بسم الله الرحمن الرحیم. الحمد لله العلیم. في البدء، أتقدّم بأسمى عبارات السلام والتحية إلى جميع المستمعين والمشاهدين لهذا المحفل العلمي، وأُهدي التحية إلى الروح الطاهرة للإمام الخميني (رحمه الله) وإلى الشهداء الأبرار للثورة الإسلامية. إنّ جلسة المناظرة هذه، التي تُعقد باستضافة مؤسسة «فهيم» الثقافية والبحثية وبإدارة الأستاذ قاضي زاده، تندرج ضمن سلسلة الجلسات والمناظرات العلمية وكراسي التنظير التي تُقام في هذا المكان العلمي. ولعلم المخاطَبين الكرام، أودّ أن أشير إلى أنّ هذه المؤسسة قد وُفّقت حتى الآن لعقد أربعمئة وسبع وثلاثين جلسة تنظير، وهي تحرص على دراسة المسائل الدينية الجديدة والمستحدثة وتمحيصها بمعزل عن الاتجاهات السياسية. وكان من المقرّر أن تُعقد هذه الجلسة قبل شهر، غير أنّها أُرجئت لتزامنها مع مناظرة السيد سليماني وحجة الإسلام حامد كاشاني، وقد تحقّق هذا التوفيق الليلة. وبطبيعة الحال، فإنّ الخطوط الحمراء والأطر الحاكمة على مناظرات هذه المؤسسة قائمة على مراعاة اللياقة والأدب والاحترام المتبادل وصون المصالح العليا للبلاد.
والنقطة الأخيرة قبل الشروع الرسمي في البحث هي أنّه، خلافاً للمناظرة السابقة بين الأستاذ سليماني أردستاني والأستاذ كاشاني، لا نعتزم في هذه الجلسة الدخول في المصاديق الجزئية والأحداث التاريخية؛ ولذا لن نتطرّق إلى مباحث من قبيل إحراق بيت السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) أو كيفية استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام). إنّ سعينا هو الارتقاء بمستوى المناظرة إلى طبقات أعمق، ودراسة المباحث بمقاربة أكثر علمية وعابرة للتاريخ. ونحن في هذه الجلسة في محضر الدكتور سليماني أردستاني، الأستاذ المتقاعد في جامعة المفيد ومؤلف كتاب «القرآن والأديان»، كما نستضيف الأستاذ السيد صدرا هاشمي، مدرّس البحث الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم، اللذين لبّيا دعوة المؤسسة. ومحور حوارنا في هذه الجلسة هو تحليل «مصادر الاستنباط وفهم الدين»، وهو في الحقيقة أصل الأحكام والتفسيرات التي يطرحها الأستاذ أردستاني في مباحثه المتعدّدة وأساسها. ومن دون إضاعة للوقت وبعيداً عن الحواشي، أرجو من الأستاذ أردستاني أن يبيّن في نحو عشر دقائق مبانيه ومصادر استنباطه في فهم الدين، ثم ننتقل إلى الأستاذ هاشمي.
بسم الله الرحمن الرحیم. أقدّم السلام والتحية إلى الحضور الكرام، وإلى السيد هاشمي والدكتور فراتي. كما أشكر الأستاذ قاضي زاده على تمهيد هذه الجلسة. والحقّ أنّ ثقافة الحوار ينبغي أن تترسّخ في مجتمعنا، ولا سيما في الحوزة العلمية، أكثر فأكثر. وإن أردتُ الإجمال، فإنّ أول مواجهة لي مع علم أصول الفقه تعود إلى نحو عام 1363 هـ.ش، حين بدأت بدراسة «أصول الفقه» للمرحوم المظفر. ولمّا بلغتُ الجزء الثاني أدركتُ أنّ المصادر التي أراها لمعرفة الإسلام مختلفة تماماً عن المسار السائد. ففي مبحث «خبر الواحد» وجدتُ أدلّة حجيته غير تامة. وفي باب «الإجماع» وجدتُ أيضاً أنّ الإجماع لا صلة له أصلاً بمباني الشيعة، ولا دليل على حجيته؛ لأنّ الإجماع ليس كاشفاً عن قول المعصوم، وهو وإن كان معتبراً عند أهل السنة، فلا مكانة له عند الشيعة. وبالتزامن مع دراسة «اللمعة» والدخول في الفقه الاستدلالي، أدركتُ تدريجاً أنّ القرآن الكريم أيضاً مهجور عملياً في الفقه السائد ولا مكانة له، وكذلك العقل يفتقد مكانته الحقيقية. وهكذا انتهيتُ في ذلك العام نفسه، عام 63، إلى أنّ المربّع «الكتاب والسنة والإجماع والعقل» تقسيم غير صحيح؛ لأنّ الكتاب والعقل غائبان عملياً، وما يُطرح بوصفه سنةً وإجماعاً يرجع في الحقيقة إلى «خبر الواحد» الذي لا أرى أدلّة حجيته تامة. وبالطبع لستُ أقصد النفي المطلق لخبر الواحد، ولكن إجمالاً أنا أقبل السنة، لا خبر الواحد بالضرورة بتعريفه السائد.
وتدريجاً، ومن خلال التأمّل في النصوص الدينية، أدركتُ أنّ لدينا حجّتين: «النبي الباطن» وهو الفطرة والعقل، و«النبي الظاهر» وهو الكتاب والسنة. كما التفتُّ إلى أنّ الرؤية التقليدية وإن رفعت شعار الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فإنّها في مقام العمل تعتمد على التوالي على «الإجماع والشهرة وخبر الواحد»؛ شهرةٍ لا أصل لها ولا أساس، وإجماعٍ غير متحقّق، وخبرِ واحدٍ حجيته مخدوشة. ومن ثَمّ فإنّ مصادري الأربعة تختلف عن المصادر السائدة. ففي منظومتي الفكرية، المصدر الأول هو «الفطرة»، والثاني «العقل»، والثالث «الكتاب»، والرابع «السنة». بمعنى أنّ السنة، لكي تكون معتبرة، لا بدّ أن تمرّ عبر ثلاث مصافٍ هي الفطرة والعقل والكتاب، فإن لم تخالفها كانت معتبرة.
ومن النقاط الأخرى التي أدركتُها في تلك السنوات الأولى، الانحرافُ العظيم الذي وقع في تعريف «الفقه». فحين يواجه طالب العلم في بداية طريقه آية «النَّفْر» الشريفة: «...فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ...» (التوبة: 122)، يدرك أنّ «التفقّه» يعني التفكّر العميق في الدين بكلّيته، لا في الأحكام الفرعية العملية فحسب. إنّ اختزال الفقه في التخصّص بالأحكام العملية انحراف. فالتفقّه في الآيات والروايات يعني معرفة الإسلام. وفصلُ الأحكام الفرعية عن معرفة الإسلام (الفقه الأكبر) أمرٌ كارثي. ومثالي على ذلك: لو وصف طبيبٌ متخصّص في الدماغ والأعصاب دواءً نافعاً للدماغ لكنه يؤدّي إلى تعطّل الكلية أو القلب، لقال المريض: إنّما أريد دماغاً سليماً لجسدٍ حيّ! لا يصحّ أن يُصدر المفتي، استناداً إلى خبر واحد، حكماً يضع عدل الله أو حكمته موضع التساؤل، ثم يقول: ليس تخصّصي علم الكلام! ففي الحوزة العلمية ينبغي أن يكون «الفقه الأكبر» (أصول العقائد ومعرفة الإسلام) أساساً لـ«الفقه الأصغر» (الأحكام العملية). ولا يمكن انتظار الثمرة المطلوبة من دون معرفة جذور الشجرة وجذعها ومقتضياتها؛ ونتيجة هذا النهج قطفُ اليقطين من شجرة الكمّثرى!
وفي الجواب عن سؤالكم بشأن تعريف «السنة»، فأنا أقبل التعريف المشهور مع قيود. نعم، لي رأي خاص في باب العصمة، فلا أقبل العصمة إلا في نطاق «تلقّي الوحي وإبلاغه وبيان الحكم الإلهي»، وأعدّ النبي والإمام في سائر الشؤون «عادلَين». والسنة، لكي تكون حجة، لا بدّ أن تكون مورثة للاطمئنان؛ ولذا أرجع غالباً إلى «الدليل التراكمي» (تراكم الظنون والقرائن)، لا إلى الخبر المنفرد. ومنهجي هو النقد المضموني للحديث وعرضه على المصافي الثلاث (الفطرة والعقل والقرآن). كما أقسّم الأحكام العملية إلى قسمين: أحكام «علاقة الإنسان بالله» (كالعبادات والأطعمة)، وهي أحكام لا مجال فيها كثيراً للعقل، وتحكمها «أصالة السهولة»؛ وأحكام «علاقة الإنسان بالإنسان» (الحقوق الاجتماعية)، وللعقل فيها دخالة، وتحكمها «أصالة الاحتياط» (لتعلّقها بالدماء والأعراض والنفوس). ففي القسم الأول قد أعمل بخبر الواحد على وجه التسامح، أمّا في حقوق الناس فأضع خبر الواحد جانباً وأعمل بالاحتياط التام.
بسم الله الرحمن الرحیم. «لا حول و لا قوة الا بالله العلی العظیم. والصلاة والسلام علی سیدنا محمد و آله الطاهرین». وأنا أيضاً أشكر على عقد هذه الجلسة، وفي البداية أُبدي أسفي وبراءتي من بعض الإساءات والاتهامات الباطلة التي نسبها بعض الأشخاص إلى السيد سليماني. وفيما يخصّ سير المباحث، فقد استمعتُ استعداداً لهذه المناظرة إلى أكثر من مئة ساعة من تسجيلاتكم الصوتية ونحو سبعين ساعة من الردود عليها، وعطّلتُ درس البحث الخارج عشرة أيام لكي أُحيط إحاطة دقيقة بمنظومتكم الفكرية. ومبناي ألّا أقبل كلام أحد من دون دليل، وأن أفهم مراد المتكلّم فهماً تاماً قبل نقده. وأعتقد أنّ الكبريات والمباني الكلية لدى السيد سليماني تختلف عن الكبريات السائدة لدينا، لكنها في داخل منظومته الفكرية ذاتها متّسقة اتساقاً داخلياً.
ونقطة أخرى هي أنّني اشتغلتُ سابقاً في درس البحث الخارج في الفقه مدةَ سنتين على مباحث «التكفير والارتداد» والشبهات الواردة من خارج المذهب ومن داخل الدين. وقد درستُ من كتاب «فضائح الروافض» (الذي أُلّف في القرن السادس وردّ عليه عبد الجليل القزويني في كتاب «النقض»)، إلى «منهاج السنة» لابن تيمية، وصولاً إلى آثار المتأخّرين مثل «أسرار ألف عام» لحكمي زاده، وانتقادات السيد مرتضى الجزائري، وتفسير «الفرقان» للصادقي الطهراني. وكثير من إشكالات السيد أردستاني لها سوابق، وهي شبيهة بإشكالات السيد مرتضى الجزائري (في نقد الإجماع والشهرة) وببعض آراء المرحوم الصادقي الطهراني. وللسيد سليماني ثلاث طوائف من الدعاوى: 1. دعاوى سلبية تجاه مصادر الاستنباط (الكتاب والسنة والإجماع والعقل)، 2. إشكالات على عملية الاستنباط ومنهجه، 3. إشكالات على النتاجات والفتاوى. وما لم تُدرس المرحلتان الأوليان، فإنّ نقد المرحلة الثالثة (الفتاوى) لا جدوى منه.
والآن ندخل في بحث المصادر. إنه لا يقبل الإجماع والشهرة. وسؤالي هو: أيّ قسم من الشهرة لا تقبلون؟ الشهرة الروائية، أم العملية، أم الفتوائية؟ (السيد أردستاني: ولا واحدة منها). حسناً. يرى فقهاء الشيعة أنّ الشهرة على ثلاثة أقسام: 1. الشهرة الروائية (بوصفها مرجّحاً في باب التعارض)، 2. الشهرة العملية (الجابرة لضعف السند أو الموهنة له)، 3. الشهرة الفتوائية. ودليل حجية الشهرة العملية عند المشهور أنّ قدماء الأصحاب إذا عملوا برواية ضعيفة، كان ذلك كاشفاً عن أنّ بأيديهم قرينة معتبرة لم تصل إلينا («لعلّهم ظفروا بقرينة»). وإذا أعرضوا عن رواية صحيحة (إعراض المشهور)، فلا بدّ أنّهم رأوا فيها خللاً. فما إشكالكم على هذا المبنى؟
وفيما يخصّ الإجماع أيضاً، فإنّ الإجماع الذي نعنيه هو إجماع القدماء (إلى عصر الشيخ الطوسي). فنظراً إلى احتراق المكتبات الشيعية الكبرى في بغداد (مكتبة الشيخ الطوسي والسيد المرتضى وسابور)، ضاع كثير من الأصول الروائية. ولذا فإنّ اتفاق قدماء الأصحاب الذين كانوا قريبين من عصر المعصوم يورث الفقيهَ، بحسب حساب الاحتمالات وتراكم الظنون، الاطمئنانَ بأنّه كان لديهم مستند معتبر. ويقول المرحوم آية الله الخوئي في «مصباح الأصول»: «شهد بعض الأعاظم بحصول القطع من اتفاق ثلاثة نفر» (أي إنّ بعض الأكابر ادّعوا حصول القطع من اتفاق ثلاثة أشخاص كالميرزا الشيرازي والشيخ الأنصاري)، وذلك لشدّة ورعهم ودقّتهم. فإذا علم الإنسان أنّ جماعة من الفقهاء الأتقياء المدقّقين متّفقون على حكم، حصل له الاطمئنان عقلاً. وللشيخ الأنصاري في «الرسائل» بحث مفصّل في الإجماع، ويقول: إن لم يكن الإجماع المنقول مورثاً للعلم لكم، فلا تطرحوه، بل احتفظوا به قرينةً إلى جانب سائر القرائن (الدليل التراكمي).
وفي الجواب عن السؤال: ألا تقبلون أيّ شهرة، حتى الشهرة الروائية التي وردت في مقبولة عمر بن حنظلة: «يَأْتِي عَنْكُمُ الْخَبَرَانِ الْمُتَعَارِضَانِ... فَقَالَ: خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَ دَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ»، قلتم: كلا. غير أنّ هذا لا ينسجم مع الارتكاز العقلائي. فإذا قال شخص دقيق كلاماً، قال العقلاء: لا بدّ أنّه كان له مستند. كما أنّكم أنتم أنفسكم حين تنقلون رواية وقد نسيتم مصدرها، تقولون: «لقد رأيتُ هذا قطعاً في موضع ما»، ونحن نقبله منكم لوثاقتكم.
(دور السيد أردستاني): أشكركم على الوقت الذي بذلتموه والدراسة العميقة التي قمتم بها. إنّ كلامكم قائم على هذا الأساس: «الاعتماد على الشخصيات، وعلى علم العلماء وورعهم وتقواهم». فإن كان هذا هو المبنى، فإنّي بحكم دراستي للأديان الأخرى أقول: إنّ في التاريخ الممتدّ ألفي عام للمسيحية أو لسائر الأديان شخصياتٍ أعلم بكثير وأكثر نبوغاً وورعاً، وقد أجمعوا على عقائدهم الباطلة. فلو كان المقرّر أن نعتمد على إجماعهم لمجرّد نبوغ الأشخاص أو تقواهم، لما كان ينبغي لي أن أكون شيعياً أصلاً! إنّ الاعتماد الأعمى على الشخصيات خطأ، ولو كان آية الله بهجت. فهو مع كل عظمته قد ينقل خبراً اعتماداً على شخص، ولا يكون له واقع (كقصة جعفر الجنّي).
هنا وقعت مغالطة مروّعة وجذرية في علم المصادر وعلم الحديث التقليديين: «الخلط بين الصدق الأخلاقي والمهارة في تشخيص الصدق». فأنتم تقولون: «فلانٌ رجل صادق عادل، فكلّ ما ينقله أو كلّ من يوثّقه صحيح». في حين أنّ «الصدق» فضيلة أخلاقية، أمّا «معرفة الصادق» (تمييز الصادق من الكاذب) فهي تخصّص ومهارة نفسية واجتماعية. وكم من أناس قدّيسين هم في غاية السذاجة، وينخدعون بالكذّابين المحترفين! بل إنّ الكذّابين يعرف بعضُهم بعضاً أفضل! إنّ بناء علم الرجال وعلم الحديث لديكم بأكمله قائم على أنّ النجاشي أو الشيخ الطوسي لمّا كان رجلاً صالحاً، فتشخيصه لوثاقة الرواة الذين سبقوه بقرون حجةٌ أيضاً. وهذا استنتاجٌ للتخصّص من الالتزام الأخلاقي، وهو باطل. فمثلاً يقول صاحب تفسير «علي بن إبراهيم» إنّه لا ينقل إلا عن الثقات، وأنتم تقولون: لمّا كان هو نفسه عادلاً، فجميع رواته عدول! وهذه كارثة. فعدالة الراوي تُثبت أنّه لا يكذب عمداً، لكنها لا تُثبت أنّه لم يقع في الخطأ أو السذاجة في تشخيص الرواة الآخرين أو في فهم المضمون. ولذلك لا أعتمد على أيّ شخصية لمجرّد شخصيتها. فإن ثبت أنّ حكماً ما إجماعيٌّ حقيقةً، فالكلام إنّما هو في الإجماع الحقيقي المحصَّل، لا في ذلك الإجماع المنقول الذي قد يوجد نقيضه أيضاً في المصادر. ولا أقول شيئاً إلا إذا ثبت لي بوضوح الأحكام العقلية وآيات القرآن الكريم؛ إذ «حُکْمُ الْأَمْثَالِ فِيمَا يَجُوزُ وَ لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ». وأسلوب بياني بسيط خالٍ من التكلّف، وأتجنّب الإغلاق والتظاهر بالتعقيد؛ خلافاً لبعضٍ يسعون إلى إظهار الفضل باستعمال المصطلحات الغربية أو العربية الثقيلة. وأنا أفتخر بلسان قومي وبساطتي الريفية، وأعتقد أنّ الحقيقة ينبغي أن تُعرض عارية بلا تكلّف.
حين أفتح الرسائل العملية وأدرس فتاوى المراجع العظام، أجد موارد عديدة تتعارض في نظري مع صريح القرآن والعقل القطعي والفطرة السليمة. وسأعرض هذه الموارد أولاً، ثم أنتقل إلى نقد مسألة الشهرة. فإذا ظهرت آلاف النماذج من هذه التعارضات، تزعزعت حينئذٍ مكانة الشهرة الفتوائية أيضاً. وقد جمعتُ كلّ هذه الانتقادات في مجموعة بعنوان «الفقه وحقوق الإنسان»، وبيّنتُ أنّه قلّما توجد صفحة من الرسائل العملية تخلو من حكم مخالف لظاهر القرآن وحكم العقل، أو على الأقلّ من احتياطات في غير موضعها.
وأسئلتي الأساسية هي: أولاً، إلى أيّ دليل قطعي عقلي أو نقلي تستند هذه الفتاوى؟ ثانياً، لو وُضعت تلك الأدلّة بين يديّ أنا أيضاً، هل كنتُ سأصل إلى الاستنباط نفسه؟ ثالثاً، لماذا لم تصل إلينا الروايات التي كانت مستنَد الفقهاء السابقين؟ ولو وصلت، أفلم نكن سنطرحها عند عرضها على القرآن الكريم لمخالفتها كتاب الله؟
لقد قلتم إنّ فقه القدماء كان فقهاً حديثياً. فعلى سبيل المثال، ألّف المرحوم الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) الكتاب الشريف «مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ». ويتّضح من اسم الكتاب أنّ الغاية منه وصول المكلّفين إلى الأحكام في غياب الفقيه. ففي هذا الكتاب، الذي هو أحد الكتب الأربعة ومن أركاننا الروائية، أين مكانة العقل والقرآن؟ لقد أذن الصدوق للناس أن يعملوا مباشرة بروايات هذا الكتاب، أمّا نحن اليوم فقد سلبنا الناس هذا الحقّ وأوجبنا عليهم التقليد، بحجّة أنّ فهم الدين أمر تخصّصي. فإن كان مبنى الشيخ الصدوق صحيحاً، فيجب أن يُسأل: ما مكانة عرض الروايات على الكتاب والسنة والعقل في منهجيته؟ وإن قلتم إنّ الصدوق انتقى الروايات، أسأل: هل ثمة ضمان بأنّني لو رأيتُ تلك الروايات لقبلتُها وفق معاييري العقلية والقرآنية؟
وأنا أعرض باباً في «وسائل الشيعة» تحت عنوان: «بَابُ أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى وَ الْمَجُوسِ». وقد أورد صاحب الوسائل تحت هذا العنوان ثلاث عشرة رواية. لكننا بالتدقيق في متون الروايات نجد أنّه لا توجد ولو رواية واحدة تدلّ صراحةً على الحصر المذكور في عنوان الباب. بل إنّ بعض الروايات تحتوي على مضامين شاذّة لا تُصدَّق؛ كالرواية التي تقول إنّ المجوس كان لهم نبيّ كُتب كتابه على اثني عشر ألف جلد ثور مدبوغ! وهذا العدد لا ينسجم مع الوقائع التاريخية وإمكانات ذلك العصر. فاثنا عشر ألف جلد ثور تعادل حجماً يبلغ ثلاثمئة إلى أربعمئة مجلّد ضخم من كتب اليوم، وهو أمر يبدو غريباً وغير معقول بالنسبة إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة. وغرضي من طرح هذا المثال نقدُ منهج الاستنباط؛ إذ يضع الفقهاء عنواناً كلياً لباب ما ويُفتون على أساسه، في حين أنّ لسان الروايات المندرجة تحته ساكت أحياناً، بل مخالف لذلك العنوان أحياناً أخرى.
أمّا ما تفضّلتم به من أنّ آرائي تُزلزل كيان الفقه والأصول، فكلامي هو أنّ «صدق الراوي» لا يلازم «كون الراوي عارفاً بالصادقين». وهذا أصل منطقي. بل في الروايات: «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَ الْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ» (أي إنّ المؤمن سليم الصدر كريم، والفاجر مخادع لئيم). وقد أشار المرحوم الميرزا موسى التبريزي في «وثيقة الوسائل» أو في أوائل بحث «الرسائل» إلى أنّ احتمال خطأ المؤمن قد يكون أكثر من احتمال خطأ المنافق؛ لأنّ المؤمن لطهارة باطنه حسنُ الظنّ سريعُ التصديق، أمّا المنافق والفاجر فلأنّهما من أهل المكر، يكتشفان مكر الآخرين أسرع. وكما أنّ التاجر في الأمور العرفية إذا أراد أن يزوّج ابنته من أحد، كان أشدّ تدقيقاً وتحقيقاً من الإنسان الساذج؛ فكذلك الأمر في نقل الروايات.
وعليه، إذا قال الراوي «سَمِعْتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)»، فإنّ مجرّد هذا الادّعاء ليس دليلاً على صحة النسبة، ما لم تكن سلسلة السند وطرق تحمّل الحديث شفّافة ومتّصلة تماماً. ولم يدّعِ أيّ فقيه أنّ مجرّد ادّعاء السماع من المعصوم حجة، بل إنّ علم الرجال إنّما أُسّس لدراسة هذه الوثاقات والاتصالات السندية. ويقول المرحوم الكليني في مقدّمة «الكافي»: «بِالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّادِقَيْنِ (عليهما السلام)». لكن هذا لا يعني أنّ كلّ ما نُقل قد صدر عن المعصوم قطعاً. بل إنّ المرحوم الشيخ الحرّ العاملي في خاتمة «وسائل الشيعة» (الفائدة التاسعة) يقيم اثنين وعشرين دليلاً على صحة الكتب الأربعة، وقد ردّها المرحوم آية الله الخوئي جميعاً في «معجم رجال الحديث». إذن فعلم الرجال مبنيّ على «الحسّ» لا على «الحدس». والشهادة بالوثاقة يجب أن تستند إلى أمور حسّية أو قريبة من الحسّ. فإن كان توثيق الرجاليين المتأخّرين للرواة المتقدّمين قائماً على مجرّد الحدس والاجتهاد، فإنّ هذه الشهادة، بحسب مباني علم الرجال نفسه، غير مسموعة.
وأنا أعتقد أنّ روايات الكتب الأربعة معتبرة بثلاثة شروط: أولاً، ألّا تُبتلى بالمعارض؛ ثانياً، ألّا تكون في الأمور الخطيرة كالدماء والأموال الكثيرة والفروج؛ وثالثاً، ألّا تشتمل على أمور عجيبة غريبة وخرافية. وللحاكم النيسابوري في «المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل» بحث في علل وضع الحديث، ينقل فيه أنّ الوضّاعين كانوا أحياناً يحفظون سلاسل أسانيد صحيحة ثم يركّبون عليها متونهم الموضوعة (تركيب السند الصحيح مع المتن الموضوع). ولذا فإنّ مجرّد صحة السند لا يضمن صحة المتن. ولدينا روايات صحيحة السند تتعارض مع محكمات القرآن والعقل؛ فمثل هذه الروايات زخرف وباطل، لأنّ المعصوم (عليه السلام) قال: «مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ».
وفيما يخصّ الإجماع أيضاً، لا أقول إنّ الجميع إذا اتفقوا على أمر فهو باطل حتماً؛ لكنّي أنتقد «قداسة الإجماع». فالإجماع المدركي ليس بحجة، لأنّه ليس كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام). وحين أستطيع أن أعرض مئات الموارد من إجماع الفقهاء المخالفة بوضوح للعقل والقرآن، فهذا يدلّ على أنّ أداة «الإجماع» بوصفها كاشفة عن رأي المعصوم لا تملك الفاعلية اللازمة. وهذا «الحدس» القائل بأنّ جميع الفقهاء ما داموا قد قالوا كذا فلا بدّ أنّه كان لديهم دليل، حدسٌ تنقضه الأخطاء التاريخية الفاحشة. أفلم تُجمع المسيحية بمليارات أتباعها قروناً على التثليث؟ وهل تدخّل الله بالضرورة تدخّلاً تكوينياً لهدايتهم؟ إنّ قاعدة اللطف تقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب، لا أن يقع تدخّل غيبي في كلّ خطأ إجماعي للأمّة.
أمّا في باب السنة والعصمة، فإنّي أقبل عصمة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) قبولاً تاماً في «تلقّي الوحي وإبلاغه» وفي بيان الأحكام الإلهية. فكلام المعصوم في بيان الحكم الشرعي حجة قاطعة. أمّا في الأمور العادية من الحياة، إن لم يكن الأمر متعلّقاً بالشريعة، فهم أيضاً بشر: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ». وعلم الغيب لدى الأئمة (عليهم السلام) هو أيضاً «مِنْ عِندِ الله» لا ذاتي. «لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» إلا أن يشاء الله: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ». ولذا فعلمهم منوط بالمشيئة الإلهية.
وفيما يتعلّق بالإمامة، فقد قبلتُ أصل إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأدلّة القرآنية والروائية المحكمة، وبمنهج «الاستدلال بأفضل تفسير» (Inference to the Best Explanation). فآيات الولاية في سورة المائدة وسائر الآيات، إلى جانب الروايات المتواترة، مورثة للاطمئنان. أمّا فيما يخصّ سائر الأئمة ومسألة المهدوية، فمع أنّ روايات «اثني عشر خليفة» موجودة في كتب أهل السنة أيضاً، وأفضل مصداق لها هم أئمة الشيعة هؤلاء، فإنّي أرى أنّه ينبغي إخراج هذه العقائد من حالة التعبّد المحض والوراثة، ووزنها بمحكّ العقل والحكمة. فحيثما تعارضت قضية دينية مع العقل القطعي وجبت إعادة النظر فيها؛ لكن ما دام بالإمكان تقديم تفسير عقلاني، فإنّنا لا نتخلّى عن العقيدة.
والنقطة الأخيرة في باب حقّ الناس وتدخّل الفقه في المعاملات العرفية. يقول القرآن: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ». غير أنّ الفقهاء أحياناً، بدخولهم في جزئيات المعاملات واشتراطهم قيوداً غير ضرورية (كالتعيين الدقيق للمدة والوزن حيث يتسامح العرف)، يحكمون ببطلان معاملات يراها عرف العقلاء صحيحة ولازمة. وهذا النوع من التدخّل يكون أحياناً من مصاديق تضييع حقّ الناس لا حفظه. فالدين لم يأتِ ليوجد تعقيدات لا مبرّر لها في العلاقات الاقتصادية بين الناس، بل جاء ليمنع الظلم والربا وأكل المال بالباطل. وكثير من الأحكام المعقّدة في باب المعاملات في الرسائل العملية قد أوجدت العسر والحرج لعامّة الناس بل للمتديّنين، وربما أظهرت كثيراً من المعاملات العرفية الصحيحة باطلةً شرعاً، وهذا بحدّ ذاته يحتاج إلى مراجعة جادّة.
وفي مواجهة أهل السنة، كيف ينبغي تبيين مسألة «الجبر»؟ إن قبلنا مسألة الجبر، فأيّ معنى ومفهوم سيبقى للدين أصلاً؟ فحين يكون المبنى هو الجبر، تُصبح مفاهيم دينية كثيرة موضع تساؤل. ونظرتي إلى ما هو خارج هذه الدائرة نظرة مختلفة؛ فليس الأمر كما يُتصوّر من أنّ في الخارج عالماً مثالياً وأنّ هنا غير مناسب، كلا، ففي مكان آخر قد تكون الأوضاع أسوأ. ولذا ينبغي أن نتعايش مع هذا الدين نفسه وصوته ونمضي قُدُماً حتى يتحقّق التعقّل.
وفي تكملة البحث أقول: إنّني أيضاً قد تتبّعتُ في هذه المصادر بقدر سائر الحوزويين. سألني شخص: «هل تستطيع أن تُثبت لي ولادة إمام الزمان (عجّل الله فرجه)؟» فأجبته: «لم أقم في هذا المجال بعمل تاريخي تخصّصي؛ ينبغي أن تراجع المؤرّخين وأهل الاختصاص، كالسيد رسول جعفريان». وكلامي أنّني لا أدّعي التخصّص في هذه الجزئيات، لكنّي أعتقد بشأن أصل الأئمة الاثني عشر أنّ عدد «اثني عشر» قد بلغ حدّ التواتر بين الشيعة وأهل السنة. فقد صرّح النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعدد الاثني عشر: «اَلْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ». وسواء في مصادر أهل السنة أو مصادر الشيعة، فإنّ أفضل تفسير لهؤلاء الاثني عشر هو التفسير الذي قدّمه التشيّع. وعليه، فلديّ، إضافة إلى الأدلّة الأخرى، دليل ظنّي معتدّ به. أمّا إن طلبتم منّي أن أُثبت ولادته بـ«خبر متواتر»، فإنّي لم أقم بمثل هذا التتبّع. نعم، لديّ اعتقاد قلبي، لكنّي لا أستطيع، من دون دليل متقن ولمجرّد إقناع العوام، أن أقول كلاماً لم أحقّق فيه؛ لأنّي لا أرى التدليس وخداع العوام جائزاً.
إنّ صدقي يكمن في أن أقول «لم أجد». وهذا الصدق لا ينبغي أن يُعدّ جرماً. وقد سألتُ آخرين أيضاً: هل رأيتم خبراً متواتراً في هذا الشأن؟ فكان الجواب بالنفي. ولكي أتكلّم بدليل مورث للاطمئنان، أقول: إنّ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ثابتة عندي، وبالنسبة إلى سائر الأئمة أيضاً فإنّ أفضل تفسير هو الإمامة الاثنا عشرية. أمّا إن أصررتم على الإثبات التاريخي المحض للولادة، فعليكم الرجوع إلى المتخصّصين في التاريخ. ولا أستطيع أن أدّعي جزافاً. ونظرتي هي أنّني في دراسة كلّ واحد من الأئمة الأحد عشر الآخرين، ربما لا أستطيع أن أقيم لكلّ منهم على حدة خبراً متواتراً، لكن هذا لا يعني عدم قبولهم. فأنا أعدّ إمام الزمان (عليه السلام) إمامي، ودليلي هو تفسير «الاثني عشر» الذي نقله الفريقان. ولن أتخلّى عن دين آبائي وأجدادي، لأنّي لم أجده مخالفاً للعقل.
وفي شأن سائر الأئمة أيضاً، فإنّ أدلّتي ليست بقوة الأدلّة التي لديّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) (كآية الولاية وآية التبليغ والأحاديث النبوية)، لكنّ الحجة تامة عندي. وقد تسألون: لماذا أتكلّم بصراحة؟ لأنّي رأيتُ أنّ الآخرين أيضاً لم يعملوا أكثر منّي. اتصل بي عالمٌ ليهديني، فسألته: «ما دليلكم على إمامة الإمام الجواد (عليه السلام)؟» قال: «أجوبته عن المسائل في صغره». قلتُ: «أن يجيب طفلٌ، فهذا خبر، ولكن هل يُعدّ دليلاً عقلياً قطعياً؟» والفرق بيني وبينه أنّني ملتفت إلى أنّ هذا ليس دليلاً عقلياً محضاً. وجرمي أنّني لا أريد خداع العوام. لدينا روايات «تَقْرِيباً مُتَوَاتِر» بأنّ النبي قال: «یَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً». وحين ندرس الخيارات، نرى أنّ المصداق الصحيح الوحيد هو ما تقوله الشيعة، ولا بديل له. أفينبغي الذهاب إلى عمر بن عبد العزيز؟ كلا.
إن قال أحد: أثبِت الولادة، ولم أكن قد عملتُ على ذلك، أُحيله إلى أهله. لكن «عدم العمل» هذا لا يُحدث خللاً في تحليلي. لقد تعلّمتُ ألّا أتوسّل بالتبريرات الواهية لإثبات العقيدة. وقال أحد الأساتذة (السيد أيازي) إنّ الشباب يقولون إنّكم تقومون بـ«التلييس» (التبرير بلا أساس). فقلت: إنّي لا أفعل ذلك. فإذا ثبتت عندي إمامة هؤلاء الاثني عشر العظام بأدلّة مورثة للاطمئنان، فذلك كافٍ.
أمّا النقطة التي كانت مبهمة في كلامكم، وطرحتموها أيضاً في شبكة «كلمة»، فهي قولكم: «حتى لو تتبّعتُ، فلن أحصل على أكثر من الظنّ». وقلتم: «أرى هذا الوادي أرضاً وعرة كثيرة الحجارة». هذا كلامكم. لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ «الخبر المتواتر» ليس وحده المعيار في إثبات الإمامة، بل إنّ «خبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية» مفيد للعلم أيضاً. كالنبي الذي يأتي بالمعجزة؛ فخبر نبوّته خبر واحد، لكنه بقرينة المعجزة يصبح مورثاً لليقين. وفي شأن الأئمة (عليهم السلام) أيضاً لا نحتاج إلى الخبر المتواتر، بل تكفي القرائن المفيدة لليقين (كالكرامات). وقد نقل المرحوم السيد هاشم البحراني في «مَدِينَةُ الْمَعَاجِز» أكثر من ألفين وستمئة كرامة، كثير منها موجود في كتب أهل السنة أيضاً. وهذه الكرامات هي القرائن القطعية نفسها. ولذا فإنّ التشبيه بالأرض الوعرة غير صحيح. فإن كان مبناكم الخبر المتواتر فقط، فنعم، ربما تكون أيديكم خالية، لكنّ الطريق لا ينحصر في التواتر.
والمثال البارز هو حديث الغدير. لماذا قال النبي (صلى الله عليه وآله): «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ»؟ ولماذا أمر بالتوقّف؟ لكي يبلغ هذا الخبر حدّ التواتر ويستحكم أساس التشيّع. أمّا في سائر الموارد، فالخبر المحفوف بالقرينة كافٍ.
وفيما يخصّ الاتهام الذي توجّهونه إلى علماء الشيعة بأنّهم أقصوا «العقل»، فهذا كلام غير صائب. فالشيخ الأنصاري (رحمه الله) في «فَرَائِدُ الْأُصُول» (الرسائل)، في تنبيهات دليل الانسداد وحجية القطع، يقول: «إِنَّ الْمَعْرُوفَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ... أَنَّ كُلَّ مَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِهِ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ... وَ إِنْ وُجِدَ مَا ظَاهِرُهُ الْمُخَالَفَةُ فَلَابُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ أَوْ طَرْحِهِ». فهو يقول إنّه إذا حصل القطع من دليل عقلي، فلا يمكن للدليل النقلي أن يعارضه، وإن خالفه في الظاهر وجب تأويله أو طرحه. ويصرّح الشيخ بأنّا لم نجد في الأدلّة القطعية الشرعية ما يخالف العقل البديهي والفطري: «لَمْ نَجِدْ فِي الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ... مَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ». فكيف تتّهمون فقهاء الشيعة بمعاداة العقل؟ إنّ الفرق بين الأصوليين والأخباريين إنّما هو في هذا الاعتناء بالعقل بالذات.
والمشكلة الأساسية في كلامكم هي الخلط بين «العقل» و«الفطرة» و«الأوهام». فالفطرة التي تتحدّثون عنها، هل هي الفطريات المنطقية (مبادئ البرهان) أم الذوق الشخصي؟ لقد قلتم في موضع إنّكم تستطلعون آراء طلاب صفّكم؛ فهل يُحدَّد العقل والفطرة بتصويت عشرين طالباً جامعياً؟ إنّ هذا المصدر الذي تطرحونه مشكّك وبلا ضابطة، ولا يمكن به ردّ فتاوى الفقهاء.
إنّكم تقولون مراراً إنّ «الجرم في الحوزة هو التعقّل». وهذا ليس من الإنصاف. ففقهاؤنا كانوا عقلانيين. نعم، في الغرب أيضاً اختلاف حول ماهية العقل، لكنّ ما تقولونه أشبه أحياناً بالوهم منه بالبرهان.
لقد قلتم إنّ مرادكم «الفينومينولوجيا» (Phenomenology). لكن هذه الكلمة، أي الفينومينولوجيا، ينبغي أن تُبيّنوها بدقّة، لا أن تتجاوزوها بالصياح. وأنا أقول: إنّ كتاب «غُرَرُ الْحِكَم» لأمير المؤمنين (عليه السلام) و«صَحِيفَةُ السَّجَّادِيَّة» هما بأنفسهما أفضل معجزة ودليل على الحقّانية. فحتى لو لم يُدرس سند كلّ رواية على حدة، فإنّ مضمون هذين الكتابين ينادي بأنّه لم يصدر عن إنسان عادي. وهذا هو الإعجاز الحيّ، خلافاً للمعجزات المنقولة التي قد تتعرّض للخدش. ويقول القرآن الكريم أيضاً: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ». فتحدّي القرآن دائم.
إنّكم تبرّئون الأخباريين وتتّهمون الأصوليين، وتقولون إنّ الأخباريين كانوا أكثر عقلانية. فهل رأيتم النزاع بين الوحيد البهبهاني وصاحب الحدائق؟ إنّ صاحب الحدائق (يوسف البحراني)، مع ما لقيه من جفاء، أوصى بأن يتولّى الوحيد البهبهاني أمر جنازته. وهذه علامات على تقواهم وعقلانيتهم، لا كما تصوّرونها. والعلامة المجلسي في «بِحَارُ الْأَنْوَار» إذا نقل رواية، نبّه أحياناً في ذيلها على أنّها لا تنسجم مع العقل أو تحتاج إلى تأويل. لم يكن فقهاؤنا «طحالب» (قاصري النظر)، بل كانوا دقيقين متعمّقين.
وفي الختام، إن صدر منّي كلام حادّ فأعتذر. لقد كان للبحث مجال واسع، وكان يمكن طرح مصطلحات أكثر. وأشكر القائم على الجلسة وجميع الإخوة. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.




التعليقات
لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.
اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.