٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٨

ندوة تشاورية لأساتذة مؤسسة فهيم وباحثيها بحضور الأستاذ محمد علي إلهي رئيس دار الحكمة في ميشيغان

إنّ الموضوع الذي حدّدناه لهذه الجلسة التي تستغرق نحو ساعتين، لننتفع أولاً بكلمة الحاج آغا إلهي ثم بآراء سائر الأساتذة، هو دراسة «تحدّيات التديّن في العالم المعاصر وسُبُل الخروج منها». والحقيقة أنّه مع ظهور ميادين جديدة في التقنية، وتحوّلات في العلاقات السياسية، وتشكّل فضاءات ثقافية جديدة، افتراضيةً كانت أم غير افتراضية، باتت إحدى الهواجس الجادّة لدى المتديّنين أنّ التديّن يواجه تحدّيات جسيمة. فلم يعد الأمر كما كان في الماضي حين كان الأب أو الأم على ثقة بأنّ أبناءهما سيواصلون مسيرة الإيمان التي سلكتها الأسرة. ومع أنّ التحدّيات السياسية وبعض الإخفاقات التنفيذية والحكومية في إيران قد أسهمت في تفاقم هذا المسار، فإنّ هذه الظاهرة ليست مختصّة بإيران؛ فالمقيمون في العراق أو في البلدان الأوروبية والغربية يتحدّثون عن الهاجس نفسه. ومن هنا رأينا من المناسب أن نستمع إلى آراء الأساتذة في تصوير هذه الأزمة تصويراً دقيقاً، وتشخيص جذور عواملها، والبحث عن حلول للخروج منها. وكان سماحة الشيخ هادي سروش أيضاً مدعوّاً إلى هذه الجلسة، إلا أنّه بسبب

ندوة تشاورية لأساتذة مؤسسة فهيم وباحثيها بحضور الأستاذ محمد علي إلهي رئيس دار الحكمة في ميشيغان

أفاد موقع «أنديشه ما» نقلاً عن مكتب العلاقات العامة في مؤسسة فهيم البحثية الثقافية، بأنّ ندوةً تشاورية لأساتذة مؤسسة فهيم وباحثيها بحضور الأستاذ محمد علي إلهي رئيس دار الحكمة في ميشيغان، حول موضوع «تحدّيات التديّن في العالم المعاصر وسُبُل الخروج منها»، قد عُقدت في قاعة المؤتمرات التابعة للمؤسسة في مدينة قم.

انعقدت هذه الجلسة مساء يوم الأربعاء 29 مهر 1404 في مقرّ مؤسسة فهيم، بحضور أكثر من عشرين من الأساتذة والباحثين. وفي مستهلّ الجلسة قام آية الله قاضي زاده، رئيس مؤسسة فهيم، بتعريف الحاضرين وقال: إنّ حضور الضيوف المقيمين خارج البلاد يُعدّ فرصةً ثمينة لمؤسسة فهيم التي تتمتّع بعلاقات علمية واسعة خارج الحدود وتستفيد من طاقات الأساتذة داخل البلاد وخارجها،  وقد طلبنا من سماحة الدكتور إلهي أن يحضر هذا الجمع في رحلته القصيرة هذه إلى إيران.

ونأمل أن تكون هذه الجلسة الودّية، التي تُعقد بحضور جمع محدود من الأساتذة والفضلاء، تمهيداً لتعارف الإخوة فيما بينهم ومزيدٍ من المعرفة ببعضهم بعضاً. ونظراً إلى إقامة سماحة الشيخ إلهي في أمريكا، والتحدّيات المطروحة هناك حول قضية التديّن، نرجو منه أن يطرح البحث لدقائق، لكي ينتفع سائر الأساتذة بمباحثه بحسب ما يتّسع له وقت الجلسة، ويتحاوروا حولها.

إنّ الموضوع الذي حدّدناه لهذه الجلسة التي تستغرق نحو ساعتين، لننتفع أولاً بكلمة الحاج آغا إلهي ثم بآراء سائر الأساتذة، هو دراسة «تحدّيات التديّن في العالم المعاصر وسُبُل الخروج منها». والحقيقة أنّه مع ظهور ميادين جديدة في التقنية، وتحوّلات في العلاقات السياسية، وتشكّل فضاءات ثقافية جديدة، افتراضيةً كانت أم غير افتراضية، باتت إحدى الهواجس الجادّة لدى المتديّنين أنّ التديّن يواجه تحدّيات جسيمة. فلم يعد الأمر كما كان في الماضي حين كان الأب أو الأم على ثقة بأنّ أبناءهما سيواصلون مسيرة الإيمان التي سلكتها الأسرة. ومع أنّ التحدّيات السياسية وبعض الإخفاقات التنفيذية والحكومية في إيران قد أسهمت في تفاقم هذا المسار، فإنّ هذه الظاهرة ليست مختصّة بإيران؛ فالمقيمون في العراق أو في البلدان الأوروبية والغربية يتحدّثون عن الهاجس نفسه. ومن هنا رأينا من المناسب أن نستمع إلى آراء الأساتذة في تصوير هذه الأزمة تصويراً دقيقاً، وتشخيص جذور عواملها، والبحث عن حلول للخروج منها. وكان سماحة الشيخ هادي سروش أيضاً مدعوّاً إلى هذه الجلسة، إلا أنّه لم يتمكّن من الحضور بسبب ارتقائه المنبر في طهران، لكنّه طرح أسئلةً لكي تؤخذ بعين الاعتبار في أثناء المباحث. والآن، مع ذكر الصلوات، نرجو من الحاج آغا إلهي أن يبدأ الحديث؛ وإن كان يشير مازحاً إلى أنّه لو تكلّم الإخوة أولاً فلربما انجرّ البحث إلى النزاع بين إيران وأمريكا وقضية ترامب! ومع ذلك نطلب منه أن يخصّص القسم الأول من كلمته لموضوع تحدّيات التديّن، والقسم الثاني للأوضاع السياسية الراهنة.

 

حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد علي إلهي:

«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِیمِ، اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی رَسُولِهِ الْکَرِیمِ وَعَلَی آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ». بدايةً أتقدّم بخالص الشكر إلى سماحة الشيخ قاضي زاده الذي هو دائماً «دَالٌّ عَلَی الْخَیْرِ» ومنشأٌ للخير والخدمة، وأُعرب عن تقديري للسادة والأساتذة الأجلّاء في هذا المحفل. إنني في المجموعة الافتراضية لإخوة  فهيم أنتفع دائماً بالمقالات العالمة لفضلاء من أمثال سماحة آية الله مرتضوي، وآية الله سروش محلاتي، والدكتور مجيد مرادي، وسائر الأعزّاء. كما يحضر إلى جانبنا الدكتور حجازي والدكتور السيد محمود موسوي، اللذان اكتسبا على مدى سنوات طويلة تجارب ثمينة في الجامعات والمراكز الإسلامية والمسيحية في أمريكا وكندا؛ وقد كنت منذ عشرين عاماً، حين كان السيد موسوي في فلوريدا، أستفيد من مباحثه التفسيرية، كما كنت دائماً منتفعاً بتجارب الدكتور حجازي. ومن هنا فإنّ الحديث في محضر هؤلاء الأجلّاء كناقل التمر إلى هجر.

أما بشأن الموضوع الذي طرحه سماحة الشيخ قاضي زاده، فلأنني كنت في أثناء السفر، لم تتح لي الفرصة للرجوع إلى الإحصاءات والدراسات الكمّية؛ إذ أُجريت في الغرب دراسات إحصائية كثيرة حول ظاهرة التديّن والعزوف عن الدين، ولا يسعني الآن إلا أن أعرض على الأساتذة مشاهداتي وتجاربي العينية. فحين كنت في مطار ديترويت أهمّ بالسفر إلى إسطنبول على متن الخطوط الجوية التركية، وفي لحظة الصعود إلى الطائرة تحديداً، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيراً أمنياً شديداً جداً. وبالطبع كان لصدور مثل هذه التحذيرات سابقة في السنة أو السنتين الأخيرتين، إلا أنّ هذه الرسالة الجديدة كانت ذات لهجة أشدّ جدّيةً بكثير، وتؤكّد ألّا تسافروا إلى إيران بأيّ حال، وإن كنتم في إيران فغادروا أراضيها فوراً؛ وهو تحذير كانوا قد وسّعوا نطاقه قبل يوم أو يومين ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

فقلت في نفسي: إنّ ظروف الحرب والأخطار المحيطة بإيران ليست أمراً جديداً؛ «تَوَکَّلْنَا عَلَی اللهِ». أفهل أرواحنا أعزّ من روح القائد الشهيد أو السيد حسن نصر الله وسائر شهداء طريق الحق، حتى نمتنع عن السفر إلى الوطن خوفاً من الخطر؟ والآن وقد مضى من عمرنا سبعون عاماً، ورأينا شرق هذا العالم وغربه وشماله وجنوبه، فلو عشنا بضع سنين أخرى، فأيّ حدث عجيب وجديد سيقع في هذه الدنيا حتى يكون فواته مدعاةً للحسرة والخسارة؟

ولأنني أتابع التطوّرات السياسية والإخبارية باستمرار، وأنا عضو في هاتفي الجوّال في شبكة إخبارية على الواتساب مركزها في لبنان، تبثّ كلّ بضع دقائق أخبار القصف المدفعي وإطلاق الصواريخ وتطوّرات أمريكا والمنطقة، فإنّ زوجتي تقول لي مراراً: ضع هذا الهاتف جانباً؛ فنحن لا نستطيع إيقاف مجرى أحداث العالم، وهذه المتابعة الدائمة لا تفعل سوى أن تؤذي أعصابك ونفسك. والحقّ أنّ الإنسان قد يبلغ أحياناً من شدّة المصائب مرحلةً يردّد فيها، في هذه الأيام الفاطمية، دعاء السيدة الزهراء (سلام الله عليها) حيث قالت: «اَللّٰهُمَّ عَجِّلْ وَفَاتِی سَرِیعاً». وبالطبع فإنّ تمنّي الموت مكروه في الشريعة، إلا أن يكون في صورة تمنّي الشهادة؛ ولكنّ الحقيقة أنّ مواصلة الحياة وتحمّل عنائها لا قيمة لهما إلا حين يستطيع الإنسان أن يقدّم خدمةً للآخرين، وإلا فالموت لحظة راحة واستراحة للإنسان.

وفي الوقت نفسه، ومن زاوية أخرى، فإنّ مشاهدة هذا المشهد مدعاة للفخر والاعتزاز. انظروا كيف تكاتفت السعودية مع أمريكا وإسرائيل والدول الأوروبية وتركيا وباكستان ومصر وتكفيريّي سوريا، لكنّهم عجزوا أمام شعب محاصر وحافي القدمين في الظاهر في اليمن. كما أنّ وضع إيران قد أظهر مثل هذا المجد والعزّة على المستوى العالمي. ففي أمريكا نفسها، يقدّم المفكّرون والصحفيون والأساتذة الجامعيون من أمثال تاكر كارلسون وجيفري ساكس وعشرات الشخصيات الأخرى، ليلاً ونهاراً، تحليلات عميقة حول إيران، وقد أطلقوا حركة صحوة كبرى ضدّ جرائم إسرائيل والظلم السائد في العالم. وحين يضع الإنسان هذه الحقائق إلى جانب تلك التحذيرات في المطار، يدرك أنّ اليوم هو ساحة المواجهة بين «العزّة والذلّة»، ومصداقٌ واضح لـ«هَیْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ».

وبهذه الطمأنينة الداخلية نفسها دخلت ممرّ الصعود إلى الطائرة، فإذا بي أرى فجأةً عدداً من رجال الشرطة واقفين هناك. فناداني أحدهم وسألني: كم تحمل معك من النقود؟ فبحسب القوانين الأمريكية لا يُسمح للمسافر عند مغادرة البلاد أن يحمل أكثر من عشرة آلاف دولار نقداً، ونحن، لعلمنا بهذا القانون، نحمل دائماً مبلغاً أقلّ حتى لا تكون هناك أيّ ذريعة قانونية. فقلت للضابط إنّ المبلغ الذي معي أقلّ من السقف الذي تظنّه. فأصرّ على أن أكتب المبلغ الدقيق في استمارة وأوقّعها؛ لأنّه في القوانين الأمريكية إذا قال أحد لموظّف فيدرالي خلاف الواقع، فإنّ ذلك بحدّ ذاته يُعدّ جريمة كبيرة، وكانوا يريدون أن يكون لديهم مستند للمحكمة. والعجيب أنّهم من بين كلّ أولئك المسافرين جاؤوا إليّ، وفتحوا حقيبة يدي وأفرغوا جميع محتوياتها قطعةً قطعة ليعدّوا الأوراق النقدية. بل أخرجوا مقداراً ضئيلاً من الليرات التركية والأوراق النقدية الإيرانية التي بقيت في حقيبتي من أسفار سابقة، ليحسبوا سعر صرفها بالدولار ويروا هل يتجاوز مجموعها السقف القانوني أم لا! ومع ذلك، ولأنني كنت مستعدّاً مسبقاً لمثل هذه المعاملة، اجتزت الموقف بطمأنينة تامّة.

وهذه الحادثة بحدّ ذاتها نموذج ملموس لتحدّيات التديّن والإسلام في الغرب. فحتى لو كنت مواطناً أمريكياً رسمياً، فإنّ مجرّد كونك مسلماً ومن أصل شرق أوسطي يعرّضك للعنصرية والإسلاموفوبيا؛ وهي ظاهرة تضاعفت حدّتها في عهد رئاسة هذا الشخص الكاذب الفاسد. والطريف أنّه ربما يعلم قرابة سبعين في المئة من المجتمع الأمريكي أنّ ترامب شخص فاسد وكذّاب وطمّاع ونفعي، وأنّ إشعاله للحروب هو أيضاً نوع من التجارة لشخصه ولأسرته وللشركات النفطية والتسليحية التي دعمته في الانتخابات؛ ومع ذلك كلّه، حين يتحدّث عن الأحداث والاحتجاجات في فرنسا، يدّعي صراحةً أنّ هذه الأزمة لا علاقة لها بالقضايا التعليمية والاجتماعية، بل إنّ المشكلة الأساسية هي الإسلام نفسه، ويقول مخاطباً الأوروبيين: لقد حذّرناكم من أن توقفوا هجرة المسلمين، وإلا ستتحوّل باريس إلى مدينة إسلامية!

وقد صار نطاق هذه الإسلاموفوبيا في ولاية ميشيغان التي نقيم فيها أكثر وضوحاً بكثير على أعتاب الانتخابات المقبلة. فقد ترشّح شابّ يُدعى «عبد الرحمن السيد»، وُلد في أمريكا لأسرة من أصل مصري، واسم أبيه محمد، لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي. وترامب في هجماته الحادّة والمباشرة يسمّيه عمداً «محمد عبد السيد» ليثير المشاعر المعادية للإسلام بإبراز اسم محمد. فإن فاز فسيكون أول سيناتور مسلم في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي؛ وإن كان في مجلس النواب وجه أو وجهان مسلمان، مثل إلهان عمر من الصومال ورشيدة طليب من فلسطين، وقد تعرّضتا هما أيضاً لأشدّ الضغوط بل ولتفتيش منزليهما. وقد أنفق اللوبي الصهيوني «أيباك» في واشنطن نحو خمسين مليون دولار لإنجاح منافسته الموالية لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان، ولمنع عبد الرحمن من الوصول إلى المرحلة النهائية؛ لكنّ عبد الرحمن فاز رغم ذلك الإنفاق الباهظ، وهو الآن في مواجهة المرشّح الجمهوري في انتخابات شهر نوفمبر. ولأنّ هذا الشابّ كان قد حضر مراسم عاشوراء وصلاة الجمعة في مركزنا الإسلامي في دار الحكمة وألقى كلمة، فقد مارسوا علينا ضغوطاً شديدة، ويسعون، بذريعة دخول مرشّح انتخابي إلى محفل ديني، إلى إلغاء ترخيص النشاط غير الربحي لمركزنا؛ في حين أنّنا أعلنّا رسمياً أنّ أبواب مركزنا مفتوحة أمام مرشّحي الحزبين للحوار مع الناس.

لقد بلغت الحساسية والعداء لمظاهر الإسلام حدّاً أمر فيه حاكم تكساس بإغلاق مكان الوضوء في مطار تكساس الدولي، بذريعة أنّ وجود مكان للوضوء يعني تغلغل «قانون الشريعة» ومنح امتياز خاصّ للمسلمين! هذا في حين توجد في المطارات مصلّيات ودور عبادة مشتركة لأتباع الأديان المختلفة، ومن الطبيعي أنّ المسلمين يحتاجون إلى الوضوء للصلاة، لا أنّهم طلبوا امتيازاً خاصّاً. وكذلك بشأن مدينة «ديربورن» التي هي مركز نشاطنا، تروّج وسائل الإعلام اليمينية أنّها عاصمة الجهاديين؛ في حين تعمل في هذه المدينة نفسها عشرات المحالّ لبيع المشروبات الكحولية، ولو كان قانون الشريعة حاكماً على المدينة لما وُجدت مثل هذه المحالّ. وبالطبع، فبما أنّ هجرة المسلمين، ولا سيّما الشيعة المتديّنين من جنوب لبنان والعراق، إلى ميشيغان لها تاريخ يمتدّ مئة عام، وأنّ المجتمع الشيعي هناك يتمتّع بثقل اجتماعي وقضائي وجامعي واقتصادي كبير، إلى حدّ أنّ ميشيغان تُسمّى «قم أمريكا»، وأنّ رئيسَي بلديتَي ديربورن وديربورن هايتس، بل ورئيس شرطة المدينة، من الشيعة ذوي الأصول اللبنانية، فإنّ موقعنا أمتن بكثير من غيره. ومع ذلك فنحن أيضاً لسنا بمأمن من أذى الإسلاموفوبيا؛ فهذا شخص يسعى إلى لفت الأنظار وكسب الأصوات في ولاية فلوريدا، يطير ساعات ويأتي إلى ديربورن ليحرق القرآن الكريم أمام المركز الإسلامي، ويعدّ ذلك علامة على الشجاعة وحرّية التعبير! وفي المقابل، لو نطق أحد بأدنى كلمة في نقد اليهود أو الصهيونية، أو أساء إلى كنيس، لتعرّض فوراً لملاحقة قانونية شديدة بتهمة «معاداة السامية» وكراهية اليهود؛ أمّا الإساءة إلى المقدّسات الإسلامية فيعدّونها أمراً مشروعاً ومدعاةً للفخر في ظلّ المبدأ الدستوري المتعلّق بـ«حرّية التعبير وإبداء الرأي».

وبالطبع، في المقارنة بين الحزبين الحاكمين في أمريكا، وكما أشار السيد سروش أيضاً في إحدى مقالاته، لا يوجد فرق جوهري بين الديمقراطيين والجمهوريين في المصالح الاستراتيجية الكبرى لأمريكا وفي العداء لإيران، وإن اختلفت أساليب عملهم؛ فقد وُقّع الاتفاق النووي (برجام) في عهد أوباما ثم مزّقه ترامب. وفي السياسات الداخلية أيضاً يوفّر الديمقراطيون، لاعتمادهم على أصوات الأقلّيات والمهاجرين، أجواءً أفضل للمسلمين، في حين أنّ الجمهوريين، ولا سيّما ترامب نفسه، منذ حادثة الحادي عشر من سبتمبر، ادّعى بكذب صريح أنّه رأى بعينيه المسلمين يرقصون فرحاً عند انهيار البرجين؛ وهو ادّعاء لا يوجد له أيّ مستند أو صورة، لكنّ أتباعه المتعصّبين يقبلونه.

ومع ذلك كلّه، فإنّ الحرب على إيران قد تحوّلت في المرحلة الراهنة إلى أكثر الحروب افتقاراً إلى الشعبية في التاريخ الأمريكي كلّه، وقد خفّضت شعبية ترامب بشدّة؛ بل إنّ نسبة معارضة المجتمع الأمريكي لهذه الحرب غير مسبوقة حتى بالمقارنة مع حروب فيتنام وأفغانستان والعراق. ومن العوامل الملموسة لهذا السخط القفزة في أسعار البنزين والديزل؛ بحيث ارتفع سعر الغالون الواحد من الديزل من نحو دولارين إلى قرابة سبعة دولارات، بل أكثر من ذلك في ولاية مثل كاليفورنيا، ممّا يلقي عبئاً ثقيلاً على القطاع الزراعي وعلى الحياة اليومية للناس. ولهذا السبب يعيش ترامب تردّداً جدّياً في مواصلة الحرب أو استئنافها، وإن كانت ضغوط نتنياهو واللوبي الصهيوني والعائلات اليهودية الثرية التي ساعدته في حملته الانتخابية بما يصل إلى مئة مليون دولار تدفعه من جهة أخرى نحو المغامرة.

أمّا بشأن أصل ظاهرة العزوف عن الدين في المجتمع الأمريكي، فينبغي القول إنّ أفول الإقبال على الكنيسة لدى الجيل الجديد واضح تماماً؛ إلى حدّ أنّ كثيراً من مساجدنا الحالية في ميشيغان، ومنها المبنى الحالي لـ«دار الحكمة»، كانت في السابق كنائس أُغلقت وبيعت لعدم وجود روّاد لها. وبالطبع، إلى جانب إغلاق الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية التقليدية، ما زال تيّاران يحظيان بإقبال كبير: أحدهما الكنائس الضخمة الحديثة التي تقيم قدّاس يوم الأحد بالموسيقى والرقص والحفلات الصاخبة، وتجمع آلاف الشباب للتسلية؛ والآخر تيّار المسيحية الصهيونية والإنجيلية، المعروف بـ«الإنجيليين»، الذين تحوّلوا، بترويج العقائد الأخروية وبالدعم المالي الضخم، إلى قاعدة سياسية للدعم المتعصّب لإسرائيل ولترامب شخصياً؛ إلى حدّ أنّ قساوستهم يتحلّقون حول ترامب ويقدّسونه بوصفه مخلّصاً ومسيحاً.

وفي التحليل الكلّي لأسباب العزوف عن الدين في العالم المعاصر، يمكن تعداد عوامل كثيرة. فقسم من الجيل الجديد، بناءً على توهّم التعارض بين العلم والدين، يظنّون أنّه مع تقدّم العلم التجريبي لم تعد هناك حاجة إلى مؤسسة الدين. وقسم آخر يرى التديّن عائقاً أمام التمتّع الدنيوي. وفي الغرب كان من العوامل المهمّة جداً أيضاً الفساد الأخلاقي والفضائح الجنسية للقساوسة الكاثوليك في الاعتداء على الأطفال الحاضرين في دروس الأحد الكنسية، ممّا أدّى إلى دعاوى قضائية واسعة ودفع مليارات الدولارات تعويضاً، وأوجد نفوراً عامّاً من مؤسسة الكنيسة. وإلى جانب ذلك، فإنّ المشكلات المعيشية والفقر ليست عديمة الأثر في الأزمات الروحية والدينية. فخلافاً لتصوّر بعضهم في إيران ممّن يظنّون أنّ الدولارات منثورة في شوارع أمريكا، فإنّ الفقر هناك مستفحل؛ وأنا أرى كلّ يوم في طريقي من البيت إلى المسجد متسوّلين يتشابكون بالأيدي في البرد القارس تحت الصفر للاستيلاء على مكان مناسب تحت الجسور. وعشرات الملايين في أمريكا محرومون من التأمين الصحّي، وفي ضواحي ديترويت نفسها قُطعت مياه الشرب عن منازل أسر كثيرة منذ سنوات لعجزها عن دفع الفواتير. وقد أدّى امتزاج هذه الضغوط المادية بالفراغ المعنوي واليأس الاجتماعي إلى انتشار مرض الاكتئاب؛ بحيث فقد تسعة وأربعون ألف شخص في أمريكا حياتهم انتحاراً في السنة الميلادية الماضية وحدها.  وأكّد في ختام هذا القسم من كلمته أنّ معاداة الإسلام في الغرب اليوم قد اقترنت بمعاداة التشيّع والإيرانوفوبيا، بل أدّت إلى هجمات مسلّحة وإحراق للمساجد واستشهاد للمصلّين، وأنّ اجتياز هذه الظروف يتطلّب دعاء الخير من أعلام الحوزة.

الدكتور مجيد مرادي: أشار إلى أنّه كان الليلة الماضية في مدينة وان وظهراً في رشت، وأنّه رغم عناء السفر أوصل نفسه إلى هذا المحفل المبارك، ثم طرح بعض النقاط. فمع تأكيده وجود الفقر في أمريكا، نبّه إلى أنّه من زاوية أخرى فإنّ حجم الاختلاسات الدولارية الضخمة والثروات الطائلة غير المشروعة التي تكوّنت في إيران على يد بعض الأفراد لا يُرى في مكان آخر. وأشار على سبيل المثال إلى ذكرى عن «وارن كريستوفر» وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الذي كان يدرّس في الجامعة بعد انتهاء وزارته، وكيف كان حتى مبلغ عشرين دولاراً ذا قيمة حقيقية وحساب دقيق في نظامهم الاقتصادي، في حين كانت الورقة النقدية من فئة عشرين ألف تومان في إيران حتى سنوات قليلة مضت تُعدّ عديمة القيمة، وفي الوقت نفسه كانت أرقام فلكية بآلاف المليارات من التومانات وبمليارات الدولارات تتنقّل في ملفّات الفساد المالي. كما تناول الدكتور مرادي، مشيراً إلى ذكرى أخرى، اختلاف المعايير الذهنية والثقافية لدى الأفراد، ثم دخل في تحليل اجتماعي لتراجع النزعات الدينية.

ويرى الدكتور مرادي أنّ قسماً كبيراً ممّا كان يُرى في الماضي بوصفه «تديّناً» لدى الناس كان ناشئاً عن الوظائف الاجتماعية والترفيهية والتسلوية للشعائر الدينية. فالدين وشعائره لم تكن تقتصر على الجوانب العبادية المحضة، بل كانت تمنح الحياة اليومية للناس معنىً ونشاطاً وتسلية. واليوم، في العالم الحديث، حلّت مراكز التسوّق الكبرى و«المولات» محلّ المؤسسات الدينية في ملء أوقات الفراغ ومنح الحياة اليومية معناها، في حين ما زال القائمون على الشأن الديني عندنا يريدون مواجهة المجتمع بالقوالب التقليدية الماضية. وذكّر في ختام كلمته بأنّه قبل نحو خمسة وعشرين عاماً، وأثناء ترجمته كتاب «الحياة» للمرحوم العلامة محمد حسين فضل الله، صادف مبحث «الرقص»، حيث تجنّب المؤلّف هناك إعطاء جواب صريح، لكنّه صرّح لاحقاً بأنّ مقتضيات الحركة الإسلامية قد تستوجب إعادة النظر في الأحكام الفقهية السابقة حول مثل هذه الموضوعات؛ كما طُرحت قبل ليالٍ في حوار مع الأستاذ مهدوي راد هذه النقطة، وهي أنّ أدلّة الحرمة المطلقة للرقص لا تتمتّع بدلالة فقهية تامّة.

ثم طرح حجة الإسلام والمسلمين مهدي بور حسين سؤالاً مفاده أنّه في أثناء انتخابات الولاية الرئاسية الثانية لترامب، أفادت التقارير الإعلامية بأنّ أغلبية المجتمع المسلم في ميشيغان مالت إلى ترامب وصوّتت له؛ فهل تتطابق هذه التقارير مع الواقع؟

فأوضح الدكتور إلهي في الجواب أنّ كارثة غزّة دمّرت تماماً مكانة بايدن والديمقراطيين بين المسلمين. ومع أنّ كامالا هاريس، بعد انسحاب بايدن، حاولت إقناع المسلمين بأنّ مجيء ترامب سيجعل الوضع أسوأ بكثير، إلا أنّ الغضب العميق لدى المجتمع الإسلامي من الإبادة الجماعية في غزّة حال دون سماع هذا الكلام. ومن جهة أخرى، كان ترامب يسمّي نفسه بالخداع «رئيس السلام»، والمسلمون المتعبون من الحرب تعلّقوا بتلك الوعود الكاذبة مصداقاً للمثل المشهور «اَلْغَرِیقُ یتشبث بِکُلِّ حَشِیشٍ». فضلاً عن ذلك، فإنّ بعض المسلمين التقليديين، بل وعدداً من المعمّمين، مالوا إلى ترامب بسبب المواقف المحافظة للحزب الجمهوري في معارضة الإجهاض والمثلية الجنسية؛ غافلين عن أنّ قادة ذلك الحزب لا يلتزمون في حياتهم الشخصية بأيّ مبدأ أخلاقي، وأنّ هذه الشعارات ليست سوى أداة سياسية. فيا للعجب، كيف يمكن إبداء كلّ تلك الحساسية تجاه إجهاض جنين واحد، ونصب لافتات الاحتجاج أمام الكنائس، ثم التزام الصمت أمام الإبادة الجماعية وقتل مئتين إلى ثلاثمئة ألف إنسان بريء في غزّة! لقد كانت الأجواء العاطفية في تلك الأيام ثقيلة إلى حدّ أنّني لو نطقت في خطب صلاة الجمعة بكلمة في نقد هذه السذاجة أو في الدفاع النسبي عن الديمقراطيين، لانزعج بعض المصلّين؛ وإن كان الجميع اليوم قد أدركوا أيّ خدعة كبرى وقعوا فيها.

وفي الأثناء سأل حجة الإسلام والمسلمين تقوي: ما وراء ساحة الشريعة والصراعات السياسية، وعلى مستويات العقيدة والأخلاق والمعنوية الباطنية، ما حال الإقبال على الدين في المجتمع المسيحي، وكذلك لدى الجيل الجديد من الشيعة والمسلمين في أمريكا؟ ولا سيّما بالنظر إلى المواقف الأخلاقية للبابا والتحدّي الذي أوجدته الكنيسة الكاثوليكية لسياسات ترامب، فما مكانة الرسائل المعنوية للدين في ذلك المجتمع؟

ثم سأل  آية الله سروش محلاتي، مشيراً إلى أنّ هذا المحفل جمعٌ حوزوي في قلب الحوزة العلمية في قم، الدكتورَ إلهي: ما التوقّع والانتظار المحدّد الذي لديكم، بوصفكم عالماً شيعياً مقيماً في الغرب، ولدى المجتمع الشيعي في أمريكا، من الحوزة العلمية في قم؟ وما الفراغ الذي تشعرون به ويجب على الحوزة أن تخطو لملئه؟

وبعد ذلك أشار حجة الإسلام والمسلمين السيد محمود موسوي شاهرودي في كلمة قصيرة إلى دور الدعاية الإعلامية الغربية في تضخيم نواقص إيران، وقال: رغم كلّ الصعوبات المعيشية والتضخّم الثقيل الذي نصارعه يومياً، لا ينبغي أن نظنّ، تحت تأثير إيحاءات الأجانب، أنّ وضعنا في العالم لا نظير له وأنّه طريق مسدود. وأشار إلى ذكرى من أيام إقامته في أفريقيا، وكيف أنّ دولة زيمبابوي، من دون أن تكون منخرطة في حرب أو في سبعة وأربعين عاماً من العقوبات، ولمجرّد قرار الحكومة نزع ملكية الملّاك البيض والإنجليز، أصيبت في مدّة قصيرة بانهيار نقدي بلغ معه سعر الدولار الأمريكي الواحد من سبعة دولارات زيمبابوية إلى ملايين ومليارات الدولارات، حتى سقطت العملة الوطنية لذلك البلد عن الاعتبار كلّياً. وكذلك في لبنان قبل سنوات، ومن دون وقوع حرب في تلك المرحلة، اختفت فجأةً ودائع الناس بالدولار في المصارف الرسمية؛ وهو أمر لم يحدث في إيران رغم كلّ الضائقات. وأضاف أنّه حتى بالمقارنة مع الفساد المالي الضخم للمحيطين بترامب في أمريكا، لا ينبغي تجاهل إنجازات بلد وصموده وقد بقي تحت الحصار الاقتصادي قرابة نصف قرن. وفي هذه الأثناء نبّه آية الله مرتضوي وبعض الحاضرين إلى أنّ أزمة زيمبابوي نشأت عن مصادرة أموال الناس، وأنّ قياسها بظروف إيران محلّ تأمّل.

ثم أشار حجة الإسلام والمسلمين السيد صادق قادري إلى تناقض ظاهري في تقرير الدكتور إلهي، وقال: إنّكم من جهة تتحدّثون عن أجواء ثقيلة من معاداة الإسلام والتفتيش الجسدي في المطار، ومن جهة أخرى تفيدون بأنّ رئيسَي بلديتين ورئيس الشرطة في مدينتكم من الشيعة، وأنّ شاباً مسلماً يترشّح لمجلس الشيوخ الأمريكي، وأنّ شخصاً مسلماً يصل إلى منصب رئاسة البلدية في مدينة كبرى مثل نيويورك. أفلا يعني هذا أنّ البنية السياسية للغرب لا تعادي أصل الدين، بل تعارض فقط القراءات المتطرّفة والمتشدّدة والداعشية للدين؛ كما أنّنا نحن أيضاً في قم وإيران على خلاف مع التيّارات المتشدّدة والمتطرّفة في الداخل؟ فكيف يمكن الجمع بين هذا الانفتاح السياسي لارتقاء المسلمين وتلك المعاداة المدّعاة للإسلام؟

وفي الأثناء ركّز الدكتور حميد رضا شريعتمداري سؤاله على النزاع السياسي والعسكري الراهن بين إيران وأمريكا، واستفسر عن مدى تأثير التطوّرات الداخلية والانتخابية الأمريكية في كبح الحرب وفي الردع، وكيف يُحلَّل مستقبل هذه المواجهة العسكرية من منظور المراقبين داخل أمريكا؟

كما نبّه حجة الإسلام والمسلمين السيد أبو الفضل موسويان في نقطة قصيرة إلى أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين العزوف عن الدين في الغرب وفي إيران؛ إذ إنّ قسماً مهمّاً من إعراض الجيل الشابّ عن الدين في إيران هو ردّ فعل على أداء «الحكومة الدينية» وعجزها عن حلّ المشكلات المزمنة والمنهِكة، ولا سيّما التضخّم المستمرّ بنسبة خمسين إلى مئة في المئة على مدى سنوات متمادية، الذي استنفد طاقة الناس على الاحتمال ويُحسب على الدين.

وكان آخر المتحدّثين من الأساتذة آية الله السيد محمد علي أيازي، الذي صرّح بأنّه أعدّ مقالة مفصّلة لدراسة موضوع تحدّيات التديّن، بمعزل عن الجوانب السياسية، من منظور علمي واجتماعي، وعلى أساس الدراسات الميدانية العالمية. وأكّد أنّ للدين أبعاداً متنوّعة عقدية واجتماعية وأخلاقية، وأنّ أسلوب مواجهتنا التقليدي، حيث كنّا في السابق نخشى الطرح الحرّ للشبهات ونسعى بالتقييد إلى منع طرح الأسئلة، قد جلب بنفسه أضراراً أكبر. ووعد الأستاذ أيازي بإرسال النصّ الكامل لمقالته ومقترحاته الاستراتيجية لينتفع بها الأساتذة.

وفي القسم الختامي من الجلسة، صرّح حجة الإسلام والمسلمين الدكتور إلهي، في جوابه عن السؤال المتعلّق بموقف البابا، بأنّ البابا أعلن في موقف منصف وشجاع أنّ الحرب على إيران ظالمة ومخالفة للقوانين الدولية، لكنّه سرعان ما صار هدفاً لهجمات حادّة من الحكومة الأمريكية؛ إلى حدّ أنّ «جي دي فانس» نائب الرئيس، الذي اعتنق المذهب الكاثوليكي مؤخّراً، هاجم البابا بوقاحة قائلاً إنّ الأفضل له أن ينصرف إلى شؤونه الكنسية ويترك السياسة للسياسيين! وبعد ذلك ذهب «ماركو روبيو» إلى روما ليضغط على الفاتيكان ويُكره البابا على الصمت، وقد أسهم مرض السرطان الذي أصاب البابا، مع الأسف، في هذا الصمت. وقد تحدّثت في ميشيغان في هذا الشأن مع رئيس أساقفة الكاثوليك، الذي تربطنا به علاقة ودّية وكان قد دعانا إلى منزله؛ فهم في المجالس الخاصّة يؤيّدون موقف البابا تماماً ويرون الحرب ظالمة، لكنّهم خوفاً من الضغوط السياسية ليسوا مستعدّين لنقل هذا الموضوع إلى مواعظ يوم الأحد في الكنائس.

وفي جوابه عن سؤال آية الله سروش محلاتي حول المتوقَّع من الحوزة العلمية في قم، أشار الدكتور إلهي إلى المثال العيني لابنه الدكتور مهدي، وهو شابّ ذكيّ وصيدلاني في أمريكا، ترك مؤخّراً كلّ شيء، رغم زواجه وشرائه مسكناً وتمتّعه بموقع مهني ممتاز، وجاء إلى قم في هذا الأسبوع نفسه، وتحدّث مع المسؤولين في جامعة المصطفى العالمية ليتفرّغ لدراسة العلوم الدينية. وأضاف: نحن نعلم أنّ الحوزة العلمية في قم لا تتمتّع بالإمكانات المالية الضخمة التي تنفقها الحكومة السعودية على تربية الدعاة التكفيريين وإيفادهم؛ ولكنّ أقلّ ما يُتوقّع هو أنّه حين يأتي شابّ نخبوي متعلّم من أمريكا أو أوروبا إلى قم بدافع إلهي، ألّا يُقحموه في الألاعيب السياسية والضيق الفئوي والارتياب الأمني، بل أن يستقبلوه بالأحضان ويربّوا منه مبلّغاً من الطراز الأول للعالم الغربي.

وتابع، مؤيّداً كلام السيد موسوي حول اتّساع الفساد في العالم مصداقاً للآية الشريفة «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»، فأشار إلى الثروات الأسطورية والريوع بمئات مليارات الدولارات لأشخاص من أمثال إيلون ماسك في أمريكا، وأضاف: إنّ المراكز الصهيونية نفسها التي تنفق الأموال في أمريكا لترويج الإسلاموفوبيا تموّل أيضاً شبكات مثل «إيران إنترناشونال»، لكي يقوم عدد من الصحفيين العاطلين والمحتاجين المقيمين في الخارج، ليلاً ونهاراً، بغسل أدمغة المجتمع الإيراني عبر الكذب وتضخيم المشكلات. ونتيجة هذا القصف الدعائي أنّ نزاهة شخصية مثل الدكتور بزشكيان وصدقه النادر في رئاسة الجمهورية لا يُريان، وأنّ التقدّم العلمي والطبي والدفاعي المذهل لإيران بعد الثورة—بالمقارنة مع عهد ما قبل الثورة حين كنّا نحتاج إلى أطبّاء هنود وباكستانيين لعلاج الأمراض البسيطة—يُتجاهَل. كما أعلن عن قرب صدور كتاب مذكّراته باللغة الإنجليزية بعنوان «رحلة في طريق الإيمان»، الذي يتضمّن صوراً تاريخية له إلى جانب سماحة الإمام الخميني، والقائد الشهيد آية الله الخامنئي في أول صلاة جمعة في طهران، والمرحوم آية الله هاشمي رفسنجاني، وكذلك لقاءه في العام الماضي بالدكتور بزشكيان في نيويورك.

وفي جوابه عن الإشكال الذي طرحه السيد قادري، صرّح الدكتور إلهي بأنّ انتخاب رؤساء بلديات مسلمين في مدن مثل ديربورن هو نتاج الأغلبية السكانية للمسلمين والأطر القانونية للانتخابات المحلية التي لا تملك الحكومة الفيدرالية صلاحية إلغائها؛ وإلا فإنّهم حيثما استطاعوا يتعبّؤون بكلّ قوّتهم لإقصاء الوجوه المسلمة مثل «زهران ممداني» في نيويورك. وفي جوابه عن سؤال قصير حول سبب صلاة ممداني أحياناً في المساجد متكتّفاً على طريقة أهل السنّة رغم كونه شيعياً، قال إنّه وإن لم تكن هناك ضرورة لذلك، إلا أنّه شخص ذكيّ جداً، ولحضوره في مساجد ذات أغلبية سنّية يفعل ذلك من باب الحفاظ على الوحدة.

وفي الختام، وفي جوابه عن سؤال السيد شريعتمداري حول آفاق الحرب، أشار إلى الاضطراب الأمني والاقتصادي في الدول العربية المطلّة على الخليج الفارسي—حيث ينبغي الآن دفع مبالغ باهظة للعثور على رحلة جوّية في السعودية أو الفرار برّاً إلى قطر والبحرين—وأشاد بالأمن واستقرار السوق داخل إيران؛ بحيث يُرى في سوق طهران وفرة السلع، خلافاً للتصوّرات الناشئة عن الحرب النفسية لوسائل الإعلام التي جعلتنا نظنّ أنّ مجاعة خبز قد حلّت بإيران. ونقل في الوقت نفسه أنّ السيد خاتمي، في لقاء معه في اليوم نفسه، كان يرى وقوع الهجوم العسكري أمراً قطعياً؛ لأنّ نتنياهو يسعى بكلّ كيانه إلى إسقاط النظام وفرض الحرب، وإن كانت الاعتبارات الانتخابية لترامب تُعدّ مانعاً أمام ذلك. وأعرب الدكتور إلهي عن أمله في أن تعبر إيران العزيزة، بلطف الله، وكما كانت المعجزات الإلهية عوناً لهذه الأمّة منذ بداية الثورة الإسلامية، هذه العقبة الخطيرة أيضاً بسلام، وأن تخدم البشرية.

وفي ختام هذا المحفل العلمي، قرأ الدكتور حجازي،  تقديراً لحضور الدكتور إلهي الذي جاء إلى قم من مسافة اثني عشر ألف كيلومتر، وحوّل في ديار الغرب كنيسةً إلى المركز الإسلامي «دار الحكمة»، ورفع فوقها هلال الإسلام ولفظ الجلالة «الله»، الصلواتِ الخاصّة بحضرة وليّ العصر (عجّل الله فرجه) المنسوبة إلى المحقّق الطوسي الخواجة نصير الدين—الذي يقع مرقده الشريف في جوار الكاظمين—هديةً معنوية، فوقف الحاضرون عند سماع الاسم المبارك لإمام العصر:

«اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَی صَاحِبِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِیَّةِ، وَالصَّوْلَةِ الْحَیْدَرِیَّةِ، وَالْعِصْمَةِ الْفَاطِمِیَّةِ، وَالْحِلْمِ الْحَسَنِیَّةِ، وَالشُّجَاعَةِ الْحُسَیْنِیَّةِ، وَالْعِبَادَةِ السَّجَّادِیَّةِ، وَالْمَآثِرِ الْبَاقِرِیَّةِ، وَالْآثَارِ الْجَعْفَرِیَّةِ، وَالْعُلُومِ الْکَاظِمِیَّةِ، وَالْحُجَجِ الرَّضَوِیَّةِ، وَالْجُودِ التَّقَوِیَّةِ، وَالنَّقَاوَةِ النَّقَوِیَّةِ، وَالْهَیْبَةِ الْعَسْکَرِیَّةِ، وَالْغَیْبَةِ الْإِلٰهِیَّةِ».

وأخيراً، شكر آية الله كاظم قاضي زاده مرّةً أخرى، بخالص التقدير، حضور جميع الأساتذة والفضلاء، ولا سيّما الضيف الكريم للجلسة الدكتور إلهي الذي خصّص وقته، في الفرصة القصيرة لسفره إلى إيران، للقاء الإخوة، وقبل تقديم العشاء أعطى الكلمة للسيد محمود موسوي ليروي ذكرى قصيرة.

 

التعليقات

لا تعليقات بعد. كن أول المعلقين.

اكتب ملاحظة أو نقدًا أو تعليقًاشارك رأيك معنا ومع القرّاء دون مغادرة هذه الصفحة.
يُنشر تعليقك بعد موافقة المشرف.

مواد ذات صلة

المشورة في الحكم؛ صفات المستشارين في نظر الإمام علي (عليه السلام)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين، أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

لا ينبغي للحكومة أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة؛ الرضا العام في عهد مالك الأشتر

آية الله كاظم قاضي زاده: لا ينبغي للحكومة في قراراتها أن تضحّي بعامّة الناس من أجل الخاصّة. «أنديشه ما» – أفادت «أنديشه ما» نقلاً عن العلاقات العامة في مؤسسة فهيم للبحوث الثقافية بأنّ الجلسة الثانية والأربعين بعد الأربعمئة من سلسلة جلسات مؤسسة فهيم، التي عُقدت بمناسبة شهر رمضان 1447 هـ في قاعة المؤتمرات بالمؤسسة بحضور جمع غفير من فضلاء الحوزة العلمية وأساتذة الحوزة والجامعة، قد شهدت محاضرة لآية الله كاظم قاضي زاده، أستاذ البحث الخارج في الفقه ورئيس مؤسسة فهيم. وفي ما يلي مقتطفات من محاضرة الأستاذ قاضي زاده:

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

الحكم الرشيد في القرآن ونهج البلاغة؛ ماهية الفساد وسبل مواجهته

«أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.» إن الموضوع الذي عيّنتموه، أيها السادة الأعزاء والفضلاء، في هذه الأيام هو دراسة «الحكم الرشيد» في ضوء القرآن الكريم ونهج البلاغة. والمقرَّر أن يتناول كلُّ واحدٍ من الأساتذة المتحدثين في هذا المجال بُعداً من أبعاد هذا المفهوم ومباحثه.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨

الأسس القرآنية للحكم الرشيد؛ حقوق المعارضين من منظور القرآن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. أيّها الأساتذة والفضلاء المحترمون، إنّ الموضوع الذي أعتزم أن أطرحه معكم هو «الأسس القرآنية للحكم الرشيد مع التأكيد على حقوق المعارضين من منظور القرآن». وقد اختصرتُ البحث قليلًا، وسيكون المحور الأساسي لكلامي المسألة الخطيرة لـ«حقوق المعارضين» في الحكم الرشيد؛ وذلك لأنّ من المؤشّرات الرئيسة للحكم الرشيد في الأدبيات السياسية العالمية اليوم مدى التزام السلطة الحاكمة برعاية حقوق معارضيها.

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨