مقدمة وتأمّل في سورة العصر
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَ نَبِيِّنَا أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَيِّنَةِ الْمَعْصُومِينَ.» «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.» سورة العصر المباركة من السور المكية، وقد حظيت في القرون الإسلامية الأولى باهتمام المفسّرين أكثر بكثير مما حظيت به في القرون اللاحقة؛ فهم لِما كانوا يتنفّسون في أجواء نزول الآيات، ربما أدركوا حقائق باتت اليوم بعيدة عن متناول فهمنا. لقد كانت الأيام الأولى للبعثة في مكة أيامًا عصيبة وثقيلة جدًّا على المؤمنين، حتى إنهم اتخذوا ملاجئ ومخابئ كانت، بتعبير الثوريين في زمن النضال، أشبه بـ«البيوت السرّية»؛ كبيت «زيد بن أرقم» الذي كان يُعدّ من جملة هذه القواعد. وكان المؤمنون يجتمعون في هذه الحلقات الصغيرة في ظلمة الليل، فيتداولون أحاديثهم ويضعون خططهم، وعند الوداع يضع بعضهم يده في يد بعض ويتلون سورة العصر؛ فكان وداعهم في الحقيقة بسورة العصر. ويقول محمد بن إدريس الشافعي في هذا الشأن: لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يأتِ لهداية البشرية إلا بهذه السورة وحدها لكفت؛ وهو قول جدير حقًّا بالتأمّل في مجمله.
طرح البحث ومفهوم العمل الصالح
في البداية، حين اقترح عليّ صديقنا العزيز سماحة آية الله قاضي زاده أن أتحدّث في هذه الفرصة القصيرة، كنت أنوي، بالنظر إلى مطالعاتي الأخيرة، أن أبحث في انعكاس نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وأبعادها في دراسات المعاصرين المصريين الذين لهم آثار جديرة بالاهتمام. لكنني عدلت عن ذلك لاحقًا، وقررت أن أطرح مضمون بحثي تحت عنوان «العمل الصالح، أو النهضة الحسينية وعاشوراء: تجلّي العمل الصالح»؛ إذ بدا لي هذا العنوان أكثر قبولًا وأشدّ جذبًا للأنظار.
إن فكرة أن لكل سورة محورًا أساسيًّا وجوهريًّا تدور حوله جميع آياتها، وإن أُشير إليها في التراث التفسيري القديم، فقد بُحثت في القرن الأخير بجدّية أكبر بكثير. ولعل أول من طرح هذا المبحث بصورة دقيقة وفنية هو الشيخ عبد الله دراز في كتابه الماتع والنافع جدًّا «النَّبَأُ الْعَظِيم». ثم اتسع هذا الاتجاه من بعده، وفي تفاسير مثل «الميزان» تناول العلامة الطباطبائي هذا الموضوع مرارًا على المستوى التطبيقي، وفي موضعين (أحدهما في سورة الحمد، والآخر في المجلد الثاني عشر بمناسبة آيات التحدّي) على المستوى النظري وبصورة صريحة.
وإذا أردنا أن نتجاوز هذه المقدمة سريعًا، فلا بد من القول إن القسم بـ«العصر» يعني الزمان المطلق؛ وإن كان بعضهم قد طبّقه على عصر النبي أو على عصر النهار، فهذه في الغالب من مصاديقه، والمفسّرون يكادون يُجمعون على معنى الزمان المطلق. وفي التفاسير مباحث بالغة الأهمية حول الصلة الدلالية الدقيقة بين «المُقسَم به» و«المُقسَم عليه».
إن الموضوع المحوري لسورة العصر، بلا استثناء، هو «مصير الإنسان». فجميع أفعال الإنسان الفردية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والثقافية لا تخرج، من حيث منشؤها، عن ثلاث حالات: فهي إما متمحورة حول الله، أو متمحورة حول الذات، أو متمحورة حول الآخرين. ورسالة السورة أن العمل إذا كان «متمحورًا حول الله» كانت عاقبته إيمانية حسنة، وإلا فالإنسان في خسران وضرر. وتركيب الكلمات في آية «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ» يدلّ على أن الإنسان غير المؤمن في منحدر السقوط.
خصائص العمل الصالح وظرف وقوعه
أما المستثنى من هذا الخسران فهو «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ». وأودّ أن أتوقف قليلًا عند تركيب «العمل الصالح». قبل مدة، ومع أنني لم أكن في مزاج الكتابة، كنت أطالع بكثافة، فخطر لي أن أنظر كيف تعامل المفسّرون مع التركيب الكثير الورود «عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (قرابة خمسة وسبعين موضعًا) و«عَمَلٍ صَالِحٍ». فقد قالوا في الغالب إن العمل الصالح هو العمل الحسن، أو العمل الذي يتّسق مع فطرة الإنسان وعقله؛ لكن هذا التركيب أدقّ وأحسّ من ذلك بكثير، وإحالته إلى أمر معلوم بنفسه قد تُوقع أحيانًا في الإشكال.
فلدينا إلى جانب العمل الصالح «العمل الحَسَن» و«العمل الفاسد» أيضًا. وأهم خصائص العمل الصالح أن منشأه إلهي ربّاني. أما العمل الحسن فقد يكون عملًا نافعًا، كبناء جسر يُنجز لرفاه الناس، لكن منشأه ليس إلهيًّا بالضرورة؛ فإذا كان عن إيمان ولمرضاة الله، لأن الله تعالى طلب مني ذلك، صار عملًا صالحًا.
والنقطة المفتاحية الأخرى أن العمل الصالح، من حيث ظرف وقوعه، هو العمل الذي يكون في تلك البرهة الزمانية والمكانية الخاصة «الاستجابة الأكثر إلحاحًا وضرورة وفاعلية». فعلى سبيل المثال، كان الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في الأيام الأخيرة من اعتكافه، فجاءه مؤمن قلق وقال إن دائنًا يشدّد عليه وهو عاجز عن أداء دينه. فقام الإمام من مكانه دون تردّد ليحلّ مشكلته؛ فلما أسرع إليه أحد المتنسّكين وسأله لماذا يترك الاعتكاف وثوابه، قال (عليه السلام): إنه سمع من جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كم هو عظيم ثواب قضاء حاجة المؤمن. وهذا يعني الالتفات إلى الزمان والقيام بأشدّ الأعمال ضرورة في تلك اللحظة بعينها
.
سيرة أمير المؤمنين في إدراك الزمان والعمل الصالح
ورد في روايات الشيعة وأهل السنة أن سورة العصر نزلت في الإمام علي (عليه السلام)، وهذا النزول ذو معنى تأويلي ومصداقي في الغالب. وفي سيرة الأئمة (عليهم السلام) يحظى الالتفات إلى «الزمان»، وإلى أن الأمور مرهونة بأوقاتها، بأهمية بالغة؛ في حين أننا كثيرًا ما نُصاب بـ«اضطراب الزمن» فنضيّع الفرص.
فبعد حادثة السقيفة التي تمزّق فيها نسيج ذلك التدبير الإلهي، لم يترك أمير المؤمنين (عليه السلام)، بوصفه محور الحق، الزمانَ يفوته؛ فكان يُركب السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ليلًا على دابّة، ويمضي إلى أبواب المهاجرين والأنصار لإتمام الحجة. ومن أسوأ رسائل معاوية إلى الإمام رسالةٌ يعرّض فيها بهذه الحادثة بالذات. فمعاوية، الذي يصفه عباس محمود العقاد في كتابه «مُعَاوِيَة فِي الْمِيزَان» بأنه شخصية بالغة السوء في الخُلق وعجيبة، يعرّض بكل وقاحة بهذه المساعي الليلية للإمام (كَانَ يَحْمِلُ فَاطِمَةَ عَلَى حِمَارٍ...).
ولكن حين رأى الإمام علي (عليه السلام) أن الماء الذي جرى لن يعود إلى مجراه، غيّر المسار، ووجد ضرورة الزمان في أمر آخر. فقد حاول أبو سفيان أن يستثير الإمام بأبيات من الشعر، لكن الإمام ردّه في الخطبة الخامسة من نهج البلاغة قائلًا: «هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَازَارِعٍ بِغَيْرِ أَرْضِهِ».
وفي الخطبة الشقشقية العميقة والدقيقة والمتسامحة، يقول الإمام مصرّحًا بمكانته المحقّة: «وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى». ومع ذلك، فإنه في قضية الشورى، مع علمه بمآلها، حضر لإتمام الحجة ومجاراة القوم (فَأَسَفَّ إِذْ أَسَفُّوا وَ طَارَ إِذْ طَارُوا). ولم يضع طوال هذه المدة العصيّ في العجلات قطّ، بل كان يقدّم المشورة بصدق في المواقف الحساسة؛ حتى قال الخليفة الثاني مرارًا: «لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ»، ونُقل نظير هذه العبارة عن عثمان أيضًا في «الغدير».
ولكن حين حان أوانه، بيّن سبب قبوله للحكم على هذا النحو: «أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ...». وخلافًا لرأي أمثال محمد جواد مغنية وعبد الكريم الخطيب اللذين فسّرا «حُضُورُ الْحَاضِرِ» بامتلاء أجواء المجتمع بالفساد، فإن معناه العربي الدقيق هو حضور الناس وإتمام الحجة بوجود الأنصار.
نهضة أبي عبد الله الحسين وتجلّي العمل الصالح في صميم الزمان
إن ما يجعل نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) متجدّدة دائمًا هو هذا الإدراك الصحيح للزمان. فقد أفرغت تداعيات السقيفة المجتمع الإسلامي من داخله تدريجيًّا، حتى إن سيد قطب يتمنّى في كتابه «العدالة الاجتماعية» لو أن الخليفة الثالث لم يتولَّ الحكم كي لا تتشكّل تلك المفاسد. وفي مثل هذه الأجواء المشحونة بالفتنة التي ضاع فيها الحق (بتعبير السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها: «أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا»)، لو لم ينهض أبو عبد الله لما بقي في القلوب أثر من شريعة النبي ولا من هيبة الإسلام.
لماذا لم ينهض الإمام الحسين (عليه السلام) في زمن معاوية؟ لأن الوقت المناسب لم يكن قد حان بعد، وكان بينهما عهد. فقد جمع في مِنى سبعمائة من الصحابة والتابعين، وفي خطبة عجيبة وبليغة جدًّا أخذ عليهم العهد أن يمضوا فيفضحوا الوجه الفاسد للنظام الأموي في ديارهم؛ ثم آخذ معاوية في رسالة شديدة اللهجة على نقضه العهد وعلى جرائمه. ومع ذلك، لم يكن موعد الخروج قد حلّ بعد.
ولكن حين حان الوقت، خرج الإمام من المدينة، وأقام في مكة أربعة أشهر وخمسة أيام؛ وهي مدينة كان أهلها دائمًا على خلاف مع أهل البيت. وفي هذه المدة كانت له مجالس، واشتغل بالتنوير، وروى للناس أحاديث الغدير والولاية.
وفي تلك الأيام نفسها جرى حوار بالغ الأهمية بين عبد الله بن عمر والإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ اقترح عبد الله بن عمر المصالحة والبيعة ليزيد، فقال الإمام: «أتدعوني إلى البيعة لمن تعلم ما قاله جدّي في أبيه وجدّه؟ أَ تَعْلَمُ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ؟»
ومن الاستراتيجيات المهمة لبني أمية إنكار انتساب الحسنين (عليهما السلام) إلى النبي. ينقل ابن أبي الحديد أن عمرو بن العاص كتب رسالة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يعرّض فيها قائلًا: «لماذا يقول الحسن والحسين إنّا ابنا رسول الله؟ إنهما ولداك، فما شأنهما برسول الله!» فقال الإمام في جوابه لحامل الرسالة: «قُلْ لِشَانِئِ ابْنِ الشَّانِئِ: لَوْ لَمْ يَكُونَا وَلَدَيْهِ لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَبْتَرَ». فالله سبحانه قد نفى أن يكون النبي أبتر، وبإثبات هذا النور يتّضح أن هذين هما حقًّا ابنا رسول الله.
مجلس عزاء في غربة أبي عبد الله ومصيبة الطفل ذي الأشهر الستة
أعتذر كثيرًا إن أطلت في كلامي، وأشكركم على حسن الإصغاء. أريد الليلة أن تكونوا أنتم أيها العلماء، جميعًا، قرّاءً للعزاء.
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ، عَلَيْكَ مِنِّي سَلَامُ اللَّهِ أَبَداً مَا بَقِيتُ وَ بَقِيَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ، وَ لَا جَعَلَهُ اللَّهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ. السَّلَامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ وَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ.»
لقد اجتمعنا الليلة لنبكي على غربة سيّد الشهداء. أيّ غربة؟ تلك التي كان أبو عبد الله نفسه يردّدها: «وَ سُبِيَتْ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ حَرَمِي» و«يَا فُرْسَانَ الْهَيْجَاءِ وَ يَا فُرْسَانَ الْخَيْلِ بَرَزْتُمْ لِلْقَتْلِ». فداءً لغربتك ومظلوميتك يا أبا عبد الله! ليتكم كنتم هناك فرأيتم وبكيتم ولطمتم الرؤوس والوجوه. لنقرأ العزاء من سلامات زيارة الناحية المقدسة التي رواها السيد ابن طاووس عن لسان إمام زماننا. امضوا إلى جوار الضريح ذي الزوايا الست لأبي عبد الله، وضعوا أيديكم على صدوركم، وسلّموا على عليّ الأصغر الذي يقال إنه دُفن على صدر أبيه:
«السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، الطِّفْلِ الرَّضِيعِ، الْمَرْمِيِّ الصَّرِيعِ، الْمُتَشَحِّطِ دَماً، الْمُصَعَّدِ دَمُهُ فِي السَّمَاءِ، الْمَذْبُوحِ بِالسَّهْمِ فِي حِجْرِ أَبِيهِ، لَعَنَ اللَّهُ رَامِيَهُ حَرْمَلَةَ بْنَ كَاهِلٍ الْأَسَدِيَّ...» لن أترجم هذه الفقرات؛ فأنتم تدركون بأنفسكم عمق الفاجعة فتبكون. تقبّل الله زيارتكم.
ولكن منذ الغد يمنعون الماء؛ فتذكّروا كلما شربتم الماء. من غمّ العطش صار السهل كله سرابًا، والقلب يحترق من عطش الأصغر الذي جفّ عنه اللبن. ولا عجب أن يعطش الولد إذا كان المولى والرباب عطشى. ليتني أموت فداءً لتلك الأم التي يتلوّى رضيعها في حجرها من العطش ولا حيلة لها. لقد تجاوز اضطراب الطفل كل حدّ، وانهارت الأم الواهنة.
ألم يقل المؤرخون لماذا جاء السهم جوابًا للشفاه الظامئة؟ «فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَذُبِحَ مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيدِ»! يكتب السيد ابن طاووس أنه حين وقعت هذه المصيبة فعل أبو عبد الله أمرين: الأول أنه وضع يده تحت الدم المتدفّق من نحر الطفل، فلما امتلأت يده دمًا رمى به نحو السماء وقال: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ». ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): لم تسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض. والأمر الثاني أنه خضّب لحيته الشريفة بذلك الدم ليلقى الله بدم عليّ الأصغر. وهناك نادى منادٍ: «دَعْهُ يَا حُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ مُرْضِعاً فِي الْجَنَّةِ».
وأصعب ما في الواقعة أنه كان قد أخذ الطفل من أمه ليسقيه، وها هو الآن ينظر حائرًا: بمَ يجيب الرباب؟ يكتب السيد ابن طاووس: لم يحمل أبو عبد الله القِماط ليسلّمه إلى أمه، بل نادى: «خُذِي يَا زَيْنَبُ»، يا زينب العزيزة تعالي وخذي هذا القِماط...
بأيّ وجه أحمل إلى الخيمة هذا الرأس المتدلّي؟ وما الحيلة مع هذا النحر الذي يقطر دمًا؟ لم يرحم أحدٌ بياضَ نحرك، فمن عادة أهل الكوفة أن يجعلوا الضيف هدفًا! لقد ضربت بيديك ورجليك ثم ابتسمت من جديد، فليُقبّل الله هاتين الشفتين الباسمتين.
يا عليّ العزيز، بمَ أجيب الرباب؟ آهٍ لقلب الحسين! اللهم بحقّ اضطرار أبي عبد الله هذا، عجّل في الفرج.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.