكانت على وشك الهجوم؛ فبمجرد أن تضرب إسرائيلُ إيرانَ كانت إيران ستضرب أمريكا، ولهذا قمنا بالدفاع الاستباقي.

أما البحث في أن الدفاع الاستباقي، سواء من المنظور الديني أو المنظور الفقهي، وعلى أساس مصادر الدين الإسلامي، جائز أو غير جائز، فلم تعد أرضيته متوفرة الآن؛ أي أنه مع هذه الحرب التي بدأت وفُرضت على بلدنا، والتي تلمسونها جميعاً الآن، لم يعد من المناسب في الحقيقة أن نبحث ونتحدّث بحثاً علمياً في أنّ استراتيجية العلاقات الدولية هل تقوم على الحرب أو على السلم، ثم بعد تحديد الاستراتيجية هل يكتسب هذا الدفاع الاستباقي مشروعيةً أو لا؟ فلنترك هذا البحث، إن شاء الله، إلى وقت آخر تنقضي فيه هذه الأجواء، ويعود الهدوء إن شاء الله إلى البلاد بانتصار مقاتلي الإسلام، فنستطيع أن نجلس معاً من جديد ونتحدّث ونتدارس الأبحاث العلمية، ويدعونا جناب السيد قاضي مرة أخرى فنكون في خدمتكم في جلسة، ونتناول هذا البحث حينئذٍ إن شاء الله.

ولكن ثمة نقطة أذكرها بإيجاز فقط ثم أنتقل إلى البحث الذي أحبّ أن أعرضه عليكم الليلة: إن الإسلام في ذاته دينٌ يطلب السلم، ولدينا على ذلك الكثير في الآيات وفي الروايات وفي عمل النبي وسيرته وفي كلام أمير المؤمنين وعمله؛ فلدينا شواهد كثيرة على أن الدين الإسلامي دينٌ مسالم، ولا ريب في ذلك. بل إني دوّنت هنا شيئاً لأقرأه عليكم. ففي تفسير "نور الثقلين" يورد ذيل الآية «فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» و«وَعَلَيْهِ فَتَوَكَّلُوا» رواية تقول إن هذه الآية نزلت في زمن غزوة بدر؛ وأنتم تعلمون أن غزوة بدر كانت ذات طابع دفاعي، فقد كان النبي الأكرم في مناورة عسكرية حين وصل الخبر بأن جيوش المشركين قادمة للقتال. فجمع النبي أصحابه هناك وشاورهم. وهذه المشاورة بحدّ ذاتها تدلّ على أن النبي لم يخرج من المدينة للحرب. فالتعبئة وغزوة بدر الكبرى لم تكن للحرب، بل كانت آنذاك مناورة عسكرية وإعداداً عسكرياً للمسلمين. ولذلك حين يصل الخبر، والمسلمون في منطقة بدر، بأن المشركين قد جيّشوا الجيوش وهم قادمون، يجمع النبي أصحابه ويقول: لقد وصل خبرٌ كذا، وجيش المشركين قادم، ونحن مضطرّون إلى القتال، فما رأيكم؟ فيقوم المقداد ويقول: نعم يا رسول الله، نحن معك. فيدعو له النبي. ثم بحسب الروايات يقوم أبو بكر ويقول: نحن معك. فيدعو له النبي. ثم يقول النبي مرة أخرى: ما رأيكم؟ ومن الواضح أن المقداد وأبا بكر كانا كلاهما من المهاجرين؛ فالنبي كان يبحث عن جواب الأنصار. وهذا ما يذكره ابن هشام أيضاً، إذ يقول: لأن الأنصار في بيعة العقبة التي عقدوها مع النبي كانوا قد تعهّدوا له بأن يحموا المسلمين داخل المدينة، بحيث إذا تعرّض المسلمون لهجوم نصرهم الأنصار هناك. والآن هم خارج المدينة، فيسأل النبي الأنصار عن ذلك هناك. وهذا بحدّ ذاته يدلّ على أن النبي لم يأتِ بقصد الحرب. فواللهِ لو كان قد جاء بقصد الحرب لطرح هذا السؤال على الأنصار في المدينة: إن اتفاقنا وعهدنا والتزامنا الذي عقدناه معاً في العقبة إنما هو داخل المدينة، ونحن نريد أن نخرج لنقاتل خارج المدينة، فما موقفكم؟ فلو كان النبي قد قاد الجيش إلى بدر بقصد الحرب، لطرح هذا الحديث وهذه المشاورة مع الأنصار في المدينة؛ ولكنه يسأل الأنصار هناك. فيقوم من الأنصار، والظاهر أنه سعد بن عبادة، ويقول للنبي: يبدو أنك تعنينا؟ فيقول النبي: نعم. فيقول: كلا، نحن معك، لسنا كالذين قالوا «اذهب أنت وربك فقاتلا»، بل نحن معك ونسير برفقتك. فيدعو لهم النبي، وتقع واقعة بدر.

ثم يُروى في التاريخ، على نحو ما ينقله "نور الثقلين" في هذه الرواية، أنه حين وصل المشركون بجموع جيشهم الغفيرة، ودخل شيءٌ من الخوف قلوب المسلمين، إذ كانوا قلةً في مقابل جمعٍ غفير ذي عَددٍ وعُددٍ كثيرة، نزلت هناك هذه الآية: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ». فإن عرضوا الصلح، فمعنى ذلك أنكم ستكونون في موقع القوة، وستكون لكم اليد العليا، وسيقعون هم في موقع الضعف. وكان هذا تطميناً لهم. وتقول هذه الرواية التي ينقلها عبد الله بن سلام إن هذه الآية نزلت هنا في الحقيقة لتطمين المسلمين.

وعلى أيّ حال، فإن النبي يرسل هنا رجلاً: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قُرَيْشٍ»، أي أرسل النبي رجلاً. وذلك في وقتٍ قد حُشدت فيه الجيوش واصطفّت الصفوف للقتال. وأريد أن أبيّن نزعة النبي إلى السلم في هذه اللحظة الأخيرة؛ ففي هذه اللحظة الأخيرة التي هيّأ فيها المسلمون صفوفهم، واصطفّ المشركون، والجيشان متأهّبان للقتال، يرسل النبي مرة أخرى رجلاً إلى قريش قائلاً: يا معشر قريش، «إِنَّا أَجْدَرُ مِنَ الْعَرَبِ أَنْ لَا نَبْغِيَ الْعَيْبَ»، أي لن تجدوا فيكم ولا في العرب أحداً أشدّ كراهيةً لبدء الحرب مني، فأنا أشدّ الناس استياءً من بدء الحرب وكراهيةً له. «تَخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْعَرَبِ»، أي اتركونا مع سائر العرب. فإن كنتُ صادقاً وقبلوني وآمنوا بي، فأنا في نهاية المطاف من قريش وستنالون أنتم الرفعة، وإن كنتُ كاذباً فإنهم سيقمعونني وتستريحون أنتم من الحرب، فدعوا الأمر. وبهذا كان النبي يريد أن يحول دون اندلاع الحرب. فقال عتبة بعد ذلك: «والله ما أفلح قومٌ قطُّ وردّوا»، أي ما من قومٍ يسمعون مثل هذا الكلام فيردّونه ثم يبلغون الفلاح. ثم يُروى أن عتبة ركب جملاً أحمر وأخذ يجول في جيشهم، جيش المشركين، ويقول: لا تدخلوا الحرب، فالنبي يقول هذا الكلام، ولا يريد القتال. وهو الذي قال فيه النبي: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقًا يُحِبُّهُ اللَّهُ»، «صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ»، أي إن كان في هؤلاء القوم أحدٌ فيه خير فهو هذا الجالس على الجمل الأحمر. «إِنْ يُطِيعُوهُ يَهْتَدُوا»، أي إن أصغوا إلى كلامه فإنهم سيرشدون وينجون ويخلصون. هكذا هو الإسلام في طلبه للسلم.

غير أن هذا القرآن الكريم نفسه، حين يبدأ الهجوم من جانب العدو، وحين يكون المسلمون في موقعٍ قد هاجمهم فيه العدو، يقول في آيات متعدّدة، دوّنتُ إحداها هنا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» أو «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ»، أي شجِّع المسلمين على الخروج إلى القتال. «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ»، أي إن كنتم عشرين غلبتم مئتين، وإن كنتم مئةً غلبتم ألفاً، فالواحد منكم يغلب عشرة. فذلك الإسلام نفسه، وذلك القرآن نفسه، وذلك النبي نفسه الذي هو بهذا القدر من طلب السلم، إذا كان في موقع الدفاع، في موقعٍ فُرضت عليه فيه الحرب وهاجمه العدو، فإنه يقاوم ببسالة ويقاتل ببسالة. ولا منافاة بين هذا القتال البطولي الشجاع وبين نزعة السلم الكامنة في ذات الإسلام. ولنترك هذا البحث إن شاء الله إلى وقت آخر.

والنقطة التي أريد أن أخصّص لها الليلة بضع دقائق هي أننا نعيش الآن ظرفاً تاريخياً خاصاً. فلو نظرتم إلى ما يقوله المحلّلون في هذا الأسبوع، لوجدتموهم يقولون إن هذه الحرب ستُحدث تغييراً جوهرياً في العلاقات الدولية؛ فأوضاع العالم قبل هذه الحرب وبعدها، سواء انتصرت إيران في هذه الحرب أم لم تنتصر، آخذةٌ في التغيّر. هذه نقطة تحوّل تاريخية. والظروف الحالية ظروفٌ خاصة. والتصوير الذي يقدّمونه هو أن التاريخ نهرٌ جارٍ، وأن المجتمع في كل زمان مقطعٌ من هذا التاريخ؛ أي أن اللحظة التي كانت مثلاً قبل عشر سنوات تصبح مقطعاً من هذا التاريخ، والتاريخ قد مضى ولم يبقَ هناك. التاريخ نهر. وأحياناً يجري هذا النهر في صحراء منبسطة؛ ولذلك ترون أنه لا يقع على مدى مئتي سنة أو ثلاثمئة سنة تغيّرٌ يُذكر في حياة الناس، وفي نمط عيشهم، وفي علاقاتهم الاجتماعية، وفي ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم. فالابن يعمل العمل نفسه، ويعيش في الظروف نفسها التي عاش فيها أبوه، وفي المدينة نفسها التي عاش فيها جدّه وأجداده. لا يحدث أيّ فرقٍ خاص ولا أيّ تغيّر خاص. وهذا ما يسمّونه سير التاريخ في سهلٍ منبسط. وأحياناً تكون هناك بعض الارتفاعات والانخفاضات، وتقع بعض الأحداث. وأحياناً يجري هذا النهر في منطقة جبلية، فالتغيّرات دائمة والتحوّلات دائمة. والآن فإن سرعة تغيّر الظروف بلغت حداً لا يستطيع الإنسان معه أن يكيّف نفسه أصلاً، فالأوضاع تتغيّر بسرعة. ولذلك فإن دراسة التاريخ وما جرى على السابقين حتى اليوم أمرٌ ضروري، كي يفهم الإنسان ما هو دوره الآن، وأين يقف الآن. ومن هنا كل هذا التأكيد الذي نجده في القرآن؛ فالقرآن يقول أحياناً بصيغة الأمر: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ»، أي اذهبوا وتفحّصوا، اذهبوا وانظروا، وسيروا في الأرض، وانظروا في تاريخ السابقين. وأحياناً يقول بصيغة المساءلة: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ»، أي فليسيروا في الأرض ولينظروا ماذا حلّ بالسابقين. فتأكيد القرآن في الحقيقة هو أن ادرسوا أحوال السابقين، واقرؤوا التاريخ، وانظروا ما كانت السوابق، وما الأحداث التي وقعت، وما المراحل التي اجتازها أسلافكم. ولأمير المؤمنين في هذا المجال تأكيدات كثيرة جداً. ففي رسالته المعروفة إلى الإمام المجتبى، «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِبَادِ اللَّهِ»، الموجّهة إلى الإمام المجتبى، يؤكّد (عليه السلام) تأكيداً بالغاً على دراسة التاريخ، فيقول: لقد درستُ تاريخ السابقين حتى «كَأَنِّي بِأَحَدِهِمْ»، أي كأنني صرتُ واحداً منهم، أعيش في تلك الأجواء، وأتنفّس في تلك الأجواء، وألمس بيئتها. وخلاصة القول إن دراسة التاريخ مؤكَّدٌ عليها في القرآن، ومن أمير المؤمنين، وقد أكّد عليها علماؤنا الكبار كثيراً.

وهو كذلك أمرٌ دُرس كثيراً في القرنين الأخيرين؛ أي الأبحاث المتعلقة بفلسفة التاريخ بوصفها حقلاً دراسياً يتناول التاريخ بوصفه كائناً حياً يمكن دراسته: ما المراحل التي اجتازها، وما الأحوال التي مرّ بها، ومن ثَمّ التنبّؤ بالمستقبل على هذا الأساس. ومن أشهر الأبحاث التي جرت في هذا الشأن، والتي لعلّكم جميعاً سمعتم بها قليلاً أو كثيراً، أبحاث ماركس. فماركس يقسّم التاريخ إلى أدوار تاريخية، أربعة أدوار ماضية، ويتنبّأ على هذا الأساس بدورٍ خامس. فيقول: في البداية، حين بدأ الإنسان حياته في الحقيقة، كانت هناك مشاعيّة بدائية؛ فلم يكن لدى البشر أدوات إنتاج، وكانوا يسكنون الكهوف، ويقتاتون من ثمار الأشجار، وربما كانوا يصطادون الحيوانات ويأكلونها أيضاً. ولم يكن لأحدٍ منهم تفوّقٌ على الآخر، بل كانوا يعيشون جميعاً على حدٍّ سواء، لا أحد أعلى من أحد، وكلّهم من سكّان الكهوف، يأتون فيأكلون من ثمار الأشجار ومن النباتات، وربما قتلوا حيواناً وأكلوه. ولم تكن هناك في الحقيقة ملكيةٌ ولا تفوّقٌ لأحدٍ على آخر.

ثم في الدور التالي، أي الدور الثاني الذي يطرحه ماركس، يأتي عصر العبودية؛ أي الزمن الذي يقوم فيه شخصٌ، بما لديه من قوة أكبر، باستخدام غيره وتشغيله والانتفاع به. فهو على أيّ حال عصر الملكية، حيث يستخدم بعضُ الأفراد أفراداً آخرين ويستغلّونهم. والدور الثالث هو الدور الذي وقعت فيه الثورة الزراعية؛ إذ تعلّم الإنسان أنه يستطيع أن يزرع ويحرث. وقد وقعت الثورة الزراعية بعد مدة طويلة جداً من وجود الإنسان على الأرض. ففي البداية، حين كان الإنسان على الأرض، كان ينتفع بالنباتات والأشجار وثمار الأشجار ونحوها، ولم يكن يعرف كيف يزرع بنفسه وينمّي النبات. وبحسب تعبيرهم، فإن الثورة الزراعية تحوّلٌ يحدث في حياة البشر، فيدرك الإنسان أنه يمكن الزرع، ويمكن غرس الشجر، ويمكن زرع القمح، ويمكن الحصول على محاصيل زراعية والانتفاع بها، لا أن ينتظر حتى تنبت شجرةٌ أو نبتةٌ في مكانٍ ما وتثمر فننتفع بها. وبعد الثورة الزراعية يبدأ العصر الإقطاعي؛ أي أن الأثرياء يستخدمون الآخرين في الحقيقة ويستغلّونهم ليتمكّنوا من زراعة مساحات أوسع من الأرض. وهذا أمرٌ لعلّه لا يزال قائماً إلى حدٍّ ما في إيران نفسها وفي أفغانستان وفي البلاد الواقعة في هذه الناحية.

والمرحلة الرابعة هي ما بعد الثورة الصناعية؛ أي حين يقع تحوّل كبير في حياة الإنسان، وتُنشأ المصانع. فقبل ذلك، في العصر الإقطاعي، كان لدى الشخص عبيدٌ كثيرون، عبيدٌ وفيرون، يتكفّل بمعيشتهم وهم يعملون له، وكانت الأراضي الزراعية واسعة، وكان عليهم تسييرها، وكان هو السيّد، وهو في الحقيقة الوليّ. أما في العصر الصناعي فقد صار عبء حمل هذا العدد الكبير من العبيد ثقيلاً على كاهل الأثرياء؛ إذ كانت لديهم مصانع يأتي إليها العمّال، وهم أقلّ عدداً بكثير وأكثر إنتاجيةً بكثير. ولذلك فإن الحروب التي وقعت في أمريكا بين الشمال والجنوب، حيث كان الشماليون في الغالب صناعيين برجوازيين، والجنوبيون في الغالب إقطاعيين ومن أنصار الزراعة، وهذه المعارضة للعبودية، والثورة التي وقعت في أمريكا بوصفها حركةً مناهضة للعبودية، لم تكن لأن قلوبهم رقّت لأولئك العبيد؛ بل لأنهم كانوا في الغالب صناعيين وأصحاب مصانع، فأرادوا أن يرفعوا عن كواهلهم عبء تحمّل هؤلاء العبيد. وهكذا حلّت هذه المرحلة، المرحلة الصناعية.

وهذه الأدوار الأربعة التي مرّت على الإنسان، بحسب ما يطرحه ماركس، يتقدّم كلٌّ منها ويبلغ المرحلة التالية من خلال التناقض الذي يتشكّل بين قطبين في المجتمع. ثم يقول ماركس: لقد وصلنا إلى هنا، ونحن الآن في المرحلة الصناعية، أي في الحقيقة في مرحلة البرجوازية. ثم بين صاحب المصنع والعامل: لأن أصحاب المصانع والرأسماليين، في تنافسهم فيما بينهم لخفض كلفة السلعة وسعرها كي يكسبوا سوقاً أفضل، يضطرّون إلى زيادة الضغط على العامل، فيكلّفونه بعمل أكثر ويدفعون له أجراً أقل، حتى يخرج المنتج أرخص، فيتمكّنوا من التنافس فيما بينهم في السوق والاستحواذ عليه. وبذلك يتزايد الضغط على العامل باستمرار، فيُستخرج منه عملٌ أكثر ويُعطى أجراً أقل. وهذا الضغط على العامل سيؤدي في النهاية إلى ثورة عمّالية، فيثور هؤلاء العمّال، ويطيحون بالنظام الرأسمالي، ويزيحونه جانباً، ويستولون على البلدان. وهذا هو التنبّؤ الذي يطرحه ماركس بشأن المستقبل: أن ثورة "البروليتاريا" ستقع، وأن الحكم سيقع في يد طبقة البروليتاريا، أي العمّال. هذا هو نموذج فلسفة التاريخ القائم على الأدوار التاريخية التي يطرحها ماركس.

وقد كان لهذا رواجٌ كبير حتى ما قبل بضع سنوات، حين تراجعت هذه الأبحاث مع انهيار الاتحاد السوفيتي. ومن كان منكم أكبر سنّاً بعض الشيء يتذكّر كيف كانت هذه الأبحاث الماركسية وطروحاتهم الفكرية تبدو في بلداننا نفسها، في ظاهرها، داعيةً إلى العدالة ومحبّبةً جداً. وبعد زوال الماركسية والإخفاق الذي منيت به نظرية ماركس في التنبّؤ الذي طرحه بشأن المستقبل (وهو بحثٌ طويل لا أريد الدخول فيه، أي أن التحليل الذي قدّمه ماركس من أن مثل هذا المسار سيحدث وسيؤدي إلى مثل هذه النتيجة لم يكن تحليلاً عقلانياً في مقابل أولئك الرأسماليين أنفسهم)، فإن الطرف الآخر جاء وشنّ هجوماً مضاداً؛ بأيّ نحو؟ لا نريد الآن الدخول في هذه الأبحاث الطويلة. وعلى أيّ حال، فإن نظرية ماركس لم تنجح ولم تُثمر، ولم يدخل العالم ذلك الدور الخامس الذي كان يتحدّث عنه، أي الثورة العمّالية وحكم البروليتاريا، وقد رأينا جميعاً أنها انتهت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي طُرحت النظريات من جديد: إلى أين سيمضي العالم الآن؟ ومن أشهرها اثنتان: إحداهما لفوكوياما الذي كتب كتاب "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" سنة 1992. وقد صدر هذا الكتاب، وقال فيه: الآن، بزوال الماركسية، انتهى التاريخ؛ لأن المحرّك الدافع للتاريخ هو الحرب، فالذي يدفع التاريخ إلى الأمام ويأتي بمراحله المختلفة هو الحرب. والآن، بزوال الماركسية، لم يعد هناك منافسٌ لنظام الديمقراطية الليبرالية، وبطبيعة الحال لا حرب، وإذا لم تكن هناك حرب فإن التاريخ سينتهي: نهاية التاريخ. هذه هي النظرية التي طرحها فوكوياما، وهي نظرية مفصّلة. وفي المقابل جاء هنتنغتون، أولاً في محاضرة ردّاً على نظرية فوكوياما، ثم أخرجها بعد ذلك في صورة مقالة وربما كتاب أيضاً، فقال: كلا، بل سيكون هناك "صراع الحضارات"، أي صدام الحضارات، معركة الحضارات وحربها. صحيحٌ أن الأيديولوجيات قد زالت، ولكن الحضارات الآن ستتحارب فيما بينها؛ ولذلك لن تكون هناك نهاية للتاريخ، ولن يبلغ التاريخ نهايته، بل ستقع حروب أخرى، وسيمضي التاريخ في الحقيقة إلى الأمام. هذه في الحقيقة أمورٌ تمثّل عرضاً موجزاً وسريعاً جداً لكيفية تحليل الآخرين للتاريخ، وكيفية تفسيرهم للأدوار التاريخية.

وكثيرٌ من المفكرين المسلمين أيضاً، حين يريدون بحث التاريخ، يبحثونه ضمن الأدوار التاريخية نفسها التي طرحها ماركس؛ فهي أمورٌ عدّة مسلَّم بها. فهذه المراحل الأربع التي مرّت على الإنسان، يقبلون ذلك القالب، ويريدون أن يطرحوا البحث من منظور الإسلام ضمن ذلك القالب. ونحن الآن نريد أن نستعرض القرآن لنرى كيف يحلّل القرآن التاريخ، وكيف يطرح القرآن هذه الأدوار التاريخية، وما الأدوار التي مرّت على الإنسان بحسب ما يرويه القرآن. فالقرآن يطرح أولاً: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً»؛ فتلك المشاعيّة البدائية التي يطرحها ماركس يقبلها القرآن أيضاً في جوهرها. ففي البداية كان البشر أمةً واحدة، لا تفوّق ولا اختلاف ولا نزاع بينهم، على وفق ما يطرحه ماركس أيضاً. وقد أوردتُ هذا هنا، وإن كان الوقت قد لا يتّسع له: فالعلامة الطباطبائي (رحمه الله) في "الميزان" يطرح تقريباً التحليل نفسه الذي طرحه ماركس؛ أي أن الأمة الواحدة التي يطرحها القرآن، والخروج من هذه الأمة الواحدة إلى المراحل اللاحقة الواردة في القرآن، ما يقوله ماركس وما يقوله العلامة الطباطبائي (رحمه الله) متشابهان في الحقيقة في مواضع كثيرة؛ أي أن العلامة الطباطبائي أيضاً يطرح بحث «اسْتِخْدَامُ النَّاسِ»، وأن الإنسان بطبعه يسعى إلى استخدام الآخرين واستغلالهم. وهذه خصلة إنسانية، وهي التي أدّت إلى خروج الإنسان من حالة الأمة الواحدة ودخوله المرحلة التالية.

وقد ورد الحديث عن الأمة الواحدة في موضعين من القرآن. ففي موضعٍ، في سورة يونس، يقول تعالى: «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا»، أي كان الناس أمةً واحدة ثم اختلفوا فيما بينهم. وفي سورة البقرة يقول: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ»، أي كان الناس، البشر، أمةً واحدة، ثم بعث الله الأنبياء مبشّرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب والأوامر الإلهية، ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه. ومن اللافت أن ابن كثير ينقل أن ابن عباس كان يقرأ آية سورة البقرة هذه على النحو التالي: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ»؛ أي أنه يجمع بين هاتين الآيتين. فبحسب ما يقوله ابن كثير، كان يقرؤها على هذا النحو؛ لأن الآية الأولى في سورة يونس هي «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا»، وفي سورة البقرة «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ»، فكان يقرؤها بهذا الترتيب: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ». إذن من الواضح أن بداية بعثة الأنبياء كانت في الزمن الذي خرج فيه البشر من كونهم أمةً واحدة ووقع الاختلاف بينهم.

والآن، كم هي المسافة الزمنية بين بداية وجود الإنسان على الأرض، أي آدم أبي البشر، وزمن بعثة الأنبياء، أي الزمن الذي خرجوا فيه من حالة الأمة الواحدة؟ كم هي هذه المسافة؟ إن القرآن لم يذكر في أيّ موضع كم كانت هذه المسافة، وفي أيّ مدة عاش البشر على الأرض أمةً واحدة حتى بدأت المرحلة الثانية، وهي بعثة الأنبياء. وبعثة الأنبياء تبدأ بنوح. ففي سورة الشورى يقول تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، أي أن هذا الدين الذي أُنزل عليك أيها النبي قد أُنزل على نوح، وعلى إبراهيم وموسى وعيسى، وصولاً إلى النبي الأكرم. أي أنه منذ زمن نوح جاءت الشريعة، أحكاماً وقوانين احتاج إليها البشر؛ لأنهم خرجوا من حالة الأمة الواحدة، ووقع الاختلاف بين البشر، فاحتاجوا إلى القانون، واحتاجوا إلى ضوابط لتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الناس. فالشريعة بدأت بنوح. فكم كانت المسافة بين آدم ونوح؟ هذا لم يُذكر في أيّ موضع من القرآن، وإن كانت هناك تقديرات؛ وقد رأيتُ في موضعٍ عن ابن عباس أن المسافة بين آدم ونوح كانت مثلاً عشرة آلاف سنة. وعلى أيّ حال، تبدأ هذه المرحلة بنوح، وهي المرحلة الثانية من تاريخ البشر، أي بعثة الأنبياء، وتستمرّ حتى الثامن والعشرين من صفر سنة إحدى عشرة للهجرة حيث نبلغ نهايتها. والدين واحد: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»؛ فنوحٌ كان مسلماً، وإبراهيم كان مسلماً، وكذلك موسى وعيسى والنبي الأكرم؛ دينٌ واحد. وبتعبير اليوم، كانت نسخاً مختلفة لدينٍ واحد. فالدين الإسلامي بدأ بنوح، بحسب هذه الآية، ثم تكامل بإبراهيم وموسى وعيسى، وبلغ كماله النهائي بالنبي الأكرم. ثم قال تعالى في تلك الآية: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي». إذن ففي القرآن (لم أدوّن المواضع هنا، ولكن ابحثوا تجدوها بدقة) لدينا وصف الإسلام لنوح، ولإبراهيم، ولموسى، ولعيسى. ويقول السادة في الترجمات إن معناه التسليم لأمر الله؛ كلا، بل كان مسلماً. الدين الإسلامي هو الدين الإسلامي. والدين الإسلامي ليس ديناً خاصاً بالنبي الأكرم، فدين نوح أيضاً كان الإسلام؛ الشرائع كانت مختلفة والدين واحداً، الدين واحد والشرائع مختلفة. فنسخةٌ هي إسلام نوح، ونسخةٌ هي إسلام إبراهيم، ونسخة موسى، ونسخة إسلام عيسى، والنسخة الكاملة والنهائية التي هي إسلام النبي الأكرم. وعليه، فبعد هذه المرحلة الثانية من تاريخ البشر، وهي عصر بعثة الأنبياء، ندخل برحيل النبي الأكرم في الدور الثالث من تاريخ البشر، الذي قال عنه أمير المؤمنين عند رحيل النبي: «انْقَطَعَ السَّمَاعُ»؛ فقد كان الأمر عظيماً إلى حدّ أنه بموتك يا رسول الله انقطع شيءٌ لم ينقطع بموت أحدٍ غيرك، وهو صلة الوحي بين السماء والأرض؛ فقد انقطعت الصلة بين السماء والأرض برحيل النبي الأكرم. أي أن هذا الدور من حياة البشر، وهو دور بعثة الأنبياء، قد انتهى، ودخل البشر في الحقيقة الدور التالي، وهو دور تُرك فيه الإنسان لنفسه في رحاب العالم، ليدبّر أمره بنفسه على أساس التعاليم التي وصلت إليه من الأنبياء. ولو لم يقع ذلك الانحراف الذي حدث في السقيفة، لعاش أمير المؤمنين بطبيعة الحال حياته الطبيعية، ثم سائر الأئمة من بعده، حتى يصل الأمر إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فيعيش هو أيضاً حياته الطبيعية وتنتهي. فماذا كان سيحدث بعد ذلك؟ أي لو لم يقع انحراف السقيفة، لعاش الأئمة واحداً بعد آخر حياتهم الطبيعية حتى القرن الرابع، ثم كان على البشر بعد ذلك أن يمضوا في مسيرهم مستعينين بتلك التعاليم نفسها التي تلقّوها من الأنبياء.

ومن الإشكالات التي قد ترد على نظرية الأدوار التاريخية القرآنية التي ذكرتها، مسألة هابيل وقابيل، وينبغي أن تُعالج هي الأخرى معالجةً وافية؛ إذ إنه بحسب هذه الصورة التي استخلصناها من القرآن، كان الناس من زمن آدم أبي البشر إلى زمن نوح أمةً واحدة، لا اختلاف بينهم: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ». إذن في هذه المدة، سواء أكانت عشرة آلاف سنة أم أقل أم أكثر، ومهما بلغت، من زمن آدم إلى زمن نوح، لا ينبغي أن يكون هناك اختلاف، فضلاً عن قتل الأخ أخاه، في حين أن لدينا قصة هابيل وقابيل، وهي أيضاً تحتاج إلى معالجة في هذه النظرية. فهناك الآية القرآنية: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ»، ثم قال ذاك: «لَأَقْتُلَنَّكَ»، ووقع ذلك في النهاية، في حين أنه بحسب هذه الصورة التي استخلصناها من القرآن، لا ينبغي أن يكون قد وقع حتى زمن نوح اختلافٌ خاص وكبير بين البشر، فضلاً عن قتل الأخ أخاه الذي هو ذروة الاختلاف.

وحين نذهب إلى دراسة هذه القضية في أقوال المفسرين، نجد العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يقول في "الميزان": قال بعض المفسرين إن المراد بآدم في «ابْنَيْ آدَمَ»، «ابْنَيْ آدَمَ»، رجلٌ من بني إسرائيل كان له ولدان، فتنازع ولداه في قربانٍ قدّماه إلى الله، وفي النهاية قتل أحدهما الآخر، وكان القاتل اسمه قابيل أو قائيل، والمقتول اسمه هابيل. والدليل على هذا المعنى، كما يقول الطباطبائي، ذيل الآية الذي يقول: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» إلى آخر الآية. أي أن آدم هذا ليس آدم أبا البشر، بل كان رجلاً من بني إسرائيل. وهذه القصة تعود إلى ما بعد يعقوب، لأن بني إسرائيل هم أبناء يعقوب. فقضية نزاع «ابْنَيْ آدَمَ» التي قتل فيها أحدهما الآخر لا تتعلّق بابني آدم أبي البشر، أي ابني آدم وحوّاء، بل برجلين من بني إسرائيل، من زمنٍ ما بعد يعقوب مثلاً. وبالطبع فإن العلامة الطباطبائي (رحمه الله) لا يذكر اسم المفسّر القائل بهذا. ومن المفسرين من ينسبه، كرشيد رضا في تفسير "المنار"، إلى الحسن البصري، وأنه كان يعتقد ذلك. والشيخ الطوسي في "التبيان" يعدّ محمد بن بحر والزجّاج موافقين للحسن البصري في رأيه. وفي المقابل يعدّ ابن عباس، عبد الله بن عباس، ومجاهداً وقتادة موافقين لأكثر المفسرين الذين يقولون إن آدم هو آدم أبو البشر نفسه، وإن هذين الولدين هما ولدا آدم ذاك. والعلامة الطباطبائي (رحمه الله) ورشيد رضا يعدّان تفسير الحسن البصري هذا، القائل بأن آدم ليس ذلك الآدم بل رجلاً من بني إسرائيل، ضعيفاً. والشيخ الطوسي أيضاً لا يتّخذ موقفاً واضحاً، ولكن سياق كلامه يدلّ على أنه لا يقبل هذا التفسير، ويميل إلى القول المشهور. ورشيد رضا حين ينقل هذه القصة يقول إنها مأخوذة من الكتاب المقدس. فلننظر الآن في الكتاب المقدس. ففي سفر التكوين، الإصحاح الرابع، الأعداد من 1 إلى 8، يقول: وعرف آدمُ حوّاءَ امرأته فحبلت وولدت قائيل، وقالت: اقتنيتُ رجلاً بعون الرب. ثم عادت فولدت أخاه هابيل. وكان هابيل راعياً للغنم، وكان قائيل عاملاً في الأرض، أي أن ذاك كان راعياً وهذا كان مزارعاً. وبعد حين قدّم قائيل من ثمار الأرض قرباناً للرب، وقدّم هابيل من أبكار غنمه ومن أفضل أجزائها قرباناً. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قائيل وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قائيل جداً وانكسر قلبه. فقال الرب لقائيل: لماذا اغتظت؟ ولماذا انكسر قلبك؟ إن أحسنتَ أفلا تُقبَل؟ وإن لم تُحسن فاعلم أن الخطيئة رابضةٌ عند الباب وإليك اشتياقها، وأنت ينبغي أن تسود عليها. وقال قائيل لهابيل أخيه: هلمّ نخرج إلى الحقل. وحدث إذ كانا في الحقل أن قائيل قام على هابيل أخيه وقتله. قام قائيل على هابيل أخيه وقتله. وهذه هي القصة المشهورة نفسها التي نراها في جميع تفاسيرنا، هي هي بعينها. أما قائيل، أو كما رأيتم عند العلامة الطباطبائي (رحمه الله) قابيل أو قائيل، فالكتاب المقدس يقول قائيل وهابيل، والمشهور عندنا قابيل وهابيل. أي أن أصل القصة، كما يقول رشيد رضا، ترونه عين ما في سفر التكوين، الإصحاح الرابع، الأعداد من 1 إلى 8، وقد انتقل بعينه إلى تفاسيرنا.

وهذه القصة تعتريها عدّة مشكلات. أولاً أركان هذه القصة: الأول أن الأخوين، القاتل والمقتول، في هذه القصة التي يرويها الكتاب المقدس، كانا ابنَي آدم وحوّاء؛ فهو يقول صراحةً: وعرف آدم حوّاء امرأته فحبلت وولدت قائيل، إلى آخره. إذن فهذان، القاتل والمقتول، كانا ابنَي آدم وحوّاء. الثاني أن هابيل كان راعياً وقابيل مزارعاً. الثالث عدم القبول: فعلّة عدم قبول قربان قابيل كونه عاصياً، كما يقول القرآن: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»، «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»، وخلاصة الأمر هذا هو التعبير الذي استعمله. والرابع أن قابيل تنازع مع هابيل وقتله. وهذه الأركان لا يتّسق بعضها مع بعض. فأولاً، الأول والثاني لا يتّسقان؛ أي كان على الأرض آدم وحوّاء وقابيل وهابيل، أحدهما مزارع والآخر راعٍ، في حين أن ما يكاد يكون مسلَّماً هو أن الثورة الزراعية جاءت بعد عشرات الآلاف من السنين بوصفها ثورة، وتعلّمها الإنسان؛ فقد تعلّم الإنسان أنه يمكن الزرع ويمكن إنماء النبات. وليس الأمر أن أربعة أشخاص، آدم على الأرض، ولنقل إن لهم بضع بنات أيضاً، أي خمسة أو ستة أشخاص، أحدهم راعٍ والآخر مزارع. ولذلك فإن بعضهم، كالمرحوم الدكتور شريعتي، يعدّ قصة هابيل وقابيل أصلاً أسطورة، أي ميثولوجيا، لا يمكن أن يكون لها واقع. ففي ذلك الزمن الذي كان فيه عدد البشر على الأرض بعدد أصابع اليد الواحدة، أن يكون أحدهم مزارعاً والآخر راعياً، أمرٌ لا يمكن قبوله أصلاً. وقد كُتبت رسائل كثيرة، أطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير، في هذا الموضوع، عن أسطورة هابيل وقابيل بوصفها أسطورة؛ أي أنها لا يمكن أن تكون قصةً واقعية، أن يكونوا في ذلك الزمن، في بداية نزول الإنسان إلى الأرض، يعرفون الزراعة والرعي، فيكون أحدهم مزارعاً والآخر راعياً. وقد أجرينا دراسةً عن مقدار المسافة بين زمن وجود الإنسان على الأرض، أي كم مكث الإنسان على الأرض حتى عرف الرعي، فضلاً عن الزراعة، فوجدنا أقوالاً مختلفة تتراوح بين مليونين ونصف مليون سنة وعشرة آلاف سنة. أي أن هذا المقدار من الزمن مرّ على الإنسان حتى تعلّم أنه يمكن في الحقيقة تربية الحيوانات قطعاناً ورعيها، ويمكن الحرث والزرع والزراعة. عفواً، ما الذي يُقاطَع به؟ كلا، كانوا ينتفعون بالنباتات والأشجار والثمار ونحوها. لماذا؟ نعم؟ نعم، والآن في كل هذه الغابات، هل زرع الإنسان كل هذه في البداية؟ كلا، ثم إنه نعم، وهو أمرٌ مسلَّم؛ أي أن يتعلّم الإنسان أنه يمكن زرع بذرة، ويمكن إنماؤها على هذا النحو، فهذا يحتاج إلى تعليم ويحتاج إلى عمل، وليس أمراً يعرفه الإنسان هكذا من تلقاء نفسه. سنصل إلى ذلك، ولننظر الآن في القصة. تفضّلوا.

حسناً، أقول: في هذه المدة التي يقولون إنها كانت عشرة آلاف سنة بين آدم ونوح، في هذه المدة، حسناً، تعلّموا، تعلّموا كثيراً. كلا، انظروا، أما هذه القصة، أن نقول إنه في البداية حين كان على الأرض أربعة من البشر كانوا يعرفون الزراعة والرعي، فممّن تعلّموا ذلك يا ترى؟ فهذه أمورٌ لا وجه أصلاً لأن يقبلها الإنسان. تفضّلوا، أيّ الأنبياء ذكرتم؟ آدم؟ نقطة جيدة. فالمرحوم مطهري، إن لم أكن مخطئاً، في كتاب "التعاليم الدينية في الإسلام" أو في أحد كتب الأستاذ مطهري، يذكر ما يشبه هذا الذي قلتموه: فحين هوجمت المدينة في زمن يزيد، وما قيل عن عدد الرضّع الذين كانوا في مهود من ذهب ونحو ذلك، يقول الأستاذ مطهري: هل هذا مقبول أصلاً؟ هل يمكن قبول مثل هذه الأمور؟ ثم إن النقطة التي لدينا من الناحية العلمية أيضاً، تأييداً لكلام الأستاذ مطهري، هي أن لدينا في علوم الحديث بحث «نقد الحديث». أي أنه ينبغي لكم أن تنقدوا الحديث: هل يمكن أن يكون هذا الحديث قد صدر عن الإمام؟ فهناك نقدٌ سنديّ، أي أن تدرسوا الأسانيد لتعرفوا من حيث السند ما خصائص الرواة، وهل السند منقطع، ونحو ذلك، وهذا هو بحث الرجال. وهناك أيضاً النقد المتنيّ، حيث تعرضون الحديث على العقل، وعلى حكم العقل القطعي، وعلى المسلَّمات التاريخية وموازين الدراية. فلو جاءت رواية صحيحة السند تقول إن أبا عبد الله (عليه السلام) في المدينة، حين كان يفارق الدنيا، أوصى في لحظاته الأخيرة بكذا، فهل تقبلونها؟ لا تقبلونها، بل تقولون إن الإمام الحسين استُشهد في كربلاء، وهذا من مسلَّمات التاريخ. فأن يأتي حديث يقول إنه (عليه السلام) قال في المدينة على فراش الموت كذا وكذا، فهو غلطٌ قطعاً، لأنه يتعارض مع مسلَّمات التاريخ. ولذلك يجب أن توزن الأحاديث.

ولديّ نماذج، ولكن الوقت يمضي ولا يتّسع لأن أعرضها عليكم، وسأذكر نموذجاً واحداً فقط. اذهبوا إلى تفسير "البرهان" وانظروا ذيل الآية «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى»، «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى»، فقد أورد سبع روايات أو ثماني أو عشراً. ويقول المرحوم البحراني هناك: إنه في الأيام الأخيرة من حياة النبي، وقد كان النبي طريح فراش الموت، جاء أهل البيت إلى النبي فقالوا: ألا تعيّن لنفسك خليفة؟ ألا تعيّن لنا وليّاً؟ فلم يُجب النبي في اليوم الأول. ثم جاء أهل البيت مرة أخرى في اليوم التالي، فلم يُجب النبي في اليوم الثاني. وفي اليوم الثالث جاء أهل البيت إلى النبي يسألونه عن الخليفة والوليّ وما إلى ذلك، فقال النبي: الليلة، قرب السحر، ينفصل نجمٌ من السماء فيأتي ويسقط في دار أحدكم، فمن سقط في داره فهو خليفتي. وبعض هذه الروايات منقولة عن ابن عباس، إذ يقول: في تلك الليلة كان أبي العباس، وهو على أيّ حال كبير بني هاشم، أكثر الناس أملاً بأن يسقط هذا النجم في داره. وظلّ الصحابة جميعاً ينظرون إلى السماء من الليل حتى الصباح، متى ينفصل هذا النجم من السماء، وفي دار من يسقط. وقرب السحر انفصل هذا النجم من السماء، وجاء وجاء وجاء حتى سقط في دار، في فناء دار عليّ بن أبي طالب، فصار أمير المؤمنين هو الخليفة. فهل هذا الكلام مقبول؟ إن لدينا قبل ذلك بشهرين واقعة الغدير. فأن يكون أهل البيت، أي أهل بيت النبي أنفسهم، حتى اليوم الأخير في شكٍّ من أمر الخليفة، وأن يكون النبي بواسطة هذا النجم الذي من السماء... أولاً هذا غلطٌ من الناحية التاريخية، وثانياً هو غلطٌ من الناحية العلمية. فالنجم إذا انفصل من السماء وجاء، لكان شيئاً يضرب الأرض ويحطّمها! فليس الأمر كورقةٍ تنفصل من السقف فتسقط على الأرض... وفي هذا المعنى سبع روايات أو ثمانٍ من هذا القبيل، اذهبوا إلى "البرهان" وانظروا، فقد أوردها. اسمحوا بأن ينتهي بحث الأستاذ، ثم يكون لكم السؤال والجواب.

نعم، حسناً جداً. نعود إلى بحثنا. وهذه الأسئلة أسئلةٌ جيدة، وسنكون في خدمتكم بعد ذلك إن شاء الله. وعلى أيّ حال، فالنقطة الأولى لا تتّسق مع الثانية، ولا تتّسق مع الثالثة أيضاً. فانظروا، إن القرآن يقول أيضاً: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ». فما معنى التقوى؟ إن التقوى تُعرَّف بأنها امتثال الأوامر الإلهية، وأداء الواجبات، وترك المحرّمات. فإذا لم تكن هناك شريعة بعدُ، فأيّ معنى للتقوى؟ إذن من الواضح أن هذه القضية كانت بعد إرسال الرسل، وبعد أن جاءت شريعة، فحينئذٍ يكون للعاصي وغير العاصي معنى. وإلا فإذا لم يكن هناك بعدُ واجبٌ ولا حرام، فلا معنى للعاصي أيضاً. إذن فكون الحديث في رواية التوراة، الكتاب المقدس، وفي رواية القرآن معاً، عن التقوى، وأن القربان لم يُقبل لأنه كان عاصياً، يعني بوضوح أنه كان قد انتهك الشريعة وخالف أوامر الله. وهذا ينبغي بحسب القاعدة أن يكون بعد نوح، أي في زمنٍ بعد نوح، حيث جاءت الأوامر الإلهية أصلاً. وعليه فإن كل هذا يؤيّد أن نقبل ذلك الرأي نفسه للحسن البصري ومن وافقه، وهو أن آدم هذا لم يكن آدم أبا البشر، أو أن آدم هذا لم يكن ذلك الآدم، أو أن «ابْنَيْ آدَمَ» كما يُقال، فنحن جميعاً نقول أبناء آدم، ونحن جميعاً من بني آدم، ويُطلق على جميع البشر بنو آدم؛ فهذان الاثنان كانا من بني آدم، رجلين من البشر، والبشر جميعاً أبناء آدم. أي إما أن نقول إن هابيل وقابيل هذين كانا ابنَي آدمَ لم يكن آدمَ أبا البشر، بل كان رجلاً من بني إسرائيل، كما قال الحسن البصري وأمثاله. ونحن اليوم أيضاً لدينا أشخاص اسمهم آدم، فهو اسمٌ ما زال شائعاً. وقد كان لدينا في هامبورغ شابٌّ طيّب جداً اسمه آدم. وهو اسمٌ ما زال الناس يسمّون به أبناءهم. وكان أبو سنائي الغزنوي أيضاً اسمه آدم. إذن فقد كان هناك آدم غير آدم أبي البشر، وله ولدان. وبهذا يمكن القول: أما هذه الأدوار التاريخية، فلننتقل إلى البحث الأخير، حيث نريد في الحقيقة أن نستخلص من القرآن نهاية التاريخ وفلسفة التاريخ. فقد قلنا في الأدوار التاريخية إن هذه الأدوار الثلاثة تُستفاد من القرآن. أما نظرية فلسفة التاريخ القرآنية فهي في هذه الآية: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي»، «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ». فالنصر النهائي سيكون لله والأنبياء. وهذا أمرٌ نلمسه جميعاً على امتداد التاريخ. فانظروا إلى أيّ نبي، فإن القرآن يخبر أنهم جميعاً كُذّبوا وقُتلوا وعورضوا. وقد عودي التديّن وعودي الله كل هذا العداء على امتداد التاريخ، ولكن في النهاية فإن أكثرية الناس في العالم اليوم متديّنون. وهذا هو نصر الله والأنبياء، رغم كل هذه المواجهة وكل هذا العداء الذي وقع في التاريخ ضدّ الدين وعبادة الله والأنبياء. إذن فهذا الإخبار القرآني، وهذه النظرية، صحيحة: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ»، فالغلبة كانت لله والأنبياء. واليوم فإن أكثرية الناس... ربما في ذلك الزمن، نعم، أُلقي إبراهيم في النار، وقُتل أنبياء آخرون، وعيسى بحسب اعتقاد المسيحيين صُلب، وعانى أنبياء آخرون مصائب شتّى، وقُتلوا وكُذّبوا، ولكن النصر في النهاية كان للأنبياء. وكذلك في قصة أبي عبد الله، فقد استُشهد (عليه السلام) على ذلك النحو، وسُبيت عائلته، ولكن من الذي انتصر في النهاية؟ إذا نظرتم بمقياس التاريخ، فهل النصر لأبي عبد الله أم لأعداء أبي عبد الله؟ هل الذي يدوّي اليوم في العالم أكثر هو نداء أبي عبد الله أم نداء أعدائه؟ إذن فالنصر لجبهة الحق، وإن لم ينتصروا في الظاهر، كأبي عبد الله وكالأنبياء وكأمير المؤمنين، إلا أن النصر في الحقيقة لهم؛ فالمنتصر في الحقيقة هو أبو عبد الله، والمنتصرون في الحقيقة هم الأنبياء.

إذن هذا هو مسار التاريخ، وهذه هي نهاية التاريخ التي صرّح بها القرآن أيضاً في سورة الأعراف: «قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، أي قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا، فإن الله سيورث الأرض عباده المخلصين، وفي النهاية سينتصر المتقون. أو تلك الآية المعروفة من سورة القصص التي تعرفونها جميعاً: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ». إذن ففي النهاية، كثيراً ما يُسأل: في أيّ جانب ينبغي للإنسان أن يقف ليكون في الجانب الصحيح من التاريخ؟ إن الجانب الصحيح من التاريخ هو جانب الحق. فمعركة الحق والباطل كانت على امتداد التاريخ، وهي قائمة، وستبقى. فإذا وقف الإنسان في جانب الحق فقد وقف في الجانب الصحيح من التاريخ، والنصر في النهاية سيكون للحق، وإن بدا في الظاهر في ذلك الزمن، كما في أبي عبد الله والأنبياء وأمير المؤمنين، أنه يواجه الهزيمة، إلا أن النصر في الحقيقة سيكون للحق، وسيمضي التاريخ في النهاية نحو تلك الوجهة. نرجو أن يوفّقنا الله جميعاً إلى أن نميّز الجانب الصحيح من التاريخ وجانب الحق تمييزاً جيداً، وأن نثبت عليه، وأن يُرزق جميع المؤمنين إن شاء الله النصرَ الظاهري إلى جانب النصر الحقيقي.

والسلام عليكم ورحمة الله.

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

الفكر السياسي للعلامة النائيني؛ من الحكم القائم على الأمانة إلى ضرورة الدستور

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ وَ صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا وَ نَبيِّنا وَ حَبيبِ قُلوبِنا أَبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨