٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

السيرة التربويّة والأخلاق الاجتماعيّة للنبيّ الأعظم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

السيرة التربويّة والأخلاق الاجتماعيّة للنبيّ الأعظم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الأسرة التي جاءت بطفلها الرضيع إلى النبيّ (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، حين ترى أنّ ثوبه قد تنجّس، يتصبّب عرق الخجل من جبينها؛ لكنّه يقول: دعوه، اتركوه يُتمّ ما هو فيه

السيرة التربويّة والأخلاق الاجتماعيّة للنبيّ الأعظم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

السيرة التربويّة والأخلاق الاجتماعيّة للنبيّ الأعظم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)
الأسرة التي جاءت بطفلها الرضيع إلى النبيّ (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، حين ترى أنّ ثوبه قد تنجّس، يتصبّب عرق الخجل من جبينها؛ لكنّه يقول: دعوه، اتركوه يُتمّ ما هو فيه ولا تقطعوا عليه. كان يقول: «لَا تُزْرِمُوا الصَّبِيَّ» ويصبر: «فَمَا يَفْرُغُ مِنْ دُعَائِهِ...» فكان يقرأ الدعاء في مكانه ولا يغسل الطفل بالماء. فلم تكن طهارة الثوب شرطاً للدعاء؛ وحين يفرغ من دعائه، كان بالتهنئة وبالاسم الحسن الذي يختاره: «فَيَبْلُغُ سُرُورُ أَهْلِهِ...»، يبلغ بأسرة هذا الطفل منتهى الفرح والسرور؛ «وَ لَا يَجِدُونَ أَنَّهُ تَأَذَّى بِبَوْلِ صَبِيِّهِمْ»، فلم تكن تلك الأسرة تشعر أبداً بأنّ النبيّ قد انزعج وأنّه يكظم نفسه؛ بل لم يكن يخالجهم مثل هذا الشعور أصلاً.

كان يقول في نفسه: إنّه طفلٌ لا أكثر؛ بل لم يكن ينصرف من أمامهم حتّى لتطهير ثوبه لئلّا يخجلوا، وإنّما كان يغسل ثوبه لاحقاً على مهل. وقد نُقلت هذه السيرة مراراً بشأن الإمامين الحسن والحسين (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أيضاً، إذ كانت تقع مثل هذه الأمور أحياناً معهما، فكان النبيّ يداريهما.

ضرورة المداراة وسعة الصدر في المسائل الاجتماعيّة
إذا نظرنا إلى التوسعة الدلاليّة لهذا الأمر نفسه «لَا تُزْرِمُوا»، وعمّمناه على المسائل الاجتماعيّة ومشكلات الشباب وسلوكيّاتهم، ولا سيّما بناتنا وأبناؤنا، أدركنا أنّ علينا أن نتحمّلهم وأن نداريهم. وبالطبع فإنّ المداراة لا تعني التهاون في الأحكام الشرعيّة أو إغفالها؛ بل تعني أنّنا إن لم نحفظ طاقة هذا الجيل وقابليّته، فلن نستطيع بعدُ هداية النسبة القليلة الباقية منه. وإن نحن أبعدنا هؤلاء الشباب عنّا، صاروا حصّةً ونصيباً لتلك الغيلان البرّيّة، وللمفسدين، ولمن يترقّبون لحظةً بلحظة معاملاتنا الحادّة وإقصاءنا لهم.

لو لم يتحمّل النبيّ الأكرم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هذه الظروف، لما جاءت إليه غداً أيّ أسرةٍ بطفلها. فمن الذي سيتولّى الأذان في أذن المولود وتسميته؟ لكانوا غداً يضعون على الطفل اسماً لا ترضونه أنتم ولا يرضاه النبيّ. لقد اغتنم النبيّ هذه الفرصة بعينها؛ فمن أجل بلوغ ذلك الهدف السامي، وهو دعاء الخير والتسمية الحسنة، تحمّل حتّى تبوّل ذلك الطفل، لأنّه لولا ذلك لضاعت فرصة الهداية. 

لا أريد أن أدافع عن الانحرافات التي نراها في المجتمع؛ فأنا أيضاً، مثلكم جميعاً، يعتصر قلبي ألماً. ولكن علينا أن نقرّ بأنّ جزءاً من هذا الوضع يعود إلى سلوكنا نحن؛ لأنّنا لم نتحمّل، ولم نستقطب كما ينبغي، ولم نهدِ هدايةً صحيحة. ظننّا أنّنا ما دمنا نملك القوّة فإنّ كلمتنا ستمضي دائماً؛ لكن تبيّن الآن أنّ الأمور لا تسير كلّها بالقوّة والإجبار. لقد كان للنبيّ الأكرم (صَلَّی اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من نفوذ الكلمة ما يجعله يحتضن الطفل، ويصدّ المتشدّدين، ويقول: دعوه يُتمّ ما هو فيه، وسنغسل الثوب لاحقاً.

لا أحد يدافع عمّن يكسر الأعراف أو يُلحق الضرر؛ فنحن نعارض هذه الأمور. ولكنّ الزجاج المكسور يمكن تعويضه، أمّا الخسارة الكبرى التي لا تُعوَّض فهي فقدان هؤلاء الشباب، وقد فُقد للأسف جزءٌ منهم.

أحياناً يطرح فقهاؤنا الأجلّاء في تعريف «الصبيّ» مباحث فقهيّة؛ وأحياناً يعرّفه الطبيب من منظورٍ حيويّ، أو عالم الاجتماع من منظورٍ اجتماعيّ، أو المشرّع من منظورٍ حقوقيّ (كأن يُحدَّد مَن له حقّ التصويت، أو مَن يُقام عليه الحدّ). وأحياناً نقيس مقدار الفهم الاجتماعيّ لدى هذا الفرد وكيف يدرك المسائل. فإذا كنّا أصلاً لا نعدّ مجتمعاً ما من أهل التحليل وفهم المسائل الاجتماعيّة، فكيف نتوقّع أن يكون أفراده على نهجنا تماماً؟

الالتزام التامّ بالعهد والميثاق
من الأصول الأخلاقيّة والاجتماعيّة المهمّة الالتزامُ بالمواعيد. تأمّلوا في النماذج الآتية:
ينقل المرحوم الطبرسي في مكارم الأخلاق عن أحد الصحابة:

«وَاعَدْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَوَاعَدْتُهُ مَكَاناً فَنَسِيتُ يَوْمِي... فَأَتَيْتُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَوَجَدْتُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا فَتَى! لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.»
أي إنّه واعد النبيّ قبل البعثة في مكانٍ ما، لكنّه نسي يوم الموعد وساعته، ثمّ تذكّر في اليوم الثالث فذهب إلى ذلك المكان.
والنكتة اللطيفة هنا أنّ هذا الشخص كان يعرف أخلاق النبيّ معرفةً جعلته يحتمل أن يكون النبيّ باقياً في مكان الموعد حتّى اليوم الثالث! فقال (صلى الله عليه وآله): يا فتى، لقد شققتَ عليّ؛ إنّي هاهنا منذ ثلاثة أيّامٍ أنتظرك.

وينقل المرحوم الصدوق (عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ) في علل الشرائع عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَاعَدَ رَجُلًا إِلَى الصَّخْرَةِ فَقَالَ: أَنَا هَاهُنَا حَتَّى تَأْتِيَ... فَاشْتَدَّتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّكَ تَحَوَّلْتَ إِلَى الظِّلِّ؟ فَقَالَ: قَدْ وَعَدْتُهُ هَاهُنَا، وَ إِنْ لَمْ يَجِئْ كَانَ الْمَحْشَرُ...»
أي إنّ النبيّ واعد رجلاً عند صخرة، فتأخّر الرجل، وارتفعت الشمس واشتدّ حرّها على النبيّ. فقال أصحابه: يا رسول الله! ليتك تحوّلتَ قليلاً إلى الظلّ. فقال: قد واعدته هاهنا، فإن لم يأتِ فهو الذي أخلف الوعد. (ولو غيّر النبيّ مكانه لربّما جاء الرجل فلم يره).
إنّ هذا الفهم الصحيح للمجتمع وللمسؤوليّة حاجةٌ أساسيّة لمن يتولّون موقع الهداية على رأس المجتمعات الإسلاميّة.

ولاحظوا أيضاً الرواية التي ينقلها المرحوم المجلسي (عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ) عن أبي عبيدة، من أحفاد عمّار بن ياسر:


«كُنْتُ أَرْعَى غُنَيْمَةً لِأَهْلِي... وَ كَانَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَرْعَى غُنَيْمَةً... فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ! هَلْ لَكَ فِي فَخٍّ؟ فَإِنِّي تَرَكْتُ رَوْضَةً بَرِحَةً... فَقَالَ: نَعَمْ. فَغَدَوْتُ، فَسَبَقَنِي مُحَمَّدٌ وَ هُوَ قَائِمٌ يَذُودُ غَنَمَهُ عَنِ الرَّوْضَةِ... فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَاعَدْتُكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَرْعَاهَا قَبْلَكَ.»
أي: في أيّام الشباب وقبل الرسالة كنتُ أنا ومحمّد (صلى الله عليه وآله) نرعى الغنم. فقلت له: لنذهب غداً إلى الوادي الفلانيّ، فإنّ فيه مرعىً حسناً جدّاً. فقبل. فلمّا وصلتُ إلى هناك في الغد، رأيته قد سبقني، لكنّه واقفٌ يُبعد غنمه الجائعة عن المرعى باستمرار («يَذُودُ غَنَمَهُ»). فقال: لأنّي واعدتك، كرهتُ أن ترعى غنمي في هذا المرعى قبلك!

وكما يقول سعدي:
إذا استباح السلطانُ الظلمَ في نصف بيضة
شوى جنودُه ألفَ دجاجةٍ على السفافيد
وإن أكل الملكُ تفّاحةً من بستان رعيّته
اقتلع غلمانُه الشجرةَ من جذورها

اجتناب الدَّجَل واستغلال جهل الناس
ينقل المرحوم المجلسي عن الحسين بن خالد، عن الإمام الكاظم (عَلَيْهِ السَّلَامُ):


«لَمَّا قُبِضَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)... انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ.»
أي إنّه حين توفّي إبراهيم ابن النبيّ الأكرم كُسفت الشمس، فقال الناس: إنّ الشمس كُسفت لموت ابن النبيّ!
لو كنّا نحن مكانه، لربّما عددنا ذلك من كراماتنا، ولأضاف إليه المحيطون بنا طبقاتٍ أخرى. أمّا النبيّ، فما إن سمع هذا الكلام حتّى لم يكتفِ بعدم السكوت والمجاراة، بل:
«فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَ لَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا انْكَسَفَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ... ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَجَهِّزِ ابْنِي.»
أي إنّه صعد المنبر وقال: أيّها الناس! إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته. وأمر بصلاة الآيات، وبعد الصلاة أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجهّز ابنه للدفن.

ومن الطريف أن تعلموا أنّ المرحوم الكليني (عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ) ينقل أنّه في داخل بيت النبيّ، قالت إحدى زوجاته (من قبيلة كِندة)، ولم تكن ذات معرفةٍ رفيعة، حين توفّي إبراهيم:

«لَوْ كَانَ نَبِيّاً مَا مَاتَ ابْنُهُ»
أي: لو كان نبيّاً حقّاً لما مات ابنه!
انظروا كيف يكافح النبيّ خارج البيت الجهلَ والخرافات النابعة من محبّة الناس، وفي داخل البيت يواجه مثل هذه المطاعن وقلّة المعرفة.

دفع الشبهات الفكريّة والعمليّة ورفعها
الشبهات في المجتمع على نوعين: فكريّة وعمليّة. والمهمّ أن تسمح السلطة الحاكمة ووجهاء المجتمع بطرح السؤال والشبهة، وأن يجيبوا بشفافيّة. تأمّلوا في ثلاثة نماذج بارزة:

النموذج الأوّل (الشفافيّة الماليّة): ينقل المرحوم الكليني عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

«أُتِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ فَلَمْ يَسَعْ أَهْلَ الصُّفَّةِ جَمِيعاً، فَخَصَّ بِهِ أُنَاساً مِنْهُمْ... فَخَافَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ قُلُوبَ الْآخَرِينَ شَيْءٌ... فَقَالَ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الصُّفَّةِ! إِنَّا أُوتِينَا بِشَيْءٍ فَأَرَدْنَا قِسْمَتَهُ بَيْنَكُمْ فَلَمْ يَعُمَّكُمْ، فَخَصَصْتُ بِهِ أُنَاساً مِنْكُمْ خَشِينَا جَزَعَهُمْ.»
أي إنّ أموالاً (من بيت المال) وصلت إلى النبيّ، فقسّمها بين الفقراء (أهل الصُّفّة)، لكنّ المال كان قليلاً فلم يصل إلى الجميع؛ فأعطاه أحوجَهم. فدار في نفوس الذين حُرموا همسٌ: لماذا لم يُعطِنا؟ فأحسّ النبيّ، الذي كان يقسم حتّى نظراته بالتساوي بين أصحابه، أنّ سؤالاً ربّما نشأ في أذهانهم. ولم يقل: «أنا نبيّ، متّصلٌ بالوحي، لا أُسأل عمّا أفعل!» بل خرج بتواضعٍ واعتذر: «مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ... وَ إِلَيْكُمْ»، وقال: إنّ المال كان قليلاً، فأعطيناه من كانوا سيهلكون لو لم يأخذوه.

•    النموذج الثاني (رفع سوء الظنّ الاجتماعيّ): نقلت مصادر كثيرة (منها الشهيد الثاني في مُنية المريد) عن صفيّة (زوجة النبيّ):

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُعْتَكِفاً، فَأَتَيْتُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ لِيَقْلِبَنِي [لِيَرُدَّنِي]... فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْرَعَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: عَلَى رِسْلِكُمَا! إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً.»
أي: كان النبيّ معتكفاً في المسجد، فزرته ليلاً. وعند عودتي، ولأنّ الجوّ كان مظلماً، قام النبيّ ليرافقني إلى المنزل. فمرّ رجلان من الأنصار؛ فلمّا رأيا النبيّ مع امرأة أسرعا في مشيهما لئلّا يُثقلا عليه. فناداهما النبيّ فوراً وقال: على رِسلكما! هذه زوجتي صفيّة. فقالا: سبحان الله! يا رسول الله، أوَنشكّ فيك؟ فقال النبيّ: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق؛ فخشيتُ أن يُلقي في قلوبكما شبهة. (ولو سكت النبيّ لربّما استغلّ منافقو المدينة – «وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ» – هذه المسألة بعينها في الغد).

•    النموذج الثالث (الوقاية من الانطباع السلبيّ):

«أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. فَلَمَّا جَاوَزَهُ نَادَاهُ النَّبِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الرَّدِّ عَلَيْكَ خَشْيَةُ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقُولَ: سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ... فَإِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ لَا أَرُدَّ عَلَيْكَ.»
أي إنّ رجلاً لا يُحسن مراعاة الأوقات سلّم على النبيّ وهو يقضي حاجته، فردّ عليه السلام. ثمّ ناداه وقال: أتدري لماذا رددتُ عليك في هذه الحال؟ خشيتُ أن تذهب فتقول للناس: سلّمتُ على النبيّ فلم يردّ عليّ! ولكن لا تسلّم بعد هذا في مثل هذه الحال، فإنّي لن أردّ عليك. لقد كان النبيّ يحول حتّى دون هذا التوهّم والانطباع الخاطئ لدى فردٍ من عامّة الناس.
ولهذا السبب يقول أمير المؤمنين (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ) في عهده لمالك الأشتر:
«وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً، فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ، وَ اعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَ إِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.»
أي: إذا ظنّ الناس بك سوءاً (أنّ حيفاً أو ميلاً قد وقع)، فأظهر لهم عذرك وكن شفّافاً معهم («فَأَصْحِرْ» من مادّة الصحراء؛ أي: اجعل المسألة واضحةً مكشوفة)، وأبعد عنك سوء ظنّهم.
لا ينبغي للمسؤول أن يقول: «ضميري مرتاح، وقد أعددتُ جوابي للآخرة»؛ بل يجب أن يفهم المجتمع ويقتنع. ويقول (عليه السلام): إنّ هذه الشفافيّة رياضةٌ وتهذيبٌ لنفسك بأن تطأ هوى نفسك بقدمك، وهي أيضاً رفقٌ بالرعيّة ومداراةٌ لها. ومن فوائدها الأخرى أنّك غداً، حين تريد أن تُقيم هؤلاء الناس على طريق الحقّ في الأزمات («تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ»)، سيرافقونك بقلوبهم وأرواحهم.

نسأل الله تبارك وتعالى، بحرمة النبيّ المعظّم والسبط الأكبر الإمام الحسن المجتبى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) والإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أن يصون أنفسنا وأمّتنا وهذا البلد من شرّ الحوادث الخارجيّة والفكريّة، وأن يعجّل في فرج وليّ العصر (عَجَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَجَهُ الشَّرِيف).

ذكر المصيبة وقراءة العزاء للنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)
لنأخذ قلوبنا إلى المدينة، إلى جوار القبر النورانيّ لرسول الله؛ رزقنا الله جميعاً ذلك قريباً جدّاً إن شاء الله.
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيلَ اللَّهِ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَفِيَّ اللَّهِ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَحْمَةَ اللَّهِ...

إنّنا نُسلّم، لكنّ الدموع تجري من أطراف بعض العيون. ماذا فعلوا بـ«رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِين»؟
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَجِيبُ...
عسى الله أن يأتي يومٌ نقف فيه أمام القبّة الخضراء للنبيّ، فنُسلّم ونذرف الدموع.
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُبَشِّرُ...
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَذِيرُ...

نزلت الآية القرآنيّة: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏»؛ أي: قل لا أريد على الرسالة أجراً إلّا أن تودّوا أهل بيتي. ولكن يا رسول الله! يا له من أجرٍ أدّوه لنبوّتك ورسالتك!
يقول الإمام السجّاد (عَلَيْهِ السَّلَامُ): والله لو أنّ النبيّ قال: «أيّها الناس، اظلموا أهل بيتي ما استطعتم»، لما استطاعوا أن يظلموا أكثر من هذا؛ لقد بلغوا الغاية!

تعالوا آخذْ قلوبكم إلى زاوية الخَرِبة. لقد بثّت هذه البنت ذات السنوات الثلاث شكواها إلى رأس أبيها المقطوع هكذا:
أبتاه... عربد شاميٌّ يا أبتاه...
أبتاه... ضربوا عمّتي يا أبتاه...
أبتاه... ركضوا خلفي يا أبتاه...
أبتاه... شدّوا شعري يا أبتاه...
اسمحوا لي أن أقرأ لكم عزاء النبيّ ومصيبة قلبه على لسان هذه الطفلة ذات السنوات الثلاث؛ ابكوا بصوتٍ عالٍ لمصيبة النبيّ...
كان لسان حال هذه البنت:
أبتاه، أتذكر حين كنتَ تقرأ لنا العزاء؟ قلتَ: كانت لي أمٌّ في الثامنة عشرة من عمرها، كلّما أرادت أن تنهض من مكانها، وضعت يداً على الجدار ويداً على جنبها...؟
أبتاه... تعالَ وانظر، لقد صارت ابنتك ذات السنوات الثلاث مثل أمّك ذات الثمانية عشر عاماً!

آهِ يا رسول الله!
من لهيب الحمّى لم تبقَ في الجسد قوّة
ولم يكن في البال فكرٌ سوى فاطمة
تذكر خديجة وتتنهّد
أي إنّا لم نُطِق فراق الزوجة

إن بكيتَ الليلة على النبيّ سكن قلب السيّدة الزهراء؛ رحم الله من بكى على أبي النبيّ. نادت:
أبتاه! ما زال الوقت مبكراً، أيّها المسافر وحيداً لا ترحل
بحقّ روح فاطمة يا أبتاه لا ترحل
لا تتحدّث عن الليل بعدُ، فسَحَري قادمٌ في الطريق
ابقَ قليلاً يا أبتاه، فولدي قادمٌ في الطريق

واويلاه... ماذا جرى على الزهراء المرضيّة هذه الليلة؟ لا إله إلّا الله...
تقول عائشة: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَسَارَّنِي فَبَكَيْتُ...» رأيتُ فاطمة (سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْهَا)، في ليلةٍ كهذه الليلة، قد جاءت إلى محضر النبيّ، فهمس في أذن ابنته بشيء، فرأيتُ فاطمة تذرف الدموع. ثمّ همس النبيّ ثانيةً، فرأيتُ الزهراء المرضيّة تبتسم!
وبعد أن رجعت، سألتها: «فَسَأَلْتُهَا: مَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ؟» ذهبتِ إلى النبيّ فبكيتِ مرّةً وضحكتِ مرّة؟ فقالت الصدّيقة الطاهرة: لا أجيبك الآن.
فلمّا رحل النبيّ عن الدنيا سألتها مرّةً أخرى، فقالت:


«أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ هَذَا، فَبَكَيْتُ... ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقاً بِهِ، فَضَحِكْتُ...»
أي: في المرّة الأولى التي بكيتُ فيها قال النبيّ: يا زهراء العزيزة! عمّا قريبٍ أرحل من بينكم. فما إن سمعتُ ذلك حتّى بكيت... لكنّه قال بعد ذلك: يا زهراء العزيزة! لا أطيق رؤية دموعك؛ أنتِ أوّل من يلحق بي من أهل بيتي؛ وعندها ارتسمت البسمة على شفتيّ.

يا ابنتي، إنّ بكاءكِ يكسر ظهري
فلا تبكي أكثر من هذا، فإنّ قلب الله ينكسر

آهِ يا رسول الله... لم تكن تطيق رؤية دموع فاطمة، فحين نادت فاطمة بين الباب والجدار: «يَا أَبَتَاهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ... هَكَذَا يُفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ»، ماذا جرى على قلبك هناك؟ ارفع صوتك بالنحيب: يا زهراء!

اكتبوا على حاشية ورقة شقائق النعمان
إنّ الوردة لا تطيق ضغط الباب والجدار

بدموع نحيب الصدّيقة الطاهرة في عزاء أبيها رسول الله؛ يا الله...

 

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.