٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

الأسس القرآنية للحكم الرشيد؛ حقوق المعارضين من منظور القرآن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. أيّها الأساتذة والفضلاء المحترمون، إنّ الموضوع الذي أعتزم أن أطرحه معكم هو «الأسس القرآنية للحكم الرشيد مع التأكيد على حقوق المعارضين من منظور القرآن». وقد اختصرتُ البحث قليلًا، وسيكون المحور الأساسي لكلامي المسألة الخطيرة لـ«حقوق المعارضين» في الحكم الرشيد؛ وذلك لأنّ من المؤشّرات الرئيسة للحكم الرشيد في الأدبيات السياسية العالمية اليوم مدى التزام السلطة الحاكمة برعاية حقوق معارضيها.

الأسس القرآنية للحكم الرشيد؛ حقوق المعارضين من منظور القرآن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

أيّها الأساتذة والفضلاء المحترمون، إنّ الموضوع الذي أعتزم أن أطرحه معكم هو «الأسس القرآنية للحكم الرشيد مع التأكيد على حقوق المعارضين من منظور القرآن». وقد اختصرتُ البحث قليلًا، وسيكون المحور الأساسي لكلامي المسألة الخطيرة لـ«حقوق المعارضين» في الحكم الرشيد؛ وذلك لأنّ من المؤشّرات الرئيسة للحكم الرشيد في الأدبيات السياسية العالمية اليوم مدى التزام السلطة الحاكمة برعاية حقوق معارضيها.

وقبل الدخول في أصل البحث، أرى من واجبي أن أشير إلى أيام أربعينية فقدان أعزّائنا من أبناء الوطن في أحداث شهر دي من هذا العام؛ تلك المصيبة التي أثكلت شعبنا الصبور حقًّا، وصارت مبعث أسفٍ وألمٍ وغصّةٍ مكظومة في المجتمع. وإنّي أعزّي العوائل المفجوعة بهذه المصيبة الأليمة، وأسأل الله تعالى لهم الصبر. وبصفتي طالبًا من طلبة العلوم الدينية، أطالب المسؤولين المعنيّين بأن يخطوا خطوات، عبر تشكيل لجنة مستقلّة لتقصّي الحقائق، نحو كسب الثقة العامة، ومواساة المتضرّرين، ومعالجة مشكلاتهم. وكذلك فإنّ إطلاق سراح الأعزّاء الذين نزلوا إلى الشوارع لمجرّد التعبير عن احتجاج سلمي هو من المطالب الجادّة. ونحن ما زلنا لا نعرف الأبعاد الدقيقة لهذه الأحداث؛ فللجهاز الحاكم روايةٌ، وللمجتمع تفسيرٌ آخر، وقد زادت هذه الازدواجية من الغموض وانعدام الثقة السابقَين. ومقتضى الحكم الرشيد هو الاستجابة الشفّافة لمثل هذه المطالب. ومن الطبيعي أنّ الكلام في مثل هذه الظروف المتوتّرة والهشّة ثقيلٌ جدًّا، وأنا أقول هذا الكلام وفي حلقي غصّة.

مفهوم الحكم الرشيد ومؤشّراته

للدخول في البحث القرآني، ينبغي أن أقدّم أوّلًا تعريفًا لـ«الحكم الرشيد» (Good Governance) ومؤشّراته في النظام الدولي، لكي نتمكّن بعد ذلك من عرض رؤية القرآن عليه. ومع أنّ تخصّصي ليس في مجال العلوم الاجتماعية، وأنّ مباحثي مبنيّة على تخصّصي الحوزوي في الفقه والأصول والقرآن والحديث، فإنّ ذكر هذه المقدّمات ضروري.

لقد استقطب مفهوم الحكم الرشيد اهتمام الباحثين في العقود الثلاثة الأخيرة. وهم يعتقدون أنّ الحكم الرشيد يحتاج إلى ديمقراطية شفّافة وآليةٍ تكسب الثقة العامة. ويجب أن تكون المؤسّسات التنفيذية والحاكمة خاضعة للمساءلة، وأن تتجنّب إلقاء المسؤولية بعضها على بعض. كما أنّ المشاركة الفاعلة لجميع الطبقات والفئات الاجتماعية والسياسية ضرورية؛ ففي مثل هذا المجتمع لا معنى لمواطنٍ من الدرجة الأولى ومواطنٍ من الدرجة الثانية، ويكون القانون أساس إدارة البلاد. وهذا النموذج تمرينٌ على الإدارة المُثلى للموارد، وعلى توجيه الأذواق المختلفة في مسار الأهداف الوطنية.

وقد يصل المفكّرون أحيانًا إلى ماهية الحكم الرشيد عن طريق «التعريف السلبي»؛ أي يقولون: إذا اختلّ النموّ الاقتصادي في مجتمع ما، وشاع فيه انعدام الكفاءة، وارتفع استياء الرأي العام، وتمأسس التمييز، وتشكّلت «الزبائنية» (بحيث لا تملك فرصة النموّ إلّا فئة خاصة، ويكون القانون مجرّد أداة في يدها لتبرير أعمالها، في حين يُحرم الآخرون من حقوقهم الأولية)، فلا وجود للحكم الرشيد هناك.

وإذا أردنا تصنيف المؤشّرات الإيجابية للحكم الرشيد، فعلينا الالتفات إلى الموارد التالية:

الاعتراف بحقوق المواطنين: إزالة خطوط الفصل بين «الخاصّة والأغيار»، واحترام حقوق المخالفين في الرأي والمعارضين. فالإدارة الكفوءة يجب أن تتمكّن من الاستفادة من جميع رؤوس الأموال الاجتماعية، وأن توفّر فرصًا عادلة لجميع أفراد المجتمع.

سيادة القانون: لا ينبغي أن يكون القانون أداةً لتحصين جناحٍ وقمع جناحٍ آخر. فلا يصحّ أن تتفوّه فئةٌ بحرّية بأشدّ الإهانات تحت عناوين مختلفة وتبقى في مأمن، في حين يُتّهم شخصٌ آخر بالارتداد لأدنى نقد. والتطبيق العادل للقانون يستلزم جهازًا قضائيًّا مستقلًّا. فلا ينبغي أن يكون القاضي مجرّد منفّذٍ لأوامر الضبّاط الأمنيين؛ وإلّا تحوّلت السلطة القضائية إلى آلةِ توقيعٍ للمؤسّسات الأمنية.

الشفافية والتدفّق الحرّ للمعلومات: سهولة وصول الناس إلى المعلومات التي ليس لها طابع أمني. وأمير المؤمنين (عليه السلام) يصرّح في كتابه إلى مالك الأشتر بأنّ الحاكم لا ينبغي أن يخفي عن الناس شيئًا سوى الأسرار العسكرية والأمنية.

المساءلة: يجب أن ترى السلطة الحاكمة نفسها خادمة. وفي مقابل التفكير الذي يرى الحكّام ممّن «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ»، يؤكّد الحكم الرشيد على لزوم مساءلة السلطة الحاكمة أمام كلّ فردٍ من أفراد المجتمع.

تحقيق الوفاق العام: يجب أن تهيّئ السلطة الحاكمة الأرضية للحوار والوفاق. أمّا استقطاب المجتمع، وإيجاد المواجهة والعنف بين الناس، فهو علامة بارزة على سوء إدارة السلطة الحاكمة وعدم كفاءتها.

الفاعلية والكفاءة: الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية وإمكانات البلاد. فاختلالات التوازن الاقتصادي والأزمات البيئية دليلٌ واضح على فقدان الكفاءة.

تحمّل المسؤولية: يجب أن تتحمّل السلطة الحاكمة مسؤولية تبعات قراراتها. والمؤسّسات الدولية أيضًا تقيّم البلدان وتصنّفها كلّ عام على أساس هذه المعايير نفسها.

همّ القرآن: حقوق المخالفين في الرأي والمعارضين

المقدّمة الثانية، وهي دعواي الأساسية التي هي حصيلة سنوات من التتبّع في الآيات الإلهية، هي: أنّ من أكبر الهموم الاجتماعية للقرآن الكريم رعايةَ حقوق المعارضين. فقد كان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) مهتمًّا دائمًا بألّا تُضيَّع حقوق المعارضين. وينقسم المخالفون في الرأي والمعارضون في المنظومة القرآنية إلى ثلاث فئات: الأولى: المحاربون والمقاتلون الذين حملوا السلاح. الثانية: الأعداء الذين لهم مخالفة عقدية لكنّهم لا يلجؤون إلى السلاح. الثالثة: المنتقدون الذين لا يُضمرون عداوةً أصلًا، وإنّما هم محتجّون فحسب.

لقد وضع القرآن في شأن المحاربين (الذين لهم أشدّ أنواع المعارضة) قواعد لا نظير لها في سورة المائدة المدنية، التي نزلت في أواخر العمر الشريف للنبيّ (صلى الله عليه وآله). يقول الله تعالى في الآية الثانية: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ». فالله يحذّر من أن يؤدّي الحقد والعداوة تجاه قومٍ منعوكم بالقوّة من دخول المسجد الحرام إلى أن تخرجوا عن حدّ الاعتدال وتعتدوا. فمواجهة عداوتهم أمرٌ في محلّه، ولكنّ التعدّي ممنوع.

ويتكرّر هذا المعنى نفسه في الآية الثامنة من سورة المائدة ببيانٍ أشدّ وقعًا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ». يقول: قوموا لله وكونوا شهداء بالعدل، ولا يُخرجنّكم حقدُ الأعداء عن طريق العدالة. والعجيب أنّ القرآن يعدّ «العدل مع العدوّ» أقرب الطرق إلى «التقوى»! ويقول: احذروا أن تختلقوا المبرّرات، فإنّ الله خبيرٌ بما تعملون.

وفي شأن نطاق المواجهة يقول تعالى في سورة البقرة: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»؛ أي قاتلوا فقط الذين يقاتلونكم، لا المحتجّين ولا المنتقدين. بل لا تتجاوزوا الحدّ حتى في الحرب (وَلَا تَعْتَدُوا). فليس الأمر أنّهم إذا ضربوا ضربةً واحدة كان لكم الحقّ في أن تضربوا عشر ضربات.

ونقرأ في آيةٍ أخرى في شأن المتآمرين: «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ». فمع أنّ الحقّ قد تبيّن لهم، فإنّهم يريدون حسدًا أن يردّوكم إلى الكفر. ولكن ما أمرُ الله للنبيّ (صلى الله عليه وآله)؟ يقول: «فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا». ولدينا آيات متعدّدة تأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالصفح في مواجهة الأحقاد، لئلّا يخرج المجتمع عن مدار الأخلاق بذريعة التعامل مع المعارض.

وفي موضعٍ آخر يأمر في الظاهر بالشدّة، فانتبهوا إلى موضوع الآية: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ... فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». فالحديث هنا عن ميدان الحرب وعن الذين حملوا السلاح، لا عن منتقدٍ ضاق ذرعًا ولا سبيل له سوى الاحتجاج المدني. ثمّ إنّه يؤكّد في تتمّة هذه الآية نفسها: «فَإِنِ انْتَهَوْا»، أي إذا كفّوا فاتركوهم؛ لا تقتحموا بيوتهم، ولا تلاحقوهم في الأزقّة، ولا تلفّقوا لهم الملفّات!

أمّا في شأن المخالفين في الرأي من غير المسلمين الذين ليسوا محاربين، فلدينا آية مدهشة في سورة الممتحنة: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ». وهذه الآية مطلقة، تشمل كلّ مخالفٍ في الرأي وكلّ غير مسلم (سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم). يقول: الذين ليسوا في حربٍ معكم، ولم يشرّدوكم من دياركم، أحسِنوا معاملتهم (أَنْ تَبَرُّوهُمْ)، وتعاملوا معهم بالعدل (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ). ولاحظوا أنّه قدّم «البرّ» على «القسط». فمن يدّعي حبّ الله لا يمكنه أن يدوس حقوق المخالفين في الرأي. وإنّما ينهاكم الله عن موالاة الذين شهروا السيف: «إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ...»

نقد نظرية الجهاد الابتدائي

قد تسألون: إذن كيف أُوِّلت هذه الآيات من قِبَل بعض المفسّرين والفقهاء، وتشكّلت نظرية «الجهاد الابتدائي»؟ والواقع أنّه ليس في القرآن شيءٌ اسمه «الجهاد الابتدائي» بمعناه الفقهي المصطلح (أي تسيير الجيوش لإدخال الآخرين في الإسلام). فجميع غزوات النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانت ذات طابع دفاعي. بل إنّ آية تشريع الجهاد تصرّح بأنّ علّته الدفاع في مقابل الظلم: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا». وفي معركة بدر أيضًا، لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله) يطلب الحرب، وإنّما أراد فقط أن يُظهر القدرة الرادعة للمسلمين في مقابل قافلة قريش التي كانت قد نهبت أموالهم. ولذلك اقترح الرجوع وعدم القتال، ولكنّ بعض زعماء قريش لم يقبلوا.

ويعتقد المدافعون عن الجهاد الابتدائي أنّ آيات المداراة والرحمة (مثل لا إكراه في الدين) وهذه الطائفة من الآيات قد نُسخت بما يُصطلح عليه «آيات السيف». والآيتان اللتان تُطرحان بوصفهما ناسختين هما: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ...» (التوبة: ۵) «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ...» (التوبة: ۲۹)

ولكنّ دعوى النسخ هذه مخدوشة من عدّة جهات:

أولًا: إنّ آياتٍ مثل «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» جملٌ خبرية، وبحسب بيان المرحوم العلامة الطباطبائي، فإنّ الجملة الخبرية (التي تحكي عن واقعٍ تكويني وقلبي) لا تقبل النسخ أصلًا؛ وإنّما الأحكام الإنشائية هي التي تقبل النسخ. ويصحّ هذا أيضًا في شأن آيات أخرى مثل وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا. فهذه الجمل والمعاني ليست قابلة للنسخ حتى تُنسخ بآيات السيف.

ثانيًا: لا توجد أيّ رواية معتبرة عن المعصومين (عليهم السلام) تدلّ على نسخ هذه الآيات، والادّعاءات الموجودة، المنسوبة غالبًا إلى التابعين، ترجع إلى الصحابة.

ثالثًا: إنّ موضوع سورة التوبة ليس مطلق المشركين. فالآية الأولى من هذه السورة صريحة: «بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ». فهذه الآيات تتعلّق بتلك الطائفة من المشركين الذين نقضوا العهد وأقدموا على القتل (العهد للعهد)، لا بجميع غير المسلمين.

رابعًا: من الناحية التاريخية، لم يُراعَ تقدّم النزول وتأخّره في الناسخ والمنسوخ. فالمنسوخ يجب أن يكون متقدّمًا والناسخ متأخّرًا، وسورة المائدة (التي تتضمّن أشدّ الأوامر بالمداراة ورعاية العدالة في حقّ الأعداء) نزلت بعد سورة التوبة! فكيف يمكن أن ينزل الناسخ قبل المنسوخ، ويُنسخ الحكم اللاحق؟ ويجري هذا الأمر أيضًا في النسبة بين سورة البقرة وسورة الممتحنة التي هي متأخّرة عن البقرة أيضًا.

سيرة المعصومين (عليهم السلام) وتجنّب التطرّف

إنّ مبدأ رعاية حقوق المعارضين وقبول حقّ الاحتجاج في سيرة النبيّ وأمير المؤمنين متواترٌ تواترًا معنويًّا في وقائع مختلفة. فكثير من الصحابة كانوا يعترضون. وكان المنافقون في المدينة، وتدلّ عليهم آيات كثيرة أيضًا، ولكنّ النبيّ لم يأمر بمعاقبتهم قطّ. ويقول الله تعالى للنبيّ (صلى الله عليه وآله) في سورة هود: «فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا». فقد كان بعض الصحابة، بما لهم من روحٍ حادّة وثورية في ذلك الزمان، يريدون إجراءات عنيفة، ولكنّ القرآن يحذّر: لا تطغوا ولا تتطرّفوا. ولهذا السبب قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ»، لأنّ ضبط أولئك الأصحاب المتطرّفين كان شاقًّا عليه جدًّا.

وفي سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضًا نرى أنّ الخوارج كانوا يشتمونه في المسجد، لكنّه كان يصبر، ولا يسمح لأحدٍ أن يردّ على الشتم بالسيف، أو أن يقوم، بتعبير اليوم، بإجراءات نارية وثورية. وكان (عليه السلام) يقول في وصفهم: «هُمْ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا». ويقول الإمام الباقر (عليه السلام) أيضًا: «إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَنْسُبُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ حَرْبِهِ إِلَى الشِّرْكِ وَلَا إِلَى النِّفَاقِ». وفي قضايا الخوارج كان يقول: ما لم يشهروا السيف فلن أقطع حتى عطاءهم من بيت المال.

وقد ورد في رواية لطيفة جدًّا عن أهل البيت (عليهم السلام) في الفرق بين حكومة الحقّ والباطل: «إِنَّ إِمَارَةَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَتْ بِالسَّيْفِ وَالْعَسْفِ وَالْجَوْرِ، وَإِنَّ إِمَارَتَنَا بِالْحِلْمِ وَالتَّأَلُّفِ وَالْوَقَارِ وَالْوَرَعِ». فقد كانت حكومة بني أمية بالسيف والتعسّف والعنف، أمّا حكومتنا فأُسسها قائمة على الحلم والألفة والوقار والورع. و«الورع» هنا يعني شدّة احتياط الحاكم في حفظ أعراض الناس ودمائهم.

الإجابة عن أسئلة الحضور

وفي شأن السؤال: «ما الحكم إذا قام المعارضون بعمل العدوّ وحملوا السلاح؟»، قلتُ: من المسلَّم أنّه إذا ثبت عبر مسارٍ قضائي عادل وشفّاف ومستقلّ أنّ شخصًا قد أخلّ بأمن المجتمع وحمل السلاح (كإحراق المساجد أو القرآن)، فيجب أن يُعاقَب بما يتناسب مع جرمه. ولكنّ هذا يستلزم وجود تلك المؤسّسات المستقلّة نفسها، ولجان تقصّي الحقائق، وجهاز قضائي مستقلّ وموثوق، لكي يُسمع صوت الناس ويُميَّز الصحيح من السقيم، لا أن يُتّهم كلّ محتجٍّ بطلب العنف. وقد فرّق سماحة القائد المعظّم أيضًا بين حقّ الاحتجاج والعنف؛ وعلينا أن نسأل: هل وفّرنا حقًّا في هذه السنوات بيئةً آمنة لهذه الاحتجاجات؟ ولماذا أصيب الشباب الذين يتحرّكون اليوم في الشوارع باليأس والإحباط، ولجؤوا إلى أشخاصٍ في الخارج على نحوٍ لم يكن متوقّعًا قطّ؟ أليس أسلوبنا في الانتخابات قد أوجد مثل هذا اليأس؟ أوَليست طريقة التعامل مع المحتجّين كذلك؟

وفي شأن الملاحظة القائلة: «إنّ القرآن في هذه الآيات حدّد تكليف المسلمين فقط، ولم يجعل مباشرةً حقًّا للمعارضين»، أقول: إنّ أصل الحقّ مفروضٌ للإنسان. وخطاب القرآن هو في الواقع دفعٌ لتوهّم وجوابٌ عن شائبة؛ فهو يريد أن يحذّر المؤمنين من أن يتصوّروا أنّه لمّا كان فلانٌ معارضًا أو مخالفًا في الرأي فقد سقطت حقوقه الإنسانية، وأنّهم مجازون في أيّ نوعٍ من التعامل معه.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَاخْذُلِ الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ. اللهمّ ارزقنا توفيق العلم والعمل في هذا الشهر المبارك، وأبعِد ظلّ الحرب والعدوان عن هذا البلد، واجعل أموات المؤمنين والمؤمنات غرقى في رحمتك الواسعة.

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

الحكم الرشيد في القرآن ونهج البلاغة؛ ماهية الفساد وسبل مواجهته

«أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.» إن الموضوع الذي عيّنتموه، أيها السادة الأعزاء والفضلاء، في هذه الأيام هو دراسة «الحكم الرشيد» في ضوء القرآن الكريم ونهج البلاغة. والمقرَّر أن يتناول كلُّ واحدٍ من الأساتذة المتحدثين في هذا المجال بُعداً من أبعاد هذا المفهوم ومباحثه.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

المشورة في الحكم؛ صفات المستشارين في نظر الإمام علي (عليه السلام)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

لا ينبغي للحكومة أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة؛ الرضا العام في عهد مالك الأشتر

آية الله كاظم قاضي زاده: لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة. «أنديشه ما» – أفادت «أنديشه ما» نقلاً عن العلاقات العامة في مؤسسة فهيم للبحوث الثقافية بأنّ الجلسة الثانية والأربعين بعد الأربعمئة من سلسلة جلسات مؤسسة فهيم، التي عُقدت بمناسبة شهر رمضان 1447 هـ في قاعة المؤتمرات بالمؤسسة بحضور جمع غفير من فضلاء الحوزة العلمية وأساتذة الحوزة والجامعة، قد شهدت محاضرة لآية الله كاظم قاضي زاده، أستاذ البحث الخارج في الفقه ورئيس مؤسسة فهيم. وفي ما يلي مقتطفات من محاضرة الأستاذ قاضي زاده:

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

آية التطهير ومكانة السيدة فاطمة (سلام الله عليها) في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ وَ صَلَّی‌اللهُ عَلَی نَبِیِّنَا وَ طَبِیبِ نُفُوسِنَا وَ حَبِیبِ إِلَهِ الْعَالَمِینَ أَبِی‌الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَی مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ الْمُقَرَّبِینَ. إنه لتوفيقٌ أن أكون دقائق معدودة في محضركم، أيها السادة الكرام والأساتذة الأجلّاء. وآمل أن يكون ما يُقال في هذا المحفل النوراني، المنعقد بمناسبة المولد الميمون السعيد للصدّيقة الكبرى السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، مرضيًّا لله تعالى، وأن ينتفع به الأعزاء إن شاء الله. ومحور حديثي الآيات الشريفة التي تُليت، ولكنني أعرض بوصفها مقدمةً نكتةً تفسيرية.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨