بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَارِئِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، بَاعِثِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَ نَبِيِّنَا أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ، وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمَعْصُومِينَ، وَ أَصْحَابِهِ الْمُنْتَجَبِينَ. رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
المقدمة وطرح البحث
أتقدّم بالتعزية بمناسبة أيام المصيبة والعزاء على أهل بيت الرسالة: رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وشهادة الإمام المجتبى (عليه السلام)، وهذه الليالي التي هي ليالي شهادة وليّ نعمتنا الإمام الرضا (عليه السلام).
قال اليوم أحد الأعزاء في مكانٍ ما على المنبر إن الأكابر قد أوصوا بأن يُقتصر في هذه الأيام على قراءة المجالس الحسينية (الروضة)، وأن يُترك الكلام لأوقات أخرى. غير أنه يبدو أنهم دعوني خطأً! لأنني إن أردت العمل بمبنى ذلك السيد، فغاية ما أستطيعه أن أُثقل عليكم قليلاً ببعض الأحاديث والمباحث الحوزوية من هذا القبيل. وأعتذر سلفاً من جميع الأساتذة والحضور الكرام، وأرجو أن يُجري الله تعالى على ذهني ولساني كلاماً نافعاً.
الموضوع الذي كان في ذهني وكنت راغباً في أن نتباحث حوله هو «روايات العِلَل عن الإمام الرضا (عليه السلام)». ومع الأسف فإن روايات العلل من الأقسام المهمة في المعارف الشيعية التي قلّما يُلتفت إليها، وقلّما تكون محوراً للأبحاث العلمية والحوزوية. ففي هذه الروايات تكمن مباحث معرفية وفيرة، ومباحث يمكن أن تفتح الطريق في الفقه وفي استنباطاتنا الفقهية؛ لكنها مع الأسف بقيت مهجورة. ودافعي هو أن يُفتح باب هذه الأبحاث في الأوساط الحوزوية، وأن تُبذل حولها تأملات أكثر جدية من قِبَل أهل النظر والأساتذة.
بيد أن مقاربتي في هذه الفرصة ليست التطرّق إلى الجوانب الاجتهادية ومسألة «ما موقع العلّة والحكمة في الاستنباط»؛ وإن كان الاهتمام بمقاصد الشريعة وعلل الأحكام في الاستنباط بحثاً واسع النطاق جداً في المباحث الفقهية اليوم. فمقاربتي هنا حديثية في الغالب وناظرة إلى «فقه الحديث»؛ لأن هذه الروايات ذات دائرة أوسع بكثير، وتشمل الجوانب المعرفية والتاريخية والكلامية أيضاً.
الدور الفريد للشيخ الصدوق وإشكالية تقطيع الروايات
لقد قام المرحوم الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) بواحد من أجمل الأعمال وأذكاها في الاهتمام بهذا القسم من الروايات. فهو وإن عُدّ في التصنيفات من المحدّثين، إلا أنه في الحقيقة محدّثٌ واسع الاطّلاع على الدنيا؛ رجلٌ كانت له أسفار كثيرة ومتعددة، ورأى بلداناً مختلفة (منها في آسيا الوسطى)، وتواصل مع عدد كبير من المفكرين. ولهذا السبب فهو بحقّ متقدّم في اختيار العناوين وتبويب الكتب
.
وتحفته في هذا المجال كتاب «عِلَلُ الشَّرَائِع» الشريف، الذي جُمع فيه نحو ألف وخمسمئة رواية في باب علل الأحكام والظواهر. كما أورد قسماً آخر من هذه الروايات في كتابه القيّم «عُيُونُ أَخْبَارِ الرِّضَا (عليه السلام)» (لا سيما في الأبواب المتعلقة بالعلل، أي الأبواب الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين والرابع والثلاثين). وهذه الأبواب الثلاثة بالغة الأهمية:
- قسمٌ منها روايات ينقلها «محمد بن سنان».
- وقسمٌ آخر روايات رواها «الفضل بن شاذان».
- والباب الثاني والثلاثون مخصّص للعلل المتفرقة.
والنقطة اللافتة والجذّابة جداً في هذه الأبواب أنها مجموعات روائية متصلة لم يطلها «التقطيع». ونحن نعلم أن التقطيع آفةٌ كبرى في فهم رواياتنا. فالمرحوم آية الله العظمى البروجردي (أعلى الله مقامه الشريف) حين أمر بتدوين كتاب «جامع أحاديث الشيعة» كان من أهمّ هواجسه تدارك هذه الآفة نفسها، أي التقطيعات الكثيرة التي قام بها صاحب الوسائل.
ولكنني أرى أننا نواجه تحدّياً أكبر، وهو «التقطيع السابق على تدوين الكتب الأربعة»؛ وهو تقطيع قلّ من فكّر في علاجه. فنحن نفتقر إلى النصوص التي تعرض كلام النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) بصورة متكاملة (وإن كانت هناك استثناءات كنهج البلاغة والصحيفة السجادية أو بعض الرسائل). والأبواب المذكورة في عيون أخبار الرضا من سنخ هذه النصوص المتصلة التي لم تمسّها يد التغيير.
ففي كثير من كتبنا الروائية صارت الروايات أشبه بالأمثال السائرة؛ أي لدينا سطران من السند وسطرٌ واحد فقط من المتن (مثلاً في الصبر أو الزهد). وفي خضمّ ذلك يضيع جوّ الصدور، وما تقدّم الكلام وما تأخّر عنه. أما في روايات العيون المتصلة فلم تضِع هذه الفوائد.
ثمرات التعمّق في روايات العلل
إذا أردنا أن ننظر بصورة منهجية إلى فلسفة الاشتغال بهذه الروايات، فيمكن تصوّر خمس فوائد أساسية لذلك:
- إظهار عقلانية التعاليم الدينية: تُثبت هذه الروايات أن الأحكام الدينية ليست أموراً تعبّدية محضة لا يمكن التفكير فيها. فالشارع المقدّس يقدّم التوضيح والتبيين في المسائل العبادية المحضة وغير العبادية على حدّ سواء.
- انفتاح باب السؤال والجواب: تبيّن إلى أيّ مدى كان الأئمة (عليهم السلام) يجيبون عن الأسئلة بسعة صدر.
- تهيئة الأرضية للتفكير والتعقّل: بيانُ العلّة يدفع ذهن المخاطَب إلى الحيوية.
- ترسيخ ثقافة الحوار في المجتمع الإيماني.
- التنوير والإقناع: توصل الاعتقاد الديني إلى مرحلة الاقتناع الباطني.
وهنا لا بدّ أن أشير إلى مغالطة شائعة؛ إذ يقع بعض الأساتذة والمثقفين أحياناً (بل حتى الأستاذ ملكيان في بعض المواضع) في هذا الخطأ فيقولون: «بما أن الدين أمرٌ تعبّدي، فلا مجال للتعقّل فيه!»
وهذا خطأ كبير. فنقيض التعقّل ليس «التعبّد»، بل «التعصّب». والتعبّد الديني لا يعني بأيّ وجه من الوجوه التعصّب الأعمى، بل هو قابل للجمع مع التعقّل تماماً. أي إن الربّ الحكيم قد أصدر أمراً، وفي الوقت نفسه ترك طريق التفكير والتأمل والحوار والمباحثة فيه مفتوحاً.
فمثلاً يعترض المستشكلون الغربيون على قصة النبي إبراهيم (عليه السلام) في القرآن، ويعدّونها رمزاً للتعبّد المحض (أي الطاعة العمياء)؛ في حين أن القرآن ينقل ثلاث قصص محورية عن إبراهيم (عليه السلام)، اثنتان منها قائمتان تماماً على الاستدلال والتعقّل!
إحداهما قصة إحياء الطيور، حيث يقول إبراهيم نفسه: «لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (أي: أريد أن يطمئن قلبي وأبلغ اليقين العقلي والشهودي). والأخرى مناظرته الفريدة مع طاغوت زمانه (نمرود) حول طلوع الشمس وغروبها، وهي استدلال من أولها إلى آخرها. نعم، هناك أيضاً قصة ذبح إسماعيل التي تمثّل ذروة التسليم؛ لكن لا ينبغي إغفال ذينك البُعدين العقليّين العظيمين ونسبة كل شيء إلى التعبّد المحض.
خمس صور من المعارف الأصيلة في مرآة العلل
اسمحوا لي أن أشير، من بين مئات الروايات في هذين الكتابين (علل الشرائع وعيون أخبار الرضا)، إلى خمسة نماذج جذّابة (فقهية ومعرفية):
الصورة الأولى: الفرق بين قضاء الصلاة والصوم للنساء
لماذا يجب على النساء قضاء ما فاتهنّ من الصوم في أيام العادة الشهرية، بينما لا يجب عليهنّ قضاء الصلاة؟
في الروايات المقطّعة (كروايات أبان بن تغلب في باب إبطال القياس)، حين يريد أبو حنيفة أن يقيس، يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
«فَمَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصِّيَامَ وَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ كَيْفَ يَقُومُ لَكَ الْقِيَاسُ؟» (أي: فكيف تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ إن الدين لا يتّفق مع القياس).
وظاهر هذا النوع من الروايات أن هذا الفرق سرٌّ تعبّدي محض لا ندركه. ولكن حين نرجع إلى روايات الفضل بن شاذان في عيون أخبار الرضا، نجد الإمام الرضا (عليه السلام) يحلّل المسألة ببيان لطيف جداً وعقلاني:
«فَمِنْهَا أَنَّ الصِّيَامَ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ خِدْمَةِ نَفْسِهَا وَ خِدْمَةِ زَوْجِهَا وَ إِصْلَاحِ بَيْتِهَا وَ الْقِيَامِ بِأُمُورِهَا وَ الِاشْتِغَالِ بِمَرَمَّةِ مَعِيشَتِهَا، وَ الصَّلَاةُ تَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ... لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ مِرَارٌ...»
يقول الإمام إن الصوم لا يمنع المرأة من الاهتمام بشؤون حياتها وأسرتها وراحتها (فهو مجرّد امتناع عن الأكل والشرب، ولا تنشغل به أعضاء البدن). أما الصلوات اليومية فهي متكرّرة وتحتاج إلى انشغال الجوارح. فلو كان على المرأة أن تقضي جميع صلوات هذه الأيام (عشرة أيام مثلاً) في أيام طهرها، لانقطعت عن مجرى الحياة الطبيعي كلّه. وهذا يعني عناية الشريعة بطاقة الإنسان وبالتيسير في الدين؛ وهو بيانٌ معقول ومستساغ تماماً
الصورة الثانية: ملاك المسافة الشرعية (ثمانية فراسخ)
في روايات الفضل بن شاذان يُسأل:
«فَلِمَ وَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ لا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَ لا أَكْثَرَ؟» (أي: لماذا كانت ثمانية فراسخ بالتحديد هي ملاك قصر الصلاة؟).
فيقول الإمام:
«لِأَنَّ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلْعَامَّةِ وَ الْقَوَافِلِ...» (أي: لأن ثمانية فراسخ كانت بالضبط مسيرة يوم واحد للقوافل وعامة الناس في ذلك الزمان).
وهذا التعليل جديرٌ بالتأمل كثيراً في استنباطاتنا الفقهية المعاصرة. فإذا كان الملاك «قطع مسافة يوم واحد»، فهل يجري الحكم نفسه بالكيفية نفسها اليوم، ونحن نقطع مئات الكيلومترات في بضع ساعات بالطائرة أو السيارة السريعة؟ هذه من بركات روايات العلل التي تفتح آفاقاً جديدة أمام الفقاهة.
الصورة الثالثة: تحوّل الكفّارة إلى الصوم
يُسأل: إذا لم يستطع أحدٌ عتق رقبة في الكفّارة، فلماذا ينتقل تكليفه إلى «الصوم» وليس مثلاً إلى «الحج» أو «الصلاة»؟
«فَلِمَ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ الصِّيَامُ دُونَ الْحَجِّ وَ الصَّلَاةِ وَ غَيْرِهِمَا؟»
وجواب الإمام شبيه تماماً بعلّة قضاء الصوم للنساء:
«لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَ الْحَجَّ وَ غَيْرَهُمَا مِنَ الْفَرَائِضِ مَانِعَةٌ لِلْإِنْسَانِ مِنَ التَّقَلُّبِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ مَصْلَحَةِ مَعِيشَتِهِ...»
فالحج أو الصلوات الطويلة تمنع الإنسان من الكسب والعمل ورعاية معيشته؛ أما الصوم فيمكن الجمع بينه وبين العمل اليومي، ولا يُخلّ بنظام حياة الفرد.
الصورة الرابعة: سرّ عدم استرجاع فدك
سُئل الإمام الرضا (عليه السلام):
«لِمَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ أَمْرَ النَّاسِ؟» (أي: لماذا لم يسترجع أمير المؤمنين فدكاً حين تولّى الحكم، مع أنه كان يطالب بها من قبل؟).
وجواب الإمام أصلٌ أساسي في الحكم الإسلامي، إذ يقول:
«لِأَنَّنَا أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَأْخُذُ لَنَا حُقُوقَنَا مِمَّنْ ظَلَمَنَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ وَ نَأْخُذُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَ لَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا.»
حين نصل نحن أهل البيت إلى السلطة، لا نسعى وراء المطالب الشخصية وتصفية حسابات الماضي ومصالحنا الحزبية والعائلية. نحن أولياء الناس نستردّ حقوقهم المغصوبة، أما حقّنا الشخصي فنكِله إلى الله. وهذه ذروة الطهارة في السياسة.
الصورة الخامسة: لماذا لا يجتمع إمامان في زمن واحد
لماذا لا يجعل الله في زمن واحد إمامين معاً في منصب الإمامة الفعلية؟
«لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ إِمَامَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟»
يقول الإمام:
«إِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ فِعْلُهُ وَ تَدْبِيرُهُ، وَ الِاثْنَيْنِ لَا يَتَّفِقُ فِعْلُهُمَا وَ تَدْبِيرُهُمَا...»
فالإرادات والتدابير وأساليب العمل لدى البشر مختلفة؛ حتى لو كان كلاهما معصوماً. ونحن نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة أن الأئمة في مقام النورانية قبل الخلق واحد (أَنَّ أَرْوَاحَكُمْ وَ نُورَكُمْ وَ طِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ)، ولكنهم حين يأتون إلى عالم الكثرة هذا يصبحون متكثّرين ومختلفين.
يقول القرآن للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
«فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» (أي: كن صبوراً كأنبياء أولي العزم)، ويقول في موضع آخر: «وَ لَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ» (أي: لا تكن كيونس الذي نفد صبره سريعاً).
لقد كان الأنبياء مختلفين فيما بينهم؛ فأحدهم (نوح) يصبر تسعمئة وخمسين سنة ولا يدعو على قومه، وآخر (يونس) ينفد صبره أسرع بكثير. وأحدهم (يعقوب) يبكي سنين من حزن فراق ولده حتى يفقد بصره، وآخر (إبراهيم) يقود ولده الحبيب في أوج شيخوخته إلى المذبح بيده.
وفي «أنساب الأشراف» للبلاذري روايةٌ عجيبة؛ فحين كتب جماعة من الشيعة الثوريين بعد شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الإمام الحسين (عليه السلام) أن قُم بالثورة، أجابهم الإمام:
«إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأْيُ أَخِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُوَادَعَةِ، وَ رَأْيِي فِي جِهَادِ الظَّلَمَةِ رَشَداً وَ سَدَاداً... فَالْصَقُوا بِالْأَرْضِ...»
(أي: أرجو أن يكون رأي أخي الحسن في الصلح، ورأيي في جهاد الظالمين، كلاهما رشداً وسداداً... فالزموا بيوتكم في الوقت الحاضر).
وهذا يعني اختلاف ذوقين وتدبيرين! فإذا كنّا مثاليين فحسب صرنا أناساً واهمين نعيش في السحاب؛ وإذا كنّا واقعيين فحسب صرنا أناساً طلّاب رفاهية وعافية. إن نمط الحياة الشيعي هو تفاعل «المثال» و«الواقع». وواقع المجتمع له أربعة أركان: اختلاف القادة، واختلاف قدرات الناس، والظروف القهرية والطبيعية، والظروف التي يفرضها الأعداء.
رحم الله المرحوم الأستاذ الموسوي نجاد؛ ففي فترة ما قبل الثورة (السنوات الخامسة والخمسين إلى السابعة والخمسين) كان يكثر من قراءة هذا الحديث الشريف من أصول الكافي في درس الأخلاق:
«الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»
فالإمام إمامٌ، سواء قام بالسيف أو قعد لمصلحة.
زائر طوس وانعطافة إلى رثاء البقيع
يكتب المرحوم الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب «عيون أخبار الرضا» أن سبب تأليفه هذا الكتاب أن «الصاحب بن عبّاد» (الوزير الشيعي الفاضل لآل بويه) أرسل إليه بيتين من الشعر في مدح الإمام الرضا (عليه السلام)، فأراد أن يُهديه هديةً تعادلهما.
إن أشعار الصاحب بن عبّاد وثيقةٌ ملتهبة من العشق؛ شعرٌ فاض من أعماق روح محبٍّ غارق في الولاية. فهو يقول مخاطباً زوّار مشهد:
يَا سَائِراً زَائِراً إِلَى طُوسِ
مَشْهَدِ طُهْرٍ وَ أَرْضِ تَقْدِيسِ
(أي: يا من يمضي إلى طوس، ذلك المشهد الطاهر والأرض المقدّسة...)
أَبْلِغْ سَلَامِي الرِّضَا وَ حُطَّ عَلَى
أَكْرَمِ رَمْسٍ لِخَيْرِ مَرْمُوسِ
(أي: أبلغ سلامي، أنا المضطرب الحائر، إلى الإمام الرضا، وانزل عند تلك العتبة الكريمة لخير من وُسِّد في الثرى...)
وَ اللَّهِ وَ اللَّهِ حَلْفَةٌ صَدَرَتْ
مِنْ مُخْلِصٍ فِي الْوَلَاءِ مَغْمُوسِ
(أي: والله! والله! إنها أنّةٌ صادرة من صدر عبدٍ غارق في ولايتكم...)
إِنِّي لَوْ كُنْتُ مَالِكَاً أَرَبِي
كَانَتْ بِطُوسٍ الفِنَا وَ تَعْرِيسِي
(أي: لو كان أمري بيدي ولم تشغلني صروف الزمان، لحملتُ حياتي كلّها وأهلي وعشيرتي وجاورتُ طوس...)
يا سيدي! إن الدهر يضحك مني... إن همومنا وغربتنا كثيرة. وأنت نفسك عارفٌ بألم الغربة، يا علي بن موسى الرضا...
السلام علیک یا غریب الغربا...
لنمضِ إلى صحن مولانا علي بن موسى الرضا ورحابه...
كان حجّةُ الله في حجرة موصدة الباب ملقىً على التراب... يتلوّى كالملدوغ...
كانت السماء تحت جناحك، فسقطتَ على الأرض!
كان رزق العالَم كلّه من بابك، فسقطتَ على الأرض!
إن رأيتموه وقد سحب العباءة على رأسه... فاعلموا أن الغادر قد فعل فعلته...
لم يبلغ صوتُك سمعَ أحدٍ في ذلك اليوم...
ولم يكن أحدٌ من حولك، فسقطتَ على الأرض...
وجهك معفّر بالتراب، وعمامتك وعباءتك معفّرتان بالتراب...
وكانت أمّك أمام ناظريك، فسقطتَ على الأرض...
كأن مراثيكم يا أهل البيت معقودةٌ في كل مكان بمراثي أمّكم...
إن السمّ يا سيدي كان يريد كبدك من كيانك...
كانت نارٌ في كبدك، فسقطتَ على الأرض...
كان الإمام الرضا يئنّ، والجواد الأئمة يلطم رأسه...
كانت الدموع في عينيك المبلّلتين، فسقطتَ على الأرض...
أريد من هذا المكان بالذات، حيث أخذتَ قلبك إلى صحن علي بن موسى الرضا ورحابه وبكيت على إمامك بطمأنينة، أن آخذ قلوبكم إلى مكان آخر... أن آخذ القلوب إلى المدينة...
أتدرون لماذا يزور الزائر في حرم الإمام الرضا بكل هذه الطمأنينة؟ أما أجواء المدينة... أجواء البقيع...
في مثل هذا اليوم (يوم شهادة الإمام المجتبى)، لا يدعونك تبكي بحرّية عند البقيع! واأسفاه...
من هنا نصبح زوّارك يا حسن العزيز... من هنا نبكي عليك بأعلى أصواتنا... إن شاء الله يُكتب لنا جميعاً هذا العام زيارة المدينة.
اذهب وقف عند تلك القبور الأربعة الترابية الغريبة، وضع يدك على صدرك وسلِّم...
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةَ الْهُدَى... السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ النَّجْوَى... السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا حُجَجَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا...
كلّما نظرتَ إلى هذه القبور الأربعة الغريبة لا تستطيع أن تحبس دموعك؛ فتضرب صدرك بقبضتك مرةً بعد مرة وتقول: فداءً لغربتكم يا أهل البيت...
يا حسن يا روحي... فداءً لغربتك يا سيدي...
على اسمك تتأجّج الغيرة في نفوس اللاطمين...
باسمك يضطرب كلّ مجلس عزاء، يا حسن يا روحي...
من قال إنك وحيدٌ لا أحد لك ولا حرم؟ يا سيدي، إن لك في قلوبنا حرماً...
الجميع يقولون إنك شديد الشبه بأمّك؛ ذلك أنك منذ أزقّة بني هاشم... منذ تلك الطفولة... قبضتَ كفّك عمراً كاملاً...
أنا بنفسي رأيتُ أمّي... وسط الزقاق... والقاتل تارةً في الزقاق وتارةً في الدار...
ليسامحني السادة... هناك أظلموا نهار أمّكم... ورفعوا غمد السيف...
في مثل هذا اليوم سقته زوجته الملعونة السمّ... فكانت كبد الإمام المجتبى المقطّعة تتساقط في الطست...
يا حسن يا روحي... الآن أمامكم طست... وبيت القلوب يقرأ العزاء...
أمام ناظري زينب تغرق شفتاك بالدم...
لا اله الا الله...
ياقوتُ شفتيك الداميتين يصير عذاباً لأختك...
إلهي! هنا وضعوا طستاً أمام زينب... وطستاً آخر في الشام...
طستٌ هنا رأت فيه كبد الأخ المقطّعة... وطستٌ في الشام رأت فيه رأس الأخ المقطوع، ويزيدُ السكران يضرب شفتيه وثناياه بقضيب الخيزران...
علا صوتُ أنين فاطمة: يا أَبَتَاهْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ...
حملوا جنازة الأخ نحو المسجد النبوي... أرادوا أن يدفنوه إلى جوار قبر النبي النوراني... فمنع الغادرون ذلك... ركبت عائشة بغلةً وقالت: لا أسمح بذلك... واأسفاه...
ارجعوا إلى البقيع... ادفنوه في مقبرة البقيع نفسها...
فأمر اللئيم: ارشقوا الجنازة بالسهام!
فاستقرّت السهام كلّها في جسده الطاهر... أمام عيني أخيه الحسين... فداءً لمصاب قلب أبي عبد الله...
جلس في مقبرة البقيع ينزع هذه السهام واحداً واحداً من جسد أخيه ويذرف الدموع...
وقال: «لَيْسَ الْمُصَابُ مَنْ أُصِيبَ بِمَالِهِ، إِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ أُصِيبَ بِأَحِبَّتِهِ»
ليس المنكوب من سُلبت أمواله؛ بل المنكوب أنا يا حسن العزيز! إذ فقدتُ أخاً مثلك...
وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ نَادَى يَا حُسَيْن...
السَّلَامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ...
الدعاء الختامي
اللهم عَجِّل لِوَلِیِّک الفَرَج...
اللهم اجعل قلب مولانا بقية الله (أرواحنا فداه) الشريف راضياً عنّا مسروراً بنا.
وارزقنا جميعاً توفيق ترك الذنوب والمعاصي.
وامنُن علينا بالدمع واللوعة والأنين الخالص في بيت أهل البيت.
وأوصِل خُطى هذا الجمع المعزّي في هذا العام نفسه إلى مقبرة البقيع وإلى جوار المرقد النوراني للنبي وأئمة الهدى.
اللهم اشفِ جميع المرضى شفاءً عاجلاً.
وامنح جبهة الإسلام والمقاومة العزّة والنصر.
وأوصِل ثواب مجلس التوسّل هذا إلى أرواح جميع الأموات، وموتى هذا الجمع، والباذلين الكرام.
بِالنَّبِيِّ وَ آلِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.